علم الكلام

مناظرة الإمام الباقر عليه السلام وعالم النصارى

 

إذا حصلت محاورة بين من يمثل الدين الإسلامي ومن يمثل الدين النصراني وكانت محاورة أمام أهل عقل وتمييز لا محاولة تكون الكفة الراجحة لولاة الدينالإسلامي وأقصد من ذلك الرسول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أو أوصياءه عليهم السلام.

ورجحان الكفة إما أن تكون بإعلان التسليم والدخول في دين الحق أو الإقرار بأعلمية وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتأريخ يحدثنا عن وقوع مناظرة بين الإمام الباقر محمد بن علي عليه السلام، وبين أعلم النصارى، فقد ورد في تفسير الإمام العسكري عن إسماعيل بن أبان، عن عمرو بن عبد الله الثقفي قال: أخرج هشام بن عبد الملك أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام من المدينة إلى الشام، وكان ينزله معه، فكان يقعد مع الناس في مجالسهم، فبينما هو قاعد وعنده جماعة من الناس يسألونه إذ نظر إلى النصارى يدخلون في جبل هناك.

فقال ما لهؤلاء القوم؟ ألهم عيد اليوم؟

قالوا: لا يا ابن رسول الله، ولكنهم يأتون عالماً لهم في هذا الجبل في كل سنة في هذا اليوم، فيخرجونه ويسألونه عما يريدون وعما يكون في عامهم.

فقال أبو جعفر: وله علم؟

فقالوا: من أعلم الناس، قد أدرك أصحاب الحواريين من أصحاب عيسى عليه السلام.

قال: فهلم أن نذهب إليه.

فقالوا: ذلك إليك يا ابن رسول الله.

قال فقنع أبو جعفر رأسه بثوبه ومضى هو وأصحابه فاختلطوا بالناس حتى أتوا الجبل.

قال: فقعد أبو جعفر وسط النصارى هو وأصحابه، فأخرج النصارى بساطاً ثم وضعوا الوسائد، ثم دخلوا فأخرجوه ثم ربطوا عينيه فقلب عينيه كأنّهما عينا أفعى. ولعل المراد من قوله: وربطوا عينيه أي قد كانوا ربطوهما قبل أن يخرجوه، فلما حلوا الرباط قلبهما ونظر إليهم، ويحتمل أن يكونوا ربطوا جفني عينيه العلياوين إلى فوق ليتمكن من النظر من كثرة الكنز، وعلى أي حال فإن ذلك الراهب قصد نحو أبي جعفر عليه السلام فقال له: أمنا أنت أو من الأمة المرحومة؟

فقال أبو جعفرعليه السلام: من الأمة المرحومة.

قال: أفمن علمائهم أنت أو من جهالهم؟

قال: لست من جهالهم، وأنت تلاحظ الجواب اللطيف من الإمام الباقر عليه السلام للنصراني حيث نفى عن نفسه الجهل وسكت عن إدعاء العلم مريداً بذلك أن يصل النصراني لإثبات الأعلمية بنفسه، ليكون ذلك أبلغ في التأثير على نفسه، وعلى أي حال فإنه قال النصراني للإمام عليه السلام: أسألك أو تسألني؟

قال أبو جعفر عليه السلام: سلني.

فقال يا معشر النصارى رجل من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقول: سلني! إن هذا لعالم بالمسائل، ويظهر من كلامه إن المتعارف عند النصارى أن الناس يسألون الرهبان لعلمهم الغزير وأن أن يأتي أحد ويقول للراهب: سل فإن هذا شيء جديد، فإنه لا بدّ أن يكون أعلم من الراهب.

ثم قال الراهب: يا عبد الله أخبرني عن ساعة ما هي من الليل ولا هي من النهار أي ساعة هي؟

قال أبو جعفر عليه السلام: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.

قال النصراني: فإذا لم يكن من ساعات الليل ولا من ساعات النهار فمن أي الساعات هي؟

فقال أبو جعفر عليه السلام من ساعات الجنة وفيها تفيق مرضانا.

فقال النصراني: أصبت، فأسألك أو  تسألني؟

قال أو جعفر عليه السلام: سلني.

قال: يا معشر النصارى إن هذا لملي بالمسائل، يظهر من العبارة وأن هذا إقرار آخر من العالم النصراني بأعلمية الإمام الباقر عليه السلام في زمانه حيث قال النصرني: أخبرني عن أهل الجنة كيف صاروا يأكلون ولا يتغوطون أعطني مثله في الدنيا؟

فقال أبو جعفر عليه السلام: هو هذا الجنين في بطن أمه يأكل مما تأكل أمه ولا يتغوط.

قال النصراني: أصبت ألم تقل: ما أنا من علمائهم؟

قال أبو جعفر عليه السلام: إنما قلت لك: ما أنا من جهالهم.

قال النصراني: فأسألك أو تسألني؟

قال: يا معشر النصارى والله لأسألنه مسألة يرتطم فيها كما يرتطم الحمار في الوحل.

فقال: اسأل.

قال: أخبرني عن رجل دنا من إمرأته فحملت بابنين جميعاً، حملتهما في ساعة واحدة وماتا في ساعة واحدة، ودفنا في ساعة واحدة في قبر واحد، فعاش أحدهما خمسين ومائة سنة، وعاش الآخر خمسين سنة، من هما؟

قال أبو جعفر عليه السلام: هما (عزير وعزرة)، كان حمل أمهما ما وصفت ووضعتهما على ما وصفت، وعاش عزرة وعزير، فعاش عزرة وعزير ثلاثين سنة، ثم أمات الله عزيراً مائة سنة وبقي عزرة حياً، ثم بعث الله عزيراً فعاش مع عزرة عشرين سنة.

قال النصراني: يا معشر النصارى ما رأيت أحداً قط أعلم من هذا الرجل، لا تسألوني عن حرف وهذا بالشام، ردوني، فردوه إلى كهفه ورجع النصراني مع أبي جعفر عليه السلام.

والرواية وإن كانت ساكتة عن مصير النصارى بعد ذلك، إلا أنه يكفينا أن يعترف الراهب النصراني بأعلمية الإمام الباقر محمد بن علي عليه السلام الكاشف عن أحقية اتباع الدين الإسلامي من غيره من الأديان وفي تلك الواقعة حجة على النصارى في لزوم المسير وراء الدين الذي أمر به السيد المسيح عليه السلام فهو يقول: ما رأيت أحداً قط أعم من هذا الرجل لا تسألوني عن حرف وهذا بالشام ولهذه الكلمات أثر ووقع في نفوس بقية النصارى الذين رجعوا مع الإمام الباقر عليه السلام.

 

منقول من كتاب: دين محمد وأُمة من بشّر بأحمد – عبد الحليم عوض الحلّي

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق