الفكر الاسلاميعلوم ومعارف

نقد النظام الديمقراطيّ الرأسماليّ

إنّ حجر الزاوية في بناء النظام الديمقراطيّ الرأسماليّ قائم على أساس الإيمان بالفرد إيماناً لا حدّ له، وبأنّ مصالحه الخاصّة نفسها تكفل – بصورة طبيعيّة – مصلحة المجتمع في مختلف الميادين، وأنّ فكرة الدولة تستهدف حماية الأفراد ومصالحهم الخاصّة، فلا يجوز لها أنْ تتعدّى حدود هذا الهدف في نشاطها ومجالات عملها.

ولذا يسعى النظام الديمقراطيّ الرأسماليّ إلى حماية الحرّيّات الأربع للفرد، والّتي تعكس في واقعها المرتكزات الأساسيّة القائم عليها هذا النظام، وهي كالتّالي:

أ – الحريّة السياسيّة: أي يحقّ لكلّ فرد – بشكلٍ متساوٍ – المشاركة في بناء النظام الاجتماعيّ للأمّة، والجهاز الحاكم فيه وتعيين السلطات، وذلك من خلال إبداء رأيه السياسيّ في تقرير الحياة العامّة للأمّة. وعلى هذا الأساس قام حقّ التصويت ومبدأ الانتخاب العامّ، الّذي يضمن انبثاق الجهاز الحاكم – بكلّ سلطاته وشعبه – من رغبة أكثريّة المواطنين.

ب- الحريّة الاقتصاديّة: أيْ الإيمان بالاقتصاد الحرّ لجميع الأفراد على حدٍّ سواء، حيث يُباح لهم التملّك للاستهلاك والإنتاج معاً، بل لكلّ فرد مطلق الحريّة والتنافس في انتهاج أيّ أسلوب، وسلوك أيّ طريقة لكسب الثروة وتضخيمها ومضاعفتها، وذلك على ضوء مصالحه ومنافعه الشخصيّة, لأنّه السبيل نحو

تحقيق التوازن الاقتصاديّ وقوانينه الطبيعيّة في المجتمع، لا سيّما من ناحية العرض والطلب.

ج- الحريّة الفكريّة: تعني أنْ يعيش النّاس أحراراً في عقائدهم وأفكارهم، ويعتقدون ما يصل إليه اجتهادهم، أو ما توحيه إليهم مشتهياتهم وأهواؤهم بدون عائق من السّلطة، بل لا يحقّ لدولة أنْ تسلبهم هذه الحريّة.

د- الحريّة الشخصيّة: وتعني تحرُّر الإنسان في سلوكه الخاصّ من مختلف ألوان الضغط والتحديد. فهو يملك إرادته وتطويرها وفقاً لرغباته الخاصّة، مهما نجم عن ذلك من مضاعفات ونتائج، ما لم تصطدم بحرّيّة الآخرين.

والخلاصة: أنّ الخطّ الفكريّ العريض لهذا النظام، هو ارتباط مصالح المجتمع بمصالح الأفراد، فالفرد هو القاعدة الّتي يجب أنْ يرتكز عليها النظام الاجتماعيّ، والدولة الصالحة هي الجهاز الّذي يُسخَّر لخدمة الفرد وحمايته.

نقد النظام الديمقراطيّ الرأسماليّ

لقد قام من أجل بناء نظام ديمقراطيّ رأسماليّ ونشر مبادئه في العالَم، العديد من الثورات والتحرّكات الجماهيريّة تحت مظلّة قادة وزعماء يعِدون بأنّ هذا النظام سيحمل لهم الخير الكثير والعيش السعيد، فضلاً عن كسب المال والثراء السريع.

وسندخل في بنية هذا النظام واتّجاهاته، لنكشف مدى حقيقة وواقعيّة تلك الوعود والأهداف، وذلك من خلال مناقشة ثلاثة أمور:

الأمر الأوّل: الاتّجاه الماديّ في الرأسماليّة

إنّ النظام الاجتماعيّ نظام مادّيّ خالص، أخذ فيه الإنسان منفصلاً عن مبدئه وآخرته، محدوداً بالجانب النفعيّ من حياته الماديّة مشبعاً بالروح الماديّة الطاغية، ورغم ذلك لم يُبنَ على فلسفة ماديّة للحياة، وعلى دراسة مفصّلة لها. ولا يعني ذلك أنّ العالَم لم يكن فيه مدارس

للفلسفة الماديّة وأنصار لها، بل كان فيه إقبال على النزعة الماديّة الّتي تأثّرت بثلاثة عوامل رئيسة ساعدت على بعث الماديّة في كثير من العقليّات الغربيّة، وهذه العوامل الثلاثة هي كالتّالي:

أ – التأثّر بالعقليّة التجريبيّة القائمة على الحسّ، والّتي شاعت منذ بداية الانقلاب الصناعيّ، واجتاحت معظم الميادين العلميّة لتكشف الكثير من الحقائق والأسرار في هذا الكون، حيث استثمرها الإنسان في بناء حياته الماديّة وتطويرها.

ب – التأثّر بروح الشكّ الفكريّ، الّذي أحدثه انقلاب الرأي في جملة من الأفكار والعقائد، الّتي كانت تُعدّ من المسلّمات الّتي يؤمن بها مجتمع القرون الوسطى، كالإيمان بأنّ الأرض مركز العالَم، فلمّا انهارت هذه الأفكار والعقائد في ظلّ التجارب الصحيحة، تزعزع الإيمان العامّ، وسيطرت موجة من الشكّ على كثير من الأذهان.

ج – التأثّر بروح التمرّد والسخط على الدِّين المزعوم والقائم آنذاك وهو الدِّين المسيحيّ ومن يُمثّله، بحيث استُغلّ من قبل الكنيسة استغلالاً شنيعاً، وجعلته أداة لمآربها وأغراضها في خنق الأنفس العلميّة وتجميد الأفكار والعقول عبر محاكم التفتيش، والتملّق للظلم والجبروت، حتّى تولّد من ذلك كلّه التبرّم من الدِّين المسيحيّ والسخط عليه.

ومع ذلك لم يُركّز النظام الرأسماليّ على فهم فلسفيّ ماديّ للحياة، وهذا هو التناقض والعجز، فإنّ المسألة الاجتماعيّة للحياة تتّصل بواقع الحياة، ولا تتبلور في شكلٍ صحيح إلّا إذا أُقيمت على قاعدة مركزيّة تشرح الحياة وواقعها وحدودها, بينما النظام الرأسماليّ يفقد هذه القاعدة، فهو ينطوي على خداع وتضليل, لأنّه جمّد المسألة الواقعيّة للحياة وشرع في دراسة المسألة الاجتماعيّة، وكشف أسرارها وقيمها بشكلٍ منفصل عن واقع الحياة.

هذا مع أنّ مسألة الإيمان بالله وانبثاق الحياة عنه ليست مسألة فكريّة خالصة لا علاقة لها بالحياة، ليُغفل عنها أو لتُفصل عن مجالات الحياة، بل هي مسألة تتّصل بالعقل والقلب والحياة جميعاً، وتُقام على أسس من القيم المعنويّة والماديّة معاً.

النتيجة: فإنّ النظام الرأسماليّ ماديّ بكلِّ ما للّفظ من معنى، وبالتّالي فهو إمّا أنْ يكون قد استبطن الماديّة، ولم يجرؤ على الإعلان عن ارتباطه بها وارتكازه عليها، وإمّا أنْ يكون جاهلاً بمدى الربط الطبيعيّ بين المسألة الواقعيّة للحياة ومسألتها الاجتماعيّة، وعلى هذا فهو نظام يفتقد الفلسفة الماديّة الواضحة الخطوط، والّتي لا بدّ لكلِّ نظام اجتماعيّ أنْ يرتكز عليها.

الأمر الثاني: موضع الأخلاق من الرأسماليّة

لقد كان من جرّاء هذه الماديّة الّتي زخر النظام الرأسمالي بروحها، أنْ أُقصيت الأخلاق عن الحساب، ولم يُلحظ لها وجود في ذلك النظام أو بالأحرى تبدّلت مفاهيمها ومقاييسها، وأعلنت المصلحة الشخصيّة كهدف

على، والحرّيّات جميعاً كوسيلة لتحقيق تلك المصلحة، فنشأ عن ذلك أكثر ما ضجّ به العالَم الحديث من محن وكوارث ومآسٍ ومصائب.

 

وقد يُدافع أنصار الديمقراطيّة الرأسماليّة عن وجهة نظرها في الفرد ومصالحه الشخصيّة قائلين: إنّ الهدف الشخصيّ بنفسه يُحقّق المصلحة الاجتماعيّة، وإنّ النتائج الّتي تُحقّقها الأخلاق بقيمها الروحيّة تتحقّق في المجتمع الديمقراطيّ الرأسماليّ، لكنْ لا عن طريق الأخلاق، بل عن طريق الدوافع الخاصّة وخدمتها, بمعنى أنّ الفرد حين يقوم بخدمة اجتماعيّة هو يُحقّق بذلك مصلحة شخصيّة أيضاً، وتعود عليه بالنفع، لأنّه جزء من المجتمع المستهدف بخدماته الفرديّة، وضمان ذلك هو الدافع الشخصيّ للفرد وما يتمتّع به من حسّ نفعيّ.

ولكنّ هذا الدفاع أقرب إلى الخيال الواسع منه إلى الاستدلال، فتصوّر بنفسك أنّ المقياس العمليّ في الحياة لكلّ فرد في الأمّة هو تحقيق منافعه ومصالحه الخاصّة

على أوسع نطاق وأبعد مدى، وكانت الدولة توفّر للفرد حرّيّاته وتقدّسه بغير تحفّظ ولا تحديد، فما هو وضع العمل الاجتماعيّ أو المنفعة الاجتماعيّة في قاموس هؤلاء الأفراد؟ وكيف يُمكن أنْ يكون اتّصال المصلحة الاجتماعيّة بالفرد كافياً لتوجيه الأفراد نحو الأعمال الّتي تدعو إليها القيم الخلقيّة؟!

الأمر الثالث: مآسي النظام الرأسماليّ

يُعتبر النظام الديمقراطيّ الرأسماليّ مادّياً في روحه، وصياغته، وأساليبه، وأهدافه، وإنْ لم يكن مركّزاً على فلسفة محدودة – كما سبق وأشرنا – تتّفق مع تلك الروح والصياغة، وتنسجم مع هذه الأساليب والأهداف، إلّا أنّ تطبيق هذا النظام بشكلٍ عمليّ، وانتشاره بين بلدان العالَم، أدّى إلى سلسلة حلقات من المآسي والويلات الّتي اجتاحت مختلف ميادين الحياة، نذكر منها على سبيل المثال:

أ – تحكُّم الأكثريّة في الأقليّة ومصالحها ومسائلها الحيويّة, لأنّ الحريّة السياسيّة – أحد مرتكزات هذا النظام ـ قد رُسمت قوانينها بما يُلائم حقّ الأكثريّة، فلنتصوّر بالتّالي أنّ الفئة الّتي تُمثّل الأكثريّة في الأمّة ملكت زمام الحكم والتشريع، وهي تحمل العقليّة الديمقراطيّة الرأسماليّة، وهي عقليّة ماديّة خالصة في اتّجاهها، ونزعاتها وأهدافها، فماذا يكون مصير الفئة الأخرى؟ أو ماذا ترتقب للأقليّة من حياة في ظلّ قوانين تُشرّع لحساب الأكثريّة ولحفظ مصالحها؟ فمن الّذي يحفظ لهذه الأقليّة كيانها الحيويّ ويذبّ عن وجهها الظلم، ما دامت المصلحة الشخصيّة هي مسألة كلّ فرد، وما دامت الأكثريّة لا تعرف للقيم الروحيّة والمعنويّة مفهوماً في عقليّتها الاجتماعيّة؟

ب – أمّا الحريّة الاقتصاديّة – وهي المرتكز الثاني في هذا النظام – فقد أجازت مختلف أساليب الثراء وألوانه مهما كان فاحشاً، ومهما كان شاذّاً في طريقته وأسبابه، ما كدّس المال والثروة في أيدي فئة قليلة من المجتمع الصناعيّ، وممّن أتاحت لهم

الفرص امتلاك وسائل الإنتاج الحديث، وزوّدتهم الحريّات الرأسماليّة غير المحدودة بضمانات كافية لاستثمارها واستغلالها إلى أبعد حدّ، والقضاء بها على كثير من فئات المجتمع، الّذين أصبحوا تحت رحمة تلك الصفوة، الّتي لا تُفكّر ولا تحسب إلاّ على الطريقة الديمقراطيّة الرأسماليّة، فمن الطبيعيّ حينئذٍ أنْ لا تمدّ يد العطف والمعونة إلى هؤلاء لتنشلهم من الهوّة، وتشركهم في مغانمها الضخمة. ولماذا تفعل ذلك ما دام المقياس الخلقيّ هو المنفعة واللذّة، وما دامت الدولة تضمن ذلك وتوفّر له مطلق الحريّة، وما دام النظام الديمقراطيّ الرأسماليّ يضيق بالفلسفة المعنويّة للحياة ومفاهيمها الخاصة؟!

ج – نصل هنا إلى أفظع حلقات المأساة الّتي يُمثّلها هذا النظام، حيث إنّ تلك الحريّة الاقتصاديّة قد أدّت إلى انقسام المجتمع إلى فئتين: قلّة في قمّة الثراء، وأكثريّة في المهوى السحيق. وهذا يعني أنّ الفئة

القليلة الرأسماليّة بحكم مركزها الاقتصاديّ في المجتمع، ستُتيح لها الحريّة السياسيّة – الّتي ستُعدم فيها المساواة بسبب الانقسام الاقتصاديّ – استعمال جميع وسائل الدعاية الّتي تُمكّنها من شراء الأنصار والأعوان، ثُمّ الوصول إلى مقاليد الحكم في المجتمع وتتسلّم السلطة لتسخيرها في مصالحها والسهر على مآربها، ويُصبح التشريع والنظام خاضعين لسيطرة رأس المال، بعد أنْ كان المفترض في المفاهيم الديمقراطيّة أنّها من حقّ الأمّة جمعاء.

وهنا يبدأ سريان المأساة إلى البلدان الأخرى والمجاورة لتلك البلدان المطبّقة للنظام الديمقراطيّ الرأسماليّ، حيث إنّ وفرة الإنتاج فيها، وبدافع الحرص على الربح السريع، والحفاظ على امتلاك القوّة الاقتصاديّة ـ كلّ ذلك ـ يتوقّف على مدى توفّر الموادّ الأوّليّة وكثرتها، والّتي هي موادّ منتشرة في بلاد الله العريضة، فالحصول عليها يتطلّب السيطرة على البلاد الأخرى واستعمارها، لكي تستطيع أنْ تمتصّ ثروتها، وتستغلّها من أجل تحقيق ملذّاتها ومصالحها الفئويّة الضيّقة في داخل بلدانها، هذا فضلاً عن تحويل تلك البلدان المستعمَرة إلى أسواق جديدة لبيع المنتجات الفائضة فيها.

مقتبس من كتاب:  إجتماعنا

دروس من فكر الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق