علم العرفانعلوم ومعارف

مستحسنات الصوفية: اجتهادٌ مشروعٌ أو بدعةٌ مرفوضةٌ

الكاتب: الدكتور عثمان انجاي

– إن المستحسن، عند الصوفية، عبارةٌ عن طقوسٍ ووظائف وأورادٍ وأذكارٍ، يستظهرها الصوفي من النصوص الدينية اجتهاداً، وليس تضميناً كما يقول الجابري الناقد المحترم للتصوف، أو تعسّفاً كما يقول بعض الفقهاء والمحدّثين. ومفردة الاجتهاد تصلح مفتاحاً يسعفنا في استيعاب ما نريد التكريس عليه في هذا المقال الموجز، وهو أن ما يستحسنه الصوفي ينشأ من استنطاق للنصوص الدينية، في منهجٍ مضبوطٍ عنده.

يدّعي الصوفي أنّ القلب وما يعود إليه وقع مغفولاً عنه، ولم ينظر في شؤونه فقيهٌ ولا محدّثٌ، وانطلاقاً من هذه القناعة قد قام جاداً، حسب تقديره، ليتولى التأمل والاجتهاد في أطوار القلب وأحواله، وذلك عن طريق تشريع طريقةٍ تربطه بحقيقة الشريعة وباطنها، مستنداً في ذلك إلى الإشارات الدينية التي وردت في المصادر المعتبرة.

لا شك في أنّه توجد من بين طبقات الصوفية كوادر علمية متمكنة ومتعمقة في العلوم الإسلامية، وهذا يكفي في ضرورة احترام مواقفهم من الناحية العلمية والمعرفية بل الدينية، والقيام بمناقشتها، إذا أردنا مناشقتها بنزاهة وموضوعية، ويمكن خلاصة المدخل المنطقي للقيام بهذه المهمة، في أمرين:

  • التسليم بأنهم، كسائر الفقهاء، يجتهدون في فهم الدين؛
  • عدم اعتبار سقطات جهلاء الصوفية من التصوف والعرفان، كما لا ينبغي اعتبار سقطات بعض الفقهاء من الفقه.

ويبدو واضحاً لكل باحث متّتبعٍ أنّ هناك رجالاً صوفيةً  وقفوا ساديين عن ورود أي بدعةٍ واختلاقٍ في الطرق الصوفية، وكانوا يصرّون على مقولة الاجتهاد، مما يدل على أن الاستحسان الصوفي ليس عمليةً فوضوية تتم حسب هوى العارف وشهوته، الشيء الذي ينبغي أن يدفعنا نحو تقبل آرائهم، ولو قبولا مرحلياً، وإعطائها سمة علميةً، وعدم التعامل معها كما نتعامل مع الجهال وأعداء الدين.

وإذا انطلقنا من هذا المبدأ، فحينئذٍ سيسهل التفاهم والتقريب، بين الاتجاهين الفقهي والعرفاني -الصوفي، لكنّ ما دام ينظر العارف إلى الفقيه نظرة استحقارٍ، وينظر الفقيه إلى العارف نظرة استهزاءٍ، فلا نوفّق في إنهاء النزاع القائم بينهما أبداً، النزاع الذي لا أساس له، أحياناً، إلا التعصب والتعسف .

يمكن الإشارة إلى الخلاف القائم بين شيخ الإسلام ابن تيمية في ردّ الوِرد المفرد الصوفي بقوله: «والذكر بالاسم المفرد[1] مظهراً أو مضمراً بدعة في الشرع وخطأ في القول واللغة<. في الوقت الذي نرى الغزالي، حجة الإسلام كما يسمونه، يجوّز الذكر المفرد! ولا يخفى مقام هذين الشيخين على أحدٍ، فابن تيمية عمدة المشايخ في كثيرٍ من المسائل، والغزالي أيضاً مرجعهم ومنتهى الكثير من آرائهم، والإنصاف، في مثل هذه المسائل، هو أن نعتبرهما مجتهدين، قد سبرا في الشريعة الإسلاميّة، فخرج أحدهما بشيءٍ، بينما خرج الآخر بأمرٍ مناقض له، وهذا هو المنهج الصحيح في التعامل مع كل القضايا المختلف فيها.

فإن مسألة «مستحسنات الصوفية» أومسألة “آداب العبادات” لا تنحل، حسب نظري القاصر، إلا بتصحيح مبنى خاطيء، قد أرسى قواعده بعض الفقهاء، وذلك عن فكرة خاطئة ورؤية قاصرة، وهي أنهم هم المجتهدون في الدين ويجب على غيرهم التقليد والاقتداء بهم في كل شيءٍ، وإلا فهم مبدعون مشرّعون. ومفاد هذا الاتجاه في الحقيقة لا يخلو من أربعة فروضٍ:

  • الأول: إما نفي کمال الدين، واعتبارها خالية من المتون الأخلاقية والعقائدية والفلسفيّة.
  • الثاني: أن نفترض وضوح كلّ النصوص العقائدية والأخلاقية الموجودة في المتون الإسلاميّة بعد التسليم بوجودها في المتون الدينية، بحيث لا نحتاج فيها إلى اجتهادٍ، وإمعان نظرٍ؛
  • الثالث: كفاية اجتهاد الفقهاء في هذه النصوص، بحيث لا نحتاج في ذلك إلى اجتهاد من سواهم من الأخلاقيين والفلاسفة والمتكلمين والعرفاء.
  • الرابع: تعطيل النصوص الأخلاقية والعقائدية والفلسفية الواردة في الدين عن مفعولها، فتكون وجودها وعدمها على حدٍّ سواء.

كلّ هذه الفروض لا تخلوا من جهلٍ أو مبالغةٍ، لأنّ كتب الروايات والأحاديث النبويّة والمأثورة عن الصحابة والأئمة(عليهم) تحتوي، إضافة إلى الأحكام، على رواياتٍ في المعارف والأخلاق والعقائد. إنه توجد في الكافي والبخاري ومسلم أبواب: في الإيمان، التوحيد، العلم، الصدق، الكذب، الرياء وأبواب أخرى تلازم هذه المواضيع. والجدير بالذكر هو أن كثيرا من هذه الروايات لا تمت إلى الفقه التقليدي بأي صلة قريبةٍ كانت أو بعيدة، فالسؤال هو ماذا ينبغي أن يكون موقفنا قبال هذه الروايات إذا لم نقبل الاجتهاد فيها؟

فنسأل، ثانيا، ما المانع من اعتبار العرفاء مجتهدين في الأخلاق والمتكلمين والفلاسفة في الأصول العقائدية؟ يمعنون النظر في المعارف والأخلاق كما يمعن الفقيه النظر في المسائل العملية؟ ألا تُصلح هذه النصوص الأخلاقية والعقائدية مواد لذلك؟

فلا نرى أي مانعٍ في ذلك، يمكن اعتبارهم مجتهدين، وبهذا يرتفع كل الإشكالات، أو معظمها، من أنّهم مبدعون أدخلوا في الدين من المستحسنات والترهات، من الرقص، والسماع، والرباط.

والشواهد على أن العرفاء كانوا يعتبرون أنفسهم مجتهدين في هذا الفن، تفوت الحصر، فلنذكر عناصر الاجتهاد في نظرنا القاصر، ثم نذكر الشواهد على ما أشرنا، والعناصر هي:

الأول: وجود مادة / نصوص دينية؛ يبذل المجتهد في مقابلها الوسع لفهم حكم الله ومراده من خلالها، وآيات الأحكام هي النصوص الاجتهادية عند الفقهاء. وباقي الآيات والروايات المعرفية هي موضوع تأمل العارف والصوفي.

الثاني: الآلية والصلاحية: وهي الرتبة والملكة للاستنباط، فإنه كما يمكن فرض ملكة وقدرة، يقدر معها المجتهد الفقيه استنباط الأحكام العملية الشرعية، فكذلك يكتسب العارف ملكة الاجتهاد في الأخلاق، بالرياضة والتزكية، والتمعن في المتون الأخلاقية والمعارفية.

الثالث: ألا يكون المستنبط معصوماً: فالمجتهد غير المعصوم؛ لذلك لا ينبغي أن نسمي المعصوم مجتهداً، لأن المعصوم يستنبط، أو يؤسس ما يستنبط أو يؤسسه عن يقينٍ ودرايةٍ تامّةٍ، بخلاف المجتهد الذي لا يفارق الظن في مرحلةٍ من مراحل تفريعاته.

الرابع: أن يكون المجتهد مأذوناً بالاجتهاد في ذلك المجال: إن ما يثبت مشروعية الاجتهاد الفقهي، هو نفسه يثبت الاجتهاد العرفاني -الصوفي ، كالروايات والأصول العقلائية، التي تتلخص في ضرورة رجوع الجاهل إلى العالم، فنحن يجب أن نعود إلى الصوفي والعارف في فهم القضايا الأخلاقية كما نعود إلى الفقيه لمعرفة الأحكام العملية، ودليل هذين الموقف واحد لا فرق بينهما.

هذه هي عناصر الاجتهاد وهناك شواهد على أن العرفاء كانوا يعتبرون أنفسهم مجتهدين، يصيبون تارةً، ويخطؤون أخرى، وهي كالتالي:

الشاهد الأول: ادّعاء العارف أنّه متمسك بالكتاب والسنة؛

الشاهد الثاني: بيانه أصول التأويل والفهم: فإن العرفاء قد خصوا تأويلاتهم بالمعارف الأخلاقية والعقائدية، مع التحفظ عن الولوج في الأحكام العملية الفقهية، والشواهد على هذه المحافظة كثيرة جدا، منها قولهم بأن الشريعة هي الوسيلة إلى الحقيقة وهي حافظة لها. ومنها: إفتاؤهم بوجوب متابعة الفقهاء لمن لم يبلغ من السلاك رتبة الاجتهاد. وقد أوجبوا على المؤول شرطين التاليين:

الشرط الأول: إتقان التفسير الظاهري: قد صرحوا بهذا الشرط في كتبهم. الشرط الثاني: صفاء القلب: فهذا الشرط يعتبر عند العرفاء مدار كلّ الشروط بدونه لا يمكن الوصول إلى باطن القرآن الكريم.

وعليه لا يؤول الكتاب والسنة من وجهة نظر العرفاء كل أحدٍ، بل المؤول يجب أن يكون عالماً يعرف التفسير معرفة تامّة، ثم يكون قد مارس الرياضة والتزكية حتى يصفي قلبه لئلا يتم ذلك حسب هواه وأغراضه.

الشاهد الثالث: نفي العصمة عن العارف: العرفاء أولوا هذا المسألة عناية فائقة ولعله للاحتراز عن التهمتين التاليتين: الأول: من أنهم يدعون مقامات الأنبياء والأولياء المنصوصين؛  أو أنهم يريدون إثبات الاستغناء عن الوحي، لأنهم يدعون الكشف ولا يفرقون بينه وبين الوحي.

فبنفيهم العصمة عن أنفسهم ادّعوا الانتماء إلى وحي النبي(ص) ودينه، وأعلنوا براءتهم عن إتيان شريعةٍ جديدة.

هذه لمحة خاطفة عن الموقف الطبيعي الذي يجب اتخاذه تجاه المستحسنات الصوفية، وقد اتضح أن العرفاء كانوا يعتبرون أنفسهم مجتهدين في مقابل النصوص الدينية، ولا ينبغي بعد وضوح هذه المسألة أن نرميهم بالفسق أو الكفر والزندقة أو البدعة؛ أو نستخدم في مقابلهم الكلمات الجارحة، التي لا أساس لها.

ولا نعني من ذلك أن كل تأويلاتهم صحيحة من كل الجهات وسالمة من كل العيوب، بل فيها آلاف الأخطاء وأغلاط وتخبطات، كما وجدت في اجتهادات الفقهاء أمور عجيبة وغريبة، لكنه لا تجعلنا نطعن في قداسة الفقه والفقهاء بل ندعو لهم الثواب والغفران، فيجب علينا أن ننزل العرفاء بهذه المنزلة لا أكثر ولا أقل.

وقد ركز البعض، في البحث عن المستحسن، على بعض المصاديق، ليفتي في النهاية إلى أن المستحسن، كل المستحسن، أمر مبتدعٌ، وبدعةٍ باطلةٌ، لكن في هذا المنهج من البحث، شوباً من النقص والضعف، وأظنّ أن المدخل الصحيح لهذا البحث هو ما أشرنا إليه.


[1] -مثل بعض الأذكار الصوفية/ الأحد، هو، الله…

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق