تربية وثقافةتنمية

منهج المجتمع المثالي في الاسلام

قال تعالى :(وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا)

أنعم الله على عباده بنعم كثيرة وعظيمة، ومن هذه النعم نعمة الإسلام، فهو دين شامل لكلّ ما في حياة المسلم من جوانب وبما  أن الإسلام دين سماوي لا يختلف من دين سماوي إلى دين آخر سماوي؛ لأن الهدف واحد والغاية واحدة لجميع الأديان السماوية، هدفها واحد وهو إسعاد البشرية بخلافتها الأرضية، والغاية واحدة وهي تحقيق الربوبية لله وحده لا شريك له,ولذلك رسم الاسلام منهجا  في تنظيم العلاقات الاجتماعية التى تقوم على أساس ارتباط العقيدة بالشريعة ارتباطا عقائديا وعمليا مع الإنسان المنتسب إليه والمؤمن به إيمانا جازما لا يعتريه شك ولا نفاق بما يحقق الترابط الكامل بين عقيدة المسلم وشريعته الإسلامية،
طبعا لايقصد بالمجتمع المثالي أنّه المجتمع الخالي من كلّ أنواع الأخطاء، والذي يتصف بصفات المثالية، فحتى عصر النبوة والذي كان يتميّز بوجود رسول الله -ص- وهو على قيد الحياة في مجتمعه كان هناك وجود للسرقة وشرب الخمر، وما إلى ذلك ممّا قد يقع فيه كلّ ضعيف الإيمان، ثمّ كان بعد ذلك تطبيق للعقوبات حتى لا يصل المجتمع لمرحلة الانحطاط الديني والأخلاقي، وبالتالي فإنّ المقصود بالمجتمع المثالي هو المجتمع الذي يسير وفق مبادئ وقيم القرآن الكريم  التي تجمع بين الدين والدنيا، وتحثّ كل من يتبعها على تقوى الله والتعاون والمساواة والرحمة والعطف،
للمجتمع المثالي مناهج لا تخفى على ذوي البصيرة والفهم، وقد أشيرت هذه المناهج في القرآن الكريم  وفيما يأتي بيان لأهم منها وهي:

منهج لتحقّق وعود الله تعالى:

قال تعال : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) سورة النور(57)

الوعود الثلاثة من الله تعالى للمجتمع الاسلامي:

الوعد الاول:أن يستخلفهم في الارض.

والمقصود بالاستخلاف أن تكون لهم الغاية والحكم والهيمنة لإعمار الأرض وبنائها وإقامة الحضارة فيها على وفق منهج الله تعالى المبني على الحق والعدل والطمأنينة،ودفع الظلم والعدوان والبغي والفساد.

وقد تحقق هذا الوعد من الله تعالى للرسول(ص) فلم ينتقل إلى الرفيع الأعلى إلا وقد انتشر الإسلام ف كل انحاء الجزيرة العربية،وأصبحت دولة الإسلام قوية مهيبة الجانب.كمما تحقق بعده فأصبحت تمتد من الصين شرقا حتى المحيط الاطلسي غربا.

وهذه هي سنة الله تعالى في استخلاف المؤمنين كما استخلف الذين من قبلهم مثل ابراهيم وموسى وداود وسليمان(عليهم السلام).

الوعد الثاني:أن يمكّن لهم دينهم وهوالاسلام

ويكون ذلك بتمكينه في القلوب،ثم ف تدبير شؤون الحياة لتكون له الهيمنة على الارض،باعتباره دين الحق والعدل والاصلاح والعلم،وليكون أساسا للحكم في كل مجالات الحياة،ومنطلقا لتنظيم العلاقات الإنسانية وإقامة الحضارة.

الوعد الثالث: أن يبدل خوفهم أمنا.

فالأمن من أهم النعنم من الله تعالى،وهو أهم مطلب من مطالب الفرى والمجتمع،وبفقدانه تضطرب الحياة بمختلف جوانبها.

ولقد كان المؤمنون يدعون الى الله تعالى وعبادته وحده سرا وهم خائفون.وقد استمر الخوف بهم حتى بعد هجرتهم الى المدينة،حيث كانوا يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح.وقد صبروا على ذلك ثم نزلت هذه الآيات،وعم الاسلام جزيرة العرب وعم الأمن واطمنان المسلمون.

الشرط الذى تتحقق به وعود الله تعالى:

وقد تمثل هذا الشرط في الايمان المقترن بالعمل الصالح بما ينبيء عن التمسك الكامل بالاسلام،وعبادة الله تعالى وحده وقد عبرت الآيات عن هذا الشرط بقوله تعالى: (وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات)وفي وسطه بقوله تعالى: ( دينهم الذى ارتضى لهم)وهذا يشير الى اعتماد الاسلام دستورا للحياة ومنهجا للحكم والتشريع ومنطلقا للسلوك والاخلاق.

وفي النهاية بقوله: ( يعبدونني لا يشركون بي شيئا)بمعنى العبادة هي التعبير عن مكنون العقيدة وهكذا فإن الايمان الذى تتحقق به الوعود يستغرق حياة الفرد والمجتمع ويتمثل في توفير الاسباب وأعداد العدة والاخذ بالوسائل لتحمل أمانة الاستخلاف وهو الإيمان الذى لايشويه أي شرك،وبذلك يكون الفوز برضوان الله تعالى.

ثم إن قيام المؤمنين بالعبادة الخالصة لله تعالى تعني تمسكهم بمنهج الله،فلا يخرجون عنه،والا تصرفهم ملذات ولا يفسدهم سلطان ولا مال.فهذا شرط لتحقيق وعود الله تعالى.

لكنهم ان زلوا فأبطرتهم نعمة السلطان أو الجاه أو المال،وجحدوا فضل ربهم وحادوا عن منهجه فهم الفاسقون العاصون.

مقومات الاستخلاف والتمكين والأمن:

كان المجتمع قبل بعثة الرسول -ص- يعاني من الظلم والفساد، فالقوي يأكل حقّ الضعيف، وله السلطان عليه، ولمّا جاء رسول الله(ص) كان لزاما عليه أن يضع حدودا لذاك المجتمع الذي تملؤه الهجمية، فوضع مجموعة من الأسس والمقومات التي قام عليها المجتمع الإسلامي، وهذه المقومات في ظل دوحة الإيمان والعمل الصالح بصيغة الأمر كما يأتي:

-(وأقيموا الصلاة):

فهي ذروة سنام الاسلام وعمود الدين،وبها تتحقق صلة الانسان بخالقه،وتطهر نفسه وتزكو،وتوثق علاقة بالناس بما تعكسه صلاة الجماعة من النظام والترابط والتآلف.

-(وآتوا الزكاة):

فهي تطهير لنفس المزكي من الأنانية والأثرة،وتطهير للمال مما قد يلحق به حقوق للآخرين،وتطهير للمجتمع من الحسد والحقد والكراهية.

بالإضافة الى أن الزكاة من أهم وسائل التكافل الاجتماعي،ومعالجة المشكلات الاقتصادية،وتوفير فرص العمل وزيادة الانتاج.

-(واطيعوا الرسول):

وطاعة للرسول طاعة لله تعالى بقوله( من يطع الرسول فقد أطاع الله)النساء/80.

وهكذا بتنمية الفرد والمجتمع معنويا وماديا وتنفيذ شريعة الله تعالى والتزام منهج رسوله يحظى المؤمنون برحة الرحمان الرحيم فينجون في الدنيا من الضلال والذل والفساد والخوف،وفي الآخرة من العذاب.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق