علم الأديان

نقد ألوهية المسيح في القرآن

إنّ القرآن الكريم يدعوا إلى عقيدة التوحيد بصريح القول، فالله سبحانه لا شريك له ولا إله آخر معه، وأيضاً فهو سبحانه صرف الوجود وبسيط الحقيقة لا تكثّر ولا تركيب في ذاته المقدّسة أبداً، إذ التكثّر والتركيب لازمه الفقر والإحتياج، وهو الغني المطلق بذاته.

وقد نفى سبحانه وتعالى في كتابه المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم الشريك والولد، والأوّل كما هو واضح إشارة منه سبحانه على نفي كل إله آخر سواه، والثاني هو نفي التركيب والتكثّر في ذاته.

وأم دليل يقيمه القرآن على نفي الأُلوهية عن المسيح، هو ما اتّصف به من صفات البشرية ولوازمها، فإن الإنسان لا يكون إلهاً بحال من الأحوال، وهذا يحتاج إلى إثبات عقلي مستقل.

يقول العلامة الطباطبائي في تفسيره الميزان في تفسير القرآن بخصوص هذه المسألة:

إنّ المسيح حملت به مريم، وربّته جنيناً في رحمها، ثم وضعته وضع المرأة ولدها، ثم ربّته كما يتربّى الولد في حضانة أمه، ثم أخذ في النّشوء وقطع مراحل الحياة والارتقاء في مدارج العمر من الصّبا والشباب والكهولة، وفي جميع ذلك كان حاله حال أي إنسان طبيعي في حياته، يعرضه من العوارض والحالات ما يعرض الإنسان، من جوع وشبع، وسرور ومساءة، ولذّة وألم، وأكل وشرب، ونوم ويقظة، وتعب وراحة غير ذلك.

فهذا ما شوهد من حال المسيح حين مكثه بين الناس، ولا يرتاب ذو عقل أنّ من كان هذا شأنه فهو إنسان كسائر الأناسي من نوعه، وإذا كان كذلك فهو مخلوق مصنوع كسائر أفراد نوعه.

ومن الآيات التي أشارت غلى بشرية المسيح، قوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ). المائدة: 72 – 73 – 74.

وقد خص الله تبارك وتعالى أكل الطعام من بين جميع الأفعال بالذكر، لكونه من أوضحها دلالة على المادية، واستلزاماً للحاجة والفاقة المنافية للألوهية، فمن المعلوم أنّ من يجوع ويظمأ بطبعه، ثم يشبع بأكلة أو يرتوي بشرية، ليس عنده غير الحاجة والفاقة التي لا يرفعها إلاّ غيره، فما معنى ألوهية من هذا شأنه؟ فإن الذي قد أحاطت به الحاجة واحتاج في رفعها الخارج من نفسه، فهو ناقص في نفسه مدبّر بغيره، وليس بإله غني بذاته، بل هو مخلوق مدبّر بوبوبية من ينتهي إليه تدبيره.

وأيضاً قوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). المائدة: 17.

فلو كان المسيح إلهاً لقدر على دفع أمر الله تعالى إذا أراد سبحانه إهلاكه وإهلاك غيره، يقول في مجمع البيان:

وبهذه الآية أجاب الله سبحانه على النصارى القائلين بأن الله جلّ جلاله اتّحد بالمسيح فصار الناسوت لاهوتاً يجب أن يُعبد ويتّخذ إلهاً، فاحتجّ عليهم بأنّ من جاز هليه الهلاك لا يجوز أن يكون إلهاً.

وأيضاً تشبيه عيسى المسيح بآدم قال سبحانه: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ). آل عمران: 59، وغيره من الآيات الكثيرة الأخرى التي تشير إلى كون المسيح إنساناً مخلوقاً وعبداً ورسولاً، نبّه القرآن على عدم الغُلو في شخصية المسيح، كما في قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ …). النساء: 171.

 

علي الشيخ

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق