علم الكلامعلوم ومعارف

مفهوم العصمة

بما أن بحث (العصمة) من البحوث الكلامية، فالتعريف الإصطلاحي يرجع إلى المذاهب الكلامية:

أ- التعريف الأشعري والحشوي:

قد ذكر علماء الأشاعرة تعاريف كثيرة؛ ترجع كلها إلى مسألة الجبر، وقاعدة اللطف والتوفيق. وحاصل الكلام هو: أن الأشاعرة ومن تابعهم يثبتون أن العصمة هي ملكة وقوة يمنّ الله تعالى بها على جملة من عباده بلطفه وتوفيقه، وإن اختلفوا بينهم في كون تلك العصمة تسلب العبد اختياره وتجبره على الطاعة وترك المعصية، أو يبقى العبد قادراً على ترك الطاعة وفعل المعصية وإن لم يقع منه ذلك[1].

ب- التعريف الإعتزالي:

لا خلاف بين المعتزلة والأشاعرة في الأمر الأول المتقدم في تعريف العصمة، وهو أنها ملكة وقوة إيمان بلطف وتوفيق من الله تعالى توجب فعل الطاعة واجتناب المعاصي، ويبقى الإختلاف مع بعض الأشاعرة في مسألة الجبر والإختيار. قال التفتازاني: >قالت المعتزلة اللطف ما يختار المكلف عنده الطاعة تركاً أو إتياناً أو يقرب منهما مع تمكنه في الحالين، ويسميان المحصل والمقرب، ويختص المحصل للواجب باسم التوفيق، وترك القبيح باسم العصمة<[2].

ج- التعريف الشيعي الإثني عشري:

يتضمن التعريف الإصطلاحي الشيعي جانبين مهمين من جوانب العصمة:

الجانب الأول: قاعدة اللطف؛ وهي: >أن العصمة لطف من فعل الله تعالى بالمكلف يحول دون الوقوع في المعصية<[3]. ويشترك في هذا التعريف المذاهب الكلامية عموماً.

الجانب الثاني: الإختيار، وهو: >أن حقيقة العصمة لا تعني أن الشخص المعصوم يصبح مجبراً على فعل الطاعة وترك المعصية، وإنما يبقى محتفظاً باختياره الإنساني<[4].

ويمكن الجمع بين هذين الجانبين بالقول أنه لا يوجد تنافي بين اللطف والإختيار الإنساني، وأن اللطف عبارة عن العلم القطعي والشهودي الوجداني لحقائق الأمور وعواقب الأعمال، بحيث يوجب قوة الإرادة ويخلق في نفس الإنسان دافعاً ووازعاً قوياً يصده عن الوقوع في مخاطرها وعواقبها الأخروية. فهذ العلم الإلهي هو اللطف الذي اصطفى الله تعالى به أنبياءه ورسله وخلفاءه على العالمين، وهو الذي صار سبباً ومنشأ لملكة التقوى العالية ودرجة العصمة الكاملة.

حاصل الكلام: هو أن حقيقة العصمة هي ملكة نفسانية إضافة إلى لطف الله الخاصة، وجميع المذاهب الكلامية اتفقوا في وجود العصمة بشكل عام، واختلفوا في تفسير حقيقتها، فانفرد مذهب الحشوية إلى القول بالجبر، وانفرد الشيعة إلى تفسير حقيقة اللطف بالعلم الإلهي الخاص الذي وهبه إلى أنبيائه لكشف حقائق الأمور والمعرفة التامة عن واقعيتها.

بقلم صدر الدين سي


1- الشيخ قيصر التميمي، عصمة الأنبياء ونظرية الإسهاء عند الشيخ الصدوق، ص29

2- التفتازاني، مسعود بن عمر، شرح المقاصد، ص312

3- عصمة الأنبياء ونظرية الإسهاء عند الشيخ الصدوق، ص30

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق