الفكر الاسلامي

مفهوم التجديد في الفكر الإسلامي

إن مصطلح التجديد له معنيان: معنى لغويّ، وآخر اصطلاحيّ، فالمعنى اللغويّ للتجديد هو: تصيير الشيء جديداً، وهو يعني كذلك وجود شيء على حالة معينة فطَرأ عليه ما غيّره وأبلاه، فإذا تمّت إعادة الشيء على حالتِه الأولى التي كان عليها قبل أن يصيبه التغيير كان ذلك تجديداً.
أما التجديد بمعناه الاصطلاحي أو الشرعي -أي ربط التجديد بالشريعة الإسلامية والدين الإسلامي- هو: “إحياء وبعث ما اندرس منه -أي الإسلام-، وتخليصه من البدع والمحدثات التي أضيفت له، وتنزيله على واقع الحياة ومستجداتها”، فعلى هذا المعنى فإن التجديد لا يقع على ذات الدين، وإنما يقع على علاقة الأمة بالدين ومدى الانضباط به والتفاعل معه. ويؤيد هذاحديث التجديد حيث يقول (ص: ((إنَّ اللهَ يبعثُ لهذه الأمةِ على رأسِ كلِّ مائةِ سنةٍ من يُجدِّدُ لها دينَها)،

كما أن مصطلح التجديد في الإسلام نشئ  من هذه الرواية ، ويقصد بتجديد الدين إعادته إلى ما كان عليه في أول عهده، ويعني هذا أن الدين قد كان تاماً ومكتملاً، ثم أخذ يعتريه النقص وذهب أكثره، فأعاده هؤلاء المجددون إلى قريب من حالته الاولى.

كما أن الحديث أضاف التجديد إلى دين الأمة وليس إلى ذات الدين، ( يجدد لها دينها ) ؛حيث أنه كلما انحرف الكثير من الناس عن جادة الدين الذي أكمله الله لعباده وأتم عليهم نعمته ورضيه لهم دينًا – بعث إليهم علماء- لا يلزم أن يكون في شخص واحد قد يكون في جماعة من أهل العلم – أو عالما بصيرا بالإسلام ، وداعية رشيدا ، يبصر الناس بكتاب الله وسنة رسوله الثابتة ، ويجنبهم البدع ، ويحذرهم محدثات الأمور ، ويردهم عن انحرافهم إلى الصراط المستقيم كتاب الله وسنة رسوله (ص) ، فسمى ذلك : تجديدًا بالنسبة للأمة ، لا بالنسبة للدين الذي شرعه الله وأكمله ، فإن التغير والضعف والانحراف إنما يطرأ مرة بعد مرة على الأمة ، أما الإسلام نفسه فمحفوظ بحفظ كتاب الله تعالى وسنة رسوله( ص)المبينة له ، قال تعالى : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )سورة الحجر/9.

وفي السياق نفسه  قال المناوي في شرحه لقول النبي (ص): (يجدّد لها دينها)، قال: “أي يبيّن السنة من البدعة، ويكثّر العلم، وينصر أهله، ويكسر أهل البدعة ويذلّهم”.

مجالات التجديد

إن التجديد في الفكر الإسلامي له عدد من المجالات، وهي:

التجديد في علم العقيدة:

ويكون ذلك بتخليص العقيدة الإسلامية مما علق بأذهان الناس عنها، وكذلك يكون بتجديد طريقة إيصال العقيدة؛ بحيث لا تُؤخذ العقيدة الإسلامية جامدة، وتجديد مدى تأثير العقائد في سلوك الناس وأفعالهم؛ ويكون ذلك بالابتعاد عن التلقين الصوري لعلم العقائد، والتركيز على الجانب السلوكي والعملي فيه.

التجديد في علم الفقه:

ويكون ذلك بإعادة الاجتهاد إلى الأمة المسلمة من جديد بعد أن توقّفت حركة البحث والاجتهاد مدّة طويلة، وخاصة أن هناك عدداً كبيراً من المسائل المستجدّة تحتاج إلى بحثٍ ونظر، وكذلك إصلاح ما يفعله كثيرٌ من الناس من تتبّع الرخص والبحث عن الأيسر، ويكون ذلك بضبط البوصلة باتجاه البحث عن الحق والتعرّف على حكم الله عز وجل في المسائل .

التجديد في علم الرواية:

ويكون ذلك بإحياء عمليّة تخريج الأحاديث وبيان الصحيح منها والضعيف، وكذلك تخريج ما لم يخرّج من كتب الحديث ووضع فهارس لتسهيل الوصول إليها.

التجديد في علم التفسير:

ويكون ذلك بإعادة إحياء التفسير على أُسُسِه وقواعده الصحيحة، وتجنيب الناس عوامل الانحراف في فهم كلام الله تعالى، ويكون ذلك بتنقية كتب التفسير من الإسرائيليات والخرافات والأباطيل التي ليس لها أصلٌ تستند إليه.

التجديد في علم التزكية والسلوك:

ويكون ذلك بتنقية هذا العلم من الانحراف والخرافات التي دخلته، وكذلك إعادة الفهم الصحيح للتزكية من خلال كتاب الله تعالى وسنة نبيه( ص)

التجديد في علم السيرة والتاريخ:

ويكون ذلك بتوثيق الأخبار والأحداث التاريخية، وتمييز الصحيح منها والضعيف، وبيان الفهم الصحيح لهذه الروايات والأحداث.

ضوابط التجديد التجديد في الفكر الإسلامي له عددٌ من الضوابط، وذلك حتى يكون تجديداً سائغاً مقبولاً لا منحرفاً مردوداً، ومن هذه الضوابط:

الاعتماد على النصوص الشرعية الثابتة: كنصوص القرآن الكريم والصحيح من سنة النبي (ص)؛ لأن الاعتماد على نصوص غير ثابتة ولا موثوقة ينتج لها تجديداً منحرفاً لا يتفق مع أصول الشريعة الإسلامية.

اتباع المنهج العلمي الصحيح في فهم النصوص: فمن ذلك مراعاة اللغة العربية ومدلولات الألفاظ فيها، وكذلك مراعاة فهم القدماء للنصوص بحيث يجعل فهمهم  هو الأساس الذي ينطلق منه المجدّد في فهم النصوص.

 

كتاب مفهوم تجديد الدين. بسطامي محمد سعيد.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق