أفريقياالعالم

محسن القذافي: الحلم الأفريقي والهجرة لأوروبا.. دوافع الرحلة إلى المجهول

رأى الكاتب والمحلل السياسي الليبي الدكتور محسن ونيس القذافي، أن الهجرة لأوروبا تشكل الحلم الأفريقي، كما يشكل ملف الهجرة جل الهموم الأوروبية، لافتا إلى أن أوروبا لا تزال تحاول إيجاد طرق للتعامل بشكل إيجابي مع هذه الظاهرة.

وأوضح القذافي، أن جل المعالجات لن تكون ناجعة وفاعلة، إن لم يتم وضع الدوائر الثلاث للهجرة ضمن خطة إصلاحية ومنهجية بعيدة المدى…. وللمزيد من التفاصيل والتوضيحات بشأن ظاهرة الهجرة، أسبابها، ودوافعها، وآليات الحد منها، كان لـ”بوابة إفريقيا الإخبارية” هذا الحوار مع الكاتب والمحلل السياسي الليبي الدكتور محسن ونيس القذافي، وإلى نص الحوار

بداية.. كيف ترون وتحللون ظاهرة الهجرة؟ 

لنعود للبداية، حيث ظهرت على السطح في ليبيا خلال السنوات الماضية مشكلة الهجرة غير القانونية إلى أوروبا، وبالأخص إلى السواحل الإيطالية، حيث تقدر السلطات في إيطاليا العدد المؤهل لمثل هذا النوع من الهجرة من ليبيا وحدها بـ1.5 مليون مهاجر، معظمهم من دول الشمال الأفريقي فضلا عن الدول الأفريقية الأخرى لاسيما من الصومال وإريتريا وتشاد وإثيوبيا.

يأتي معظم هؤلاء، خاصة الأفارقة منهم، بعد تجميعهم في أماكن التقاء ، لتقوم عصابات التهريب بنقلهم بعد انتظار أشهر، إلى أن تنتهي عصابات التهريب من استكمال “تخطيطاتهم” بالتعاون، في معظم الأحوال، مع بعض عناصر الشرطة وخفر السواحل والجماعات المسلحة والمليشيات والمتاجرين بالبشر، مستخدمة في ذلك – كما يقول بعض الشهود من المهاجرين – الرشوة.

دوائر الهجرة الثلاث

أن الهجرة غير القانونية هي دائرة أو حلقة مكونة من ثلاثة أجزاء، لا يمكن أن نتحدث عن حلول وعلاج لها بالاهتمام بجزء أو جزئين فقط، مما يعني ضرورة الاهتمام بالدائرة ككل وخلق مركز يدعم ربط حلقاتها، والأجزاء هي:

–      دول المصدر أو المنشأ.

–      دول العبور أو الترانسيت.

–      دول الوجهة أو الاستقبال.

إن محاولة النظر للموضوع من زاوية رغبات ومصالح أحد الأجزاء الثلاث لن تمثل حلاً جذريا، كما أن محاولة التسويق الإعلامي عبر الإيحاء بصورة نمطية واحدة فقط عن الهجرة لن تكون ذات جدوى، فهي ليست قارباً مطاطيا أو خشبياً يركب أمواج المتوسط بمهاجريه (أفريقياً أو عربياً أو اسيوياً) ويحاول التعدي علي حقوق مواطنين بدولة أخري.  إن الصورة النمطية للمهاجر في تابوت متحرك تلاطمه الأمواج، يشق البحر المتوسط، ليواجه الغرق والموت، ليست هي الحقيقة المجردة، ولكن تم تسويقها وتكرارها بإعلام ممنهج، والتقفها صناع القرار بما يخدم  المصلحة ولا يحل الأزمة، كون ذلك يمثل خلل ميزان الفواعل الثلاث.

دوافع الرحلة إلى المجهول

برأيك ما هي دوافع وأسباب الهجرة؟

لا زالت تدفقات المهاجرين غير القانونية مستمرة بحوض المتوسط، ومعظمها عن طريق البحر وفق ما أشارت اليه تقارير المنظمة الدولية للهجرة والوكالة الأوروبية لحماية الحدود (فرونتكس)، وبرغم تراجعها نسبيا بالمقارنة بأعوام سبقت، حيث وصل عدد المهاجرين إلى أوروبا، وفق ما نشرته بيانات منظمات تابعة للأمم المتحدة عام 2015 إلى ما يزيد عن مليون مهاجر، ليتراجع العدد إلى ما يقدر بــ 105 ألفا مهاجر عام 2019 حسب ما نشرته المنظمة الدولية للهجرة، كما وبسبب جائحة كورونا عام 2020 سجلت الأرقام تناقصاً كبيراً بسبب الحظر وإغلاق الموانئ والمعابر.

أكثر بلدان العبور للاتحاد الأوروبي شمال المتوسط، هما ليبيا وتونس، وتشكل كرواتيا والبوسنة والهرسك (بلدان العالقين) للهجرة لأوروبا الغربية من خلال اليونان وبلغاريا دول الجوار لتركيا.

ونستطيع أن نضع أهم الدوافع لرحلة المجهول والعبور بقوارب الموت إلى أوروبا من خلال الدوائر الثلاث: “المصدر، العبور، الوجهة”، حيث تعاني دول المصدر، على سبيل المثال، (ارتيريا، الصومال)، تدني المستوي المعيشي دون نهضة حقيقية اقتصادية، في وقت تتزايد فيه أعداد السكان وتتناقص فيه فرص التنمية والإعمار والتعايش السلمي، وتزداد مخاطر  الحروب الأهلية والطائفية والإثنية، لتبدو ملامح عدم الاستقرار السياسي جزءا يدفع لمزيد من الصراع، وتنهار أمام عتباته المنظومة الأمنية ويستشري الفساد والكساد.

الأرقام والإحصاءات في تزايد، وكورونا تخفف حدة التدفق

ماذا بشان الأرقام والإحصاءات الخاصة بظاهرة الهجرة؟

تأتي دول العبور، (ليبيا وتونس)، كــ طريق سهل لتدفق الهجرات الافريقية وغيرها، في ظل افتقار أوروبي للحلول والمعالجات وتزايد النفقات. فإذا وضعنا مقارنة لأرقام الهجرة، حسب ما ذكرت المصادر منذ عام 2006، والتي بلغت عدد لا يزيد عن 23 ألف مهاجر، ولعام 2015 أكثر من مليون، وإلى 390456 مهاجر في 2016، وإلى 186788 مهاجر في 2017، وإلى 144282 مهاجر في عام 2018، تمنح مؤشرات سلبية، وتدل دلالات واضحة علي الظروف غير الطبيعية التي تمر بها المنطقة بصفة عامة، وضعف مقاومة التدفقات لدول العبور بصفة خاصة، كما نستطيع أن نقرأ تلك الأرقام بأنها ستشكل مخاطر قادمة، تنعكس علي دول حوض المتوسط سواء العبور أو الوجهة، من الناحية الديمغرافية، وتمنح  فرصة داعمة للإرهاب (بشكل غير مباشر) وبشكل ونمط اقتصادي.

وضعت جائحة كوفيد-19، مزيداً من القيود، وهو ما أنعكس علي تدني أعداد المهاجرين حتى منتصف عام 2020، لتعود التدفقات بعد الفتح وحرية الانتقال إلى ارتفاع نسبي وتدريجي. الجدير بالذكر، بأن الهجرات العربية قد ازدادت وبالأخص من ليبيا وتونس، حيث سجلت تونس أكثر من 6000 مهاجر لأوروبا هذا العام.

الاتحاد الأوروبي (الوجهة) يلقي اللوم علي دول العبور

هل تضعنا في صورة أبرز الاتفاقيات الدولية في هذا الجانب؟

الحديث يرجع بنا إلى ليبيا كإحدى المعابر الرئيسية، فمن الناحية المحلية، دفع الصراع العسكري وعدم الاستقرار السياسي، وانهيار المنظومة الأمنية جنوباً، للهجرة واللجوء، كما مثلت التدفقات البشرية التجارة الرائجة للمهربين، والتي تصل إلى مليارات الدولارات سنوياً وفق ما أفصحت عنه الكثير من المراصد والمصادر. أما من الناحية الخارجية، فإن معظم الواصلين لم يستعينوا بقوارب المنظمات غير الحكومية أو خفر السواحل. وهذا يخالف ما تتبناه الكثير من الوسائل الإعلامية وتحديداً الأوروبية، فلم تكفي الوعود الأوروبية في تحقيق الهدف، وفق إجراءات دولية خجولة ومتضاربة لحل الأزمة.  تم نشر مقال بــ “موقع المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية “، تساءل عن إمكانية تحقيق تلك الخطط أو ضمان حماية حقوق المهاجرين في ليبيا، لافتاً إلى أنه رغم الدعم الأوروبي المقدم إلا أن قدرة قوات خفر السواحل والقوات البحرية الليبية مازالت محدودة، إلى جانب ضعف قدرة استيعاب مراكز احتجاز المهاجرين، وتوقع استمرار عبور نسبة كبيرة من المهاجرين إلى أوروبا، وشكك في إمكانية تنفيذ الخطط التي تم الإعلان عنها.

وبالتوقيع أوائل شهر فبراير لعام 2017 مذكرة تفاهم بين (ليبيا وإيطاليا) لوقف الهجرة غير القانونية، تنص على أن تقوم إيطاليا بتمويل برامج تنموية في المناطق المتضررة من ظاهرة الهجرة، وإقامة مشاريع في قطاعات الطاقة المتجددة والصحة والبنية التحتية، وتوفير دعم تقني للأجهزة الليبية المكلفة، وتأمين الحدود البرية والبحرية، الا أن تلك الإجراءات لم يتم تفعيلها واقعياً، بسب غياب سلطة الدولة الليبية، وأيضا الخلاف الأوروبي على زعامة المنطقة والمصالح، وتتضمن مذكرة التفاهم ثلاث نقاط رئيسية: أولها: التنفيذ الكامل لاتفاق الصداقة الموقع بين ليبيا وروما العام 2008 والذي يتضمن بدوره بنودا خاصة باحتواء أزمة الهجرة، وثانيها: تعزيز الدعم المقدم لقوات خفر السواحل والقوات البحرية الليبية، وثالثها: توفير تمويل لتحسين الأوضاع الصحية في مراكز احتجاز المهاجرين.

الهجرة غير القانونية.. وتأثير قراري الأمم المتحدة في ليبيا ( 1971 و 1973)

تحت مسمى عاصفة عاتية وفشل السياسات الأوروبية في المنطقة الوسطى من البحر الأبيض المتوسط يذكر تقرير منظمة العفو الدولية الكثير من البيانات، حيث لا تزال الأزمة الإنسانية تتكشف في المنطقة الوسطى من البحر الأبيض المتوسـط مـع وفـاة آلاف الأشـخاص فـي محـاولات يائسـة للوصول إلى بر الأمان أو الحصول على حياة أفضل في أوروبا. ففـي النصـف الثـاني مـن العـام 2017 وصـل 73,000 لاجـئ ومهـاجر إلى إيطاليا عن طريق البحر: بزيادة قدرها 14% عما كانت عليه في الفترة نفسها في النصف الثاني من عام 2016. كما لقـي نحو 2,000 شخص حتفهم، مما رفع معدلات الوفيات الي 2.7%. وهذا يمثل زيادة قدرها ثلاثة أضعاف ما كانت عليـه في النصف الثاني من عام 2015.

فبعد مرور سنوات من التدخل الدولي بشأن ليبيا وفق القرارين 1970 و 1973، وما الحق بهما من قرارات بالشأن الليبي العام، نود أن نرسم الخط العريض لما يخص ملف الهجرة، وفق ما جاء بتقارير المنظمات الدولية لعامي “2017-2018” (منظمة العفو الدولية-منظمة حقوق الإنسان-منظمة الأمم المتحدة)، حيث تشير التقارير إلى استمرار التنازع بين الشرعيات (الوطنية والخارجية)، وتمكن المليشيات والجماعات المسلحة من السيطرة علي المواقع الاستراتيجية. ومع استمرار النزاع المسلح، ووقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، تعرض  المهاجرين (رجالاً ونساءا وأطفالاً)  في مراكز الاحتجاز إلى الخطر، وتشير التقارير إلى تجاوزات خفر السواحل الليبية (في ظل غياب تام وعدم تعاون للمنظمات الدولية) بشأن المهاجرين.

الهجرات وارتباطها بــ الراديكالية وظاهرة انتقال المقاتلين الأجانب

ماهي الروابط بين الهجرة وانتقال المقاتلين الأجانب إلى أوروبا؟

ثمة ظاهرة أمنية أخري أكثر أهمية ومرتبطة بالهجرة، تمتد إلى ما أبعد من منطقة البحر الأبيض المتوسط، الا وهي ظاهرة انتقال المقاتلين الأجانب، حيث توضح التقارير انتقال الجماعات المتطرفة من مكان لآخر، ومن دولة لأخرى، بشكل متزايد، الأمر لا يتعلق بالعرب، بل طال اشخاصا من أوروبا، انتقلوا لدعم ومؤازرة تنظيم الدولة الإسلامية. والشكل التالي يبين عدد المقاتلين الأجانب (من سوريا) كمثال للانتقال والحركية لتلك التنظيمات.

SOURCE: SOFAN GROUP 2016

ماذا بشأن الرؤية الأوروبية تجاه ملف الهجرة ومقارابتها؟

الرؤية الأوروبية والتدابير الدولية لمكافحة الهجرة ومن ثم الإرهاب في حوض البحر الأبيض المتوسط لا تزال غير فاعلة، ولا تمثل رؤية واحدة وواعدة رغم تعدد المنظمات.

تجري منظمات الدفاع الدولية عدداً من العمليات المشتركة لتعزيز الأمن في منطقة البحر المتوسط:

ومن بينها، منظمة حلف شمال الأطلسي: (عملية حماية الملاحة)، حيث أعلنت في قمة وارسو 2016 عن مهمة جديدة لتقديم التوعية بالأوضاع السائدة ومكافحة الإتجار والإرهاب ودعم حرية الملاحة والمساهمة في بناء القدرات الإقليمية في البحر الأبيض المتوسط.  كما ضمت العملية مشاركة من أعضاء الحوار المتوسطي، كـــ “الجزائر ومصر وإسرائيل والأردن وموريتانيا والمغرب وتونس.

وتأتي يونافور – عملية صوفيا -: عملية الاتحاد الأوربي العسكرية في الجزء الجنوبي من وسط المتوسط، في  مهمة بحرية تابعة للاتحاد الأوروبي (EU) لتعطيل طرقات تهريب البشر في البحر الأبيض المتوسط، مع أصول بحرية تشمل حاملة الطائرات الإيطالية آي تي أس كافور (ITS-Cavour) وثماني فرقاطات أوروبية أخرى، وسفن دعم ودورية.

وتضع فرونتكس: الوكالة الأوروبية إدارة التعاون في مجال العمليات على الحدود الخارجية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عملية تريتون (Triton)، وهي عملية أكثر محدوديةً لجمع معلومات استخباراتية أمنية حدودية والتدقيق مع المهاجرين الذين يتم إنقاذهم في البحر. وتحظى هذه العملية بدعٍم من 16 دولة أوروبية بقيادة إيطالية، ُمعتمدةً على طائرتي مراقبة وعدة سفن حربية وحاملة طائرات عمودية (هليكوبتر) بريطانية.

وهناك مجهودات أخرى يقوم بها شركاء منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الإقليميين: أعضاء الحوار المتوسطي Mediterranean-Dialogue وأعضاء مبادرة اسطنبول للتعاون (Istanbul Cooperation Initiative) غير التابعين لمنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) من خلال مجموعٍة متنوعٍة من الآليات (مثل الوفود السياسية والتقنية والتمويل والتدريب وتبادل المعلومات).

كما شارك الاتحاد الأوروبي في مجموعة من البعثات لدعم الأمن في المنطقة، وتضّمن ذلك بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية لتعزيز أمن الحدود في ليبيا، يوبام، ودعم حفظ الأمن وسيادة القانون في الأراضي الفلسطينية (البعثة الأوربية لمساندة الشرطة الفلسطينية)، EUPOL-COPPS. أو تقديم مساهمة قدرها 75 مليون يورو لصندوق أوربي لأمن مالطا الداخلي.

وقد كان لمجموعة حوار 5+5 في غرب المتوسط دور محدود، حيث  شاركت خمس بلدان أوروبية (فرنسا وإيطاليا ومالطا والبرتغال وإسبانيا) وخمسة بلدان شمال أفريقية (الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس) في هذا الحوار المتوسطي، وتم عقد اجتماعات منتظمة رفيعة المستوى بين وزراء الدفاع للتنسيق في المسائل الملاحية والبحرية، والتعاون بشأن كلية الدفاع 5 + 5.

ويبدو بأن كل تلك المنظمات والجهود لم تحقق نتائج ايجابية، وذلك لأسباب عديدة، وأهمها، هو عدم وضع خطط المعالجة  وأهمها الاستقرار السياسي والاقتصادي بدول المصدر والعبور، كما مثل الانقسام الأوروبي الكثير من الخلافات بين الشركاء،  وأهمها نسب التضرر  بين دول الوجهة تلك، حيث  استفادت بعض الدول الأوروبية من تلك الميزانيات المقررة دون غيرها، أيضاً، فإن تقاسم المهام ومشاركة الأعباء والبرامج المشتركة لم يكن بالحد الكافي لدول الحوض وبالأخص الدول العربية.

الموت يحصي الرجال والنساء والأطفال 

تثبت الإحصاءات بأن هناك خلل أو فشل ما، فقد تم نشر تقارير دولية تشير إلى أنه (منذ بداية العام 2017)، وصل ما يقرب من 37 ألف لاجئ  ومهاجر، 13% منهم من الأطفال، إلى إيطاليا بحراً عبر البحر الأبيض المتوسط، أي بزيادة تقدر ب 42% بالمقارنة مع نفس الفترة من عام 2016، وقد فقد ما لا يقل عن 849 شخصاً في البحر على طول الطريق (منذ يناير لنفس العام). وبحسب تقرير إحصائي صادر عن وزارة الداخلية الإيطالية فإن جنسيات المهاجرين منذ بداية العام 2017 مرتبة وفق عدد القادمين هي (غينيا، ساحل العاج، نيجيريا، السنغال، مالي، إريتيريا، غامبيا، السودان، بنغلاديش، والصومال)، وتشير اليونيسيف إلى أن عدد الأطفال غير المصحوبين بذويهم والمنفصلين عنهم والذين يخاطرون بحياتهم في وسط البحر المتوسط قد زاد بشكلٍ كبير، حيث وصل ما يقارب من ألف وثمانمائة طفل إلى إيطاليا خلال شهري يناير وفبراير 2017، أي بزيادة قدرها 40% عن عام 2016.

وأضافت المنظمة في توضيح لها على صفحتها بتويتر، (أن الربع الأول من العام 2016 شهد ارتفاعاً في عدد الوفيات في المتوسط بنسبة 72%، والذي بلغ 595 شخصاً مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي والتي سجلت 346 حالة وفاة بحسب المنظمة، وهذا يمنحنا القول،  بأن كل الجهود الدولية سواء المكافحة للهجرة أو الإنقاذ البحري أو غيره لم تكن في مستوي الأحداث، ويدفع لقراءة حقيقة الانقسام الأوروبي وتشتت الجهود وضعف المعالجات، وكان أخره الإجراءات الجديدة التي اتخذتها بريطانيا بملف الهجرة (النقاط والمعايير)  بعد بريكست  عام 2020.

التحركات الدولية والأوروبية بشأن الهجرة

المفوضية السامية لشؤون الهجرة، تسعي لضمان احتياجات الحماية المحددة لطالبي اللجوء واللاجئين والاعتراف بالإطار القانوني القائم لتلبية هذه الاحتياجات؛ ومن ضمن ما تضعه من سياسات، هو الحرص علي مساعدة الدول والشركاء في تلبية التحديات المتعلقة بإدارة الهجرة، وتحديد دوافع  الهجرة والاتجار، ومراعاة الطابع العالمي لحقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق جميع الأشخاص المتنقلين بغض النظر عن صفتهم القانونية.

ومن بين تلك الخطط المرسومة عام 2014 (مبادرة المفوضية لدول أوروبا المطلة علي وسط البحر الأبيض المتوسط)، بمسارات ثلاثة وهي: “خطوات داخل أوروبا، خطوات بالتنسيق مع بلدان اللجوء الأولي والعبور، خطوات بالتنسيق مع دول الأصل”، أي بالرجوع الي الحلقات الأساسية الثلاث للهجرة،

قمة بروكسل 2018 للاتحاد الأوروبي والاتفاق بشأن ملف الهجرة  

برغم أن القمة لم تحل الكثير من الإشكالات والخلافات  بين دول الاتحاد الأوروبي بشأن الهجرة، بسبب التحفظات الإيطالية، والمطالبة في وقت سابق بالزام الشركاء الأوروبيين بتعهداتهم.  ومن أهم ما توصل اليه الزعماء الـ 28 ، يتلخص في توجه فني بحت، الا وهو إنشاء منصات وصول  للمهاجرين بدلاً من مراكز التجميع، مع منح اللاجئين الحق في اختيار دولة المركز، وهي خطوة لتقاسم الأعباء بين الشركاء،  كما يشير الاتفاق إلى ضرورة احترام كافة السفن للقوانين، وعدم تدخل تلك السفن في العمليات التي يقوم بها خفر السواحل.

كورونا توقف قوارب الهجرة وتنذر بتفشي الفيروس بين اللاجئين 

ماذا عن كورونا والهجرة غير الشرعية؟

تذهب أرقام وإحصاءات وبيانات عام 2020 للهجرة إلى مستويات متدنية تصل إلى 90% عما كانت عليه، وفق ما أكده المسؤول الأوروبي لــ حرس الحدود الأوروبية،  “بوروفسكسي”، وهو مؤشر إيجابي، نتيجة اغلاق الدول للمعابر والحدود، ومنع السفر والحظر المفروض بين الدول بسبب الجائحة العالمية كوفيد-19.

فقد أعلنت منظمة أطباء بلا حدود، بأن الفيروس “كورونا” ينتشر في مخيمات اللاجئين بمدينة  ليستوس اليونانية، كما أن اللاجئين سيكونون أكثر عرضة للعدوى رغم تعتيم السلطات الرسمية وحجب الحقيقة ومنع المنظمات غير الحكومية بالمراقبة والمتابعة، وفق ما أشارت إليه الصحفية “فرانسيسكا غريلماير”، وتؤكد من خلال ما نشرته، بأن اليونان تستخدم الجائحة لفرض أجندات تخص ملف اللاجئين. وهذا الأمر تم تأكيده عبر مصادر أخري، بل يذهب إلى أسوء من ذلك، حيث يتوقع الخبراء خروج الوباء عن السيطرة في تلك المخيمات.

كما حذّرت لجنة الإنقاذ الدولية من انتشار الفيروس “كورونا المستجد” بشكل سريع، وقد يكون أشد انتشارا وفتكاً في المراكز والمخيمات المكتظة بالمهاجرين، ويتجاوز ما حدث (مطلع العام  2020) بالسفينة “دايموند برنسيس”، والميناء الياباني يوكوهوما.

في الوقت نفسه، أفادت وكالة الحدود الأوروبية “فرونتكس” يونيو 2020، أن أعداد اللاجئين الذين يحاولون العبور إلى أوروبا تتزايد بشكل ملحوظ في الأشهر القلية الماضية لعام 2020، بخلاف ما كان عليه الحال في بدايات أزمة كورونا. ووفقاً للتقرير، سجلت فرونتكس ما مجموعه 31 ألفاً و600 عبور حدودي غير قانوني بين يناير ومايو – أقل بنسبة ستة بالمائة عن نفس الفترة من العام الماضي 2019.

فلم تنتهي الهجرة برغم كورونا، حيث لا زالت بعض الدول الأوروبية المطلة على الحوض المتوسط، تعلن وصول المئات من المهاجرين غير القانونيين، وفي ذروة تفشي الوباء، يذهب أحد المسؤولين الأوروبيين للتأكيد بوصول  حوالي 4500 عملية عبور غير قانونية من قبل مهاجرين إلى حدود الاتحاد الأوروبي في مارس الماضي، ورجوعا إلى ليبيا وتونس، وعبر وسط البحر المتوسط، ومنه إلى إيطاليا ومالطا، فقد سجلت فرونتكس 5500 حالة هجرة غير قانونية، أي ما يقرب ثلاثة أضعاف العدد في نفس الفترة في عام 2019.

ولا تزال قوارب الهجرة واللجوء تنتظر على يابسة أوروبا للدخول وفق إجراءات المراكز والحجر، أو في عرض البحر منتظرة الإذن بالملاحة، أو مواجهة مصير مجهول لأرواح تطوف في مياه المتوسط.

الهجرة من ليبيا في زمن كورونا

لنتطرق لظاهرة هجرة الشباب الليبي أسبابها ودوافعها؟ 

الجديد في بوابة الهجرة هو ظاهرة تدفق  الشباب الليبي لأوروبا خلال 2020، غير أن البيانات لا تزال شحيحة، وهذا –إن صح-  سيغير المعادلة لتصبح الدولة الليبية المصدر والعبور.

كما يزال أكثر من 1000 مهاجر من المسجلين في برنامج العودة الإنسانية الطوعية التابع للمنظمة الدولية للهجرة عالقين في ليبيا بسبب الأوضاع الأمنية، ويؤكد مهاجرون للمنظمة الدولية للهجرة، ممن فروا من ليبيا إلى أوروبا مؤخراً، بأن السبب يكمن في تدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية. ويضيف رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في ليبيا، فيديريكو سودا، إن عمليات المنظمة تأثرت كثيرا بسبب الأوضاع الأمنية، مما أعاق نقل اللاجئين إلى نقاط العبور.  وقالت المنظمة إنه في نفس الفترة من العام الماضي انتشل خفر السواحل 23 جثة إلى ليبيا، وأضاف أن الزيادة الحالية المفاجئة في عدد المغادرين تثير القلق بشكل خاص بالنظر إلى محدودية قدرات البحث والإنقاذ في البحر المتوسط.

وختاماً، 

يبدو من الواضح بأن فيروس كورونا المستجد سيغير مسار وقوانين الهجرة، ليس في أعداد المهاجرين فقط، بل في قوانين المراكز والمخيمات والإجراءات المتبعة، كما يبدو بأن أوروبا لا تزال محافظة علي المنظومة الإنسانية توافقاً مع القانون الدولي العام وقوانين حماية اللاجئين (رغم المصاعب والانشقاق)، وهو ما يؤكد فشل “سالفيني” وزير الداخلية الإيطالي، إغلاق موانئ ايطاليا أمام المهاجرين (116) مهاجراً، وقد تسبب منعه سفينة “غيرغوريتي” من الرسو علي اليابسة الإيطالية، احالته الي القضاء في محاكم كاتانيا بتهم استغلال السلطة واعتقال افراد.

تشكل الهجرة لأوروبا الحلم الأفريقي، ويشكل ملف الهجرة جل الهموم الأوروبية، ولا تزال أوروبا تحاول إيجاد طرق للتعامل بشكل إيجابي وتطرح البدائل والحلول، ومن ضمنها  “البطاقة الزرقاء”، غير أن المعالجات كما ذكرنا سلفاً لن تكون ناجعة وفاعلة، إن لم توضع الدوائر الثلاث للهجرة ضمن خطة إصلاحية ومنهجية بعيدة المدى.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق