علم العرفانغير مصنّفة

مبادئ علم العرفان (2)

خصائص علم العرفان وتاريخه

الفرق بين التصوّف والعرفان

التصوّف حركة ظهرت في العالم الإسلامي منذ القرن الثاني الهجري، وذلك استجابة لبعض النصوص الدينية التي تدعو الإنسان المسلم للابتعاد عن الدنيا، والانشغال بالعبادة والطاعة. والتصوّف في اللغة مصدر على وزن تفعّل، فهو مصدر اشتق من اسم، ويعني لبس الصوف، مثل: تقمّص, فهي تعني لبس القميص[1]. وتطلق في بعض معانيها على الميل: “يقال” صاف السهم عن الهدف, بمعنى “مال عنه…”[2] ويطلق التصوّف ويراد به النسبة إلى الصوف, لأنّ بعض الزّهاد اختاروا هذا اللباس للدلالة على الزهد، وقد يراد النسبة إلى “الصُفّة” أو إلى الصفاء. جاء في كتاب “كشّاف اصطلاحات الفنون” ما نصّه: “في اللغة، التصوّف يعني ارتداء الصوف, وهذا نتيجة الزهد وترك الدنيا، وفي نظر أهل العرفان تطهير القلب من محبّة ما سوى الخالق، وتقويم الظاهر من حيث العمل والاعتقاد بالتكليف أو المأمور به، والابتعاد عن المنهي عنه، والالتزام بما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهؤلاء جماعة من المتصوّفة المحقّة”[3].

قد عرّفوا التصوّف بتعاريف متعدّدة، من جملتها ما ذكر أبو الحسن النوري: “التصوّف هو الابتعاد وترك العلائق النفسيّة فالمتصوّفة هم الذين اطلقوا أنفسهم من كدر البشرية، وتخلّصوا من الآفات النفسيّة وهواها, وذلك من أجل أن يكونوا في مقدّمة الصفّ…”[4]. أمّا ابن خلدون، فيحدّد التصوّف بشكل أدقّ، ويقول: “هو العكوف على العبادة، والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذّة ومال وجاه…”[5] وهناك العديد من العبارات الأخرى التي ذكرها الصوفية في تعريف التصوّف والصوفي[6].

أمّا ما هو الفرق بين التصوّف والعرفان؟

بداية لا بدّ من الإشارة إلى أنّ العرفان الإسلامي ظهر بداية على شكل حركة صوفية[7]، كان المراد منها تربية النفس وتهذيبها عملياً، وإبعادها عن كلّ ما له علاقة بالدنيا وزخارفها، ثمّ تحوّلت هذه الحركة الصوفية – ونتيجة اتّساعها – إلى أن تصبح حركة أكثر تكاملاً، تمتلك نظرية خاصة ورؤية محدّدة لله والإنسان والوجود، وبناءً على ذلك. فإنّ الاختلاف بين التصوّف والعرفان يعود إلى وجهتي نظر:

الأولى: أنّ للعرفان والتصوّف معنى واحداً من حيث الاصطلاح، وما يميّزهما هو اختلاف بسيط. فقد درس الباحثون الإسلاميون العرفان في بُعْدين: الأوّل باعتباره حركة ثقافية معرفية، والثاني باعتباره حركة اجتماعية وُجِدت في العالم الإسلامي بعد نزول الوحي. وإذا كان العرفان يدخل على كلا البعدين، فإنّ التصوّف يدلّ على البعد الاجتماعي للعرفان. وهذا يعني أنّ الحركة الصوفية هي حركة اجتماعية وُجِدت في المجتمع الإسلامي، كانت تدعو للعمل بالتعاليم الدينية فيما له علاقة بالزهد والابتعاد عن الدنيا…[8]. الثانية: أنّ العرفان أعلى من التصوّف, لأنّ التصوّف أسلوب وطريقة نابعة من العرفان. وهذا يعني أنّ النسبة بينهما نسبة العموم والخصوص المطلق. فكلّ عارف متصوّف، وليس من الضروري أن يكون كلّ متصوف عارفاً. ولعلّ إلى هذا البحث أشار الشيخ الرئيس ابن سينا في حديثه حول الزاهد والعابد والعارف، حيث قال:[9] “المُعْرِض عن متاع الدنيا وطيّباتها يُخَصُّ باسم الزاهد، والمواظب على فعل العبادات، من القيام والصيام ونحوها، يُخَصُّ باسم العابد، والمنصرف بفكره إلى قدس الجبروت، مستديماً بشروق نور الحقّ في سرّه يُخَصُّ باسم العارف، وقد يتركَّب بعض هذه مع بعض”.

الفرق بين الأخلاق والعرفان

أشرنا إلى أنّ العرفان العملي علم يوضّح كيفية السير والسلوك للوصول إلى الحقيقة المطلقة، وهو بهذا الأسلوب يبيّن ما ينبغي على السالك أن يفعله وما لا ينبغي. وعلى هذا الأساس، فالعرفان العملي لا يختلف كثيراً عن علم الأخلاق الذي هو علم يبيّن كيفية اكتساب الفضائل والابتعاد من الرذائل. ومع ذلك يمكن الإشارة إلى بعض العناوين التي تشكّل الفوارق الأساسية بين العرفان، بشقّيه النظري والعملي، والأخلاق. الفارق بين الاثنين هو ما عبّر عنه الشهيد الأستاذ مرتضى مطهري، عندما أشار إلى أنّ العرفان علم مَرِن، بينما الأخلاق علم جامد ثابت. والمقصود من ذلك أنّ العرفان العملي يبيّن عملية السير والسلوك عند العارف، حيث يجب تحديد نقطة البداية والمقصد والمنازل التي يجب أن يطويها العارف للوصول. وهذه المنازل لا يمكن أن تُطوى إلا بالتدريج، ومنزلاً بعد منزل. أمّا الحديث في الأخلاق. فليس حول منازل تتحقّق بالتدريج وواحدة بعد أخرى، بل الحديث حول سلسلة من الفضائل، من قبيل الصدق والعدل والعفّة والإحسان والإنصاف والإيثار… من دون وجود أيّ تراتبيّة في الموضوع. العناصر الأخلاقية محدودة بمعانٍ ومفاهيم معروفة في الغالب، أمّا العناصر العرفانية فواسعة جداً وعميقة. قد نقول على سبيل المثال: إنّ الشخص الفلاني صادق، فهذا معنى واضح ومعروف، ويدلّ على حالة خاصّة عنده، أما عندما نقول: إنّ العارف تحصل له المقامات والأحوال الفلانية، كالرضا على سبيل المثال، فهذا ليس أمراً واضحاً محدّداً، ولا محصوراً بمفاهيم لفظية وغير لفظية. ما تقدّم عبارة عن الفارق بين العرفان العملي والأخلاق، أمّا ما يميّز العرفان النظري عن الأخلاق، هو أنّ العرفان النظري مذهب فكري، يُعني بتفسير الوجود ومعرفة الله والعالم والإنسان، فالعرفان النظري من هذه الجهة كالفلسفة، وهذا يخالف علم الأخلاق[10]

خصائص العرفان الإسلامي

يمتاز العرفان الإسلامي بمجموعة من الخصائص والعناوين التي تميّزه عن غيره من الحركات “العرفانية” التي وُجِدت على امتداد الأديان والمذاهب البشرية، ونشير هنا إلى أبرز هذه الخصائص:

1- محورية الله تعالى:

يتمحور العرفان الإسلامي حول الله تعالى، فالعرفان بكلا قسميه مرفوض وغير صحيح إذا حذفنا منه الله تعالى. ومحورية الله تعالى تتضمّن الإيمان به تعالى، وفهم كافة الوجود في إطار وجوده، ومن ثمّ العمل والحركة أو السير والسلوك نحوه.

2- الولاية:

يعتبر السالك إلى الله في العرفان الإسلامي من أصحاب الولاية، وهذا يعني معرفة الإنسان الكامل والمعصوم وحبّه والالتزام العملي بسيرة أولياء الله تعالى.

3- العمل بالشريعة:

يمتاز العرفان الإسلامي بأنّه يتحرك طبقاً للشريعة, أي طبقاً للأحكام الفقهية الإسلامية. والشريعة تشكّل المحور الأساس الذي يستقي منه العرفاء مادّة سيرهم وسلوكهم، وبها يعرفون مدى الإصابة والخطأ فيهما. فالعرفان من دون الشريعة ضلال. عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: “ألا وأنّ شرائع الدين واحدة وسبله قاصدة, فمن أخذ بها لحق وغنم، ومن وقف عنها ضلّ وندم”[11].

4- العقلانية:

العرفان الإسلامي ليس بعيداً عن العقل والعقلانية. فالعارف لا ينكر دور العقل، بل يضع المعرفة الشهودية والسلوكية في طول المعرفة العقلية. وبعبارة أدقّ: يستعين العارف بالعقل عندما يفرغ من عملية السير والسلوك، وينتقل إلى مرحلة إثبات الحقائق والكشفيات للآخرين, إذ إنّ إقناع الآخرين يحتاج إلى وسيلة مقبولة، وهي من دون شكّ العقل. طبعاً للعرفان خصائص أخرى، نكتفي بما ذكرناه منها.

بداية العرفان الإسلامي

بدأ العرفان الإسلامي في مرحلة متأخّرة على ظهور الحركة الصوفية في العالم الإسلامي، والتي بدأت تباشيرها مع بداية نزول الوحي، وهذا ما نجده في حال الزهّاد والعباد الذين شكّلوا نواة المتصوّفة في العالم الإسلامي، حيث عُرِفوا في المرحلة الأولى باسم الزهّاد والنسّاك، وليس باسم الصوفية. وكان اعتقاد هؤلاء الأشخاص صافياً، وإيمانهم نقياً خالصاً، لم تُدَاخلهم الأفكار الفلسفية والكلامية، وكان جلَّ ما يريدون، الاستجابة لنداء الوحي، وأن يكونوا من عباد الله المخلصين. اتّسعت الحركة الصوفية وانتشرت، وأصبحت تجمع شيئاً فشيئاً العدد الكبير من الأشخاص الذين شكّلوا في مرحلة لاحقة مدرسة خاصّة، كان لهم أفكارهم وسلوكياتهم ومظاهرهم التي تميّزهم عن غيرهم، والتي انتهت في المرحلة اللاحقة على القرن السابع، وأدّت إلى ظهور علم العرفان. وبشكل عام يمكن التمييز بين مراحل ثلاث للعرفان الإسلامي:

المرحلة الأولى: ظهور وتكامل العرفان العملي.

المرحلة الثانية: تدوين وشرح العرفان النظري.

المرحلة الثالثة: أفول مشايخ الصوفية من الناحيتين العلمية والعملية، والتوجّه نحو العرفان العملي القائم على أساس الفكر الشيعي.

المرحلة الأولى: تبدأ المرحلة الأولى من القرن الأوّل الهجري إلى القرن السادس، وتمتاز بالخصائص الآتية:

1- رواج وشيوع حالات التصوّف بين الأفراد.

2- بداية ظهور العرفان العملي من خلال ميل بعض المؤمنين نحو الزهد والعبادة (القرن الأول الهجري).

3- ظهور بعض المفاهيم التي راجت على ألسنتهم، كالعشق والحبّ الإلهيين، والتوجّه نحو باطن الشريعة (القرن الثاني الهجري).

4- الشروع بالاهتمام بالعرفان النظري (القرن الثالث).

5- تكامل العرفان العملي، وتدوين أصول السير والسلوك، والبدء بالحديث عن دور الشريعة في الوصول إلى الحقيقة (القرن الرابع).

6- وصول العرفان إلى أعلى مراتبه، وإقبال الناس عليه، وظهور مشايخ العرفاء وامتزاج أبحاثهم بالأفكار الكلامية والفلسفية (القرنين الخامس والسادس). من أبرز الشخصيات في هذه الفترة: الحسن البصري، إبراهيم الأدهم، رابعة العدوية، أبو هاشم الصوفي، بايزيد البسطامي، بشر الحافي، السري السقطي، الجنيد البغدادي، الحسين بن منصور الحلاج، أبو سعيد أبو الخير، الهجويري، الخواجه عبدالله الأنصاري…

المرحلة الثانية: تتراوح هذه المرحلة بين القرنين السابع والعاشر من الهجرة، وتمتاز بانتشار العرفان وسيطرة العرفان النظري بالأخصّ، مع وجود شخصيات كبيرة من أمثال ابن عربي (م 638هـ.) وظهور الشروحات على أفكار وكتابات ابن عربي، ووجود بعض الحركات الصوفية والعرفانية الشيعية. وفي هذه المرحلة أيضاً بدأ الجمع بين العرفان والدين، وفي هذا الإطار تأتي الجهود التي بذلها الشيخ البهائي (م1030هـ.) وأمثاله، وقد أدّت في النهاية إلى أفول التصوّف. من أبرز الشخصيات في هذه المرحلة: شهاب الدين السهروردي الزنجاني، ابن عربي، القونوي، جلال الدين الرومي، محمود الشبستري، السيد حيدر الآملي، صائن الدين علي بن تركه الأصفهاني، الفناري…

المرحلة الثالثة: بدأ مشايخ الصوفية يفقدون الأبعاد العلمية والثقافية التي كانت تحيط بهم، وغرق التصوّف في المظاهر والكثير من البدع. وفي هذه المرحلةن، أي ما بعد القرن العاشر الهجري، بدأ التخصّص في العرفان النظري، واتّسعت الدراسات التي تناولت ابن عربي، واقترب العرفان والتصوّف من الشرع والفلسفة والكلام، وذلك مع وجود شخصيات هامّة في العالم الإسلامي من أمثال صدر الدين الشيرازي (م 1050هـ. ق).

والخلاصة، أنّ العرفان بدأ في القرون الأولى على صورة ممارسات يشكّل الزهد والعبادة جوهرها، ثمّ انتقل ليشكّل حالة وحركة خاصة لها ما يميزها، ومن ثمّ أصبح مدرسة علمية وفكرية لها أسسها ومبادؤها ونظرياتها[12].

المفاهيم الرئيسة

1- التصوّف حركة ظهرت في العالم الإسلامي منذ القرن الثاني الهجري، وذلك استجابة لبعض النصوص الدينية التي تدعو الإنسان المسلم للابتعاد عن الدنيا، والانشغال بالعبادة والطاعة.

2- العرفان الإسلامي ظهر بداية على شكل حركة صوفية[13]، كان المراد منها تربية النفس وتهذيبها عملياً، ثمّ تحوّلت هذه الحركة إلى أن تصبح حركة أكثر تكاملاً، تمتلك نظرية خاصة ورؤية محدّدة لله والإنسان والوجود.

3- العرفان أعلى من التصوّف, لأنّ التصوّف أسلوب وطريقة نابعة من العرفان. وهذا يعني أنّ النسبة بينهما نسبة العموم والخصوص المطلق. فكلّ عارف متصوّف، وليس من الضروري أن يكون كلّ متصوف عارفاً.

4- الفرق بين الأخلاق والعرفان هو ما عبّر عنه الشهيد الأستاذ مرتضى مطهري، عندما أشار إلى أنّ العرفان علم مَرِن فيه منازل ومقامات، بينما الأخلاق علم جامد ثابت يدور حول سلسلة من الفضائل.

5- يمتاز العرفان الإسلامي بمجموعة من الخصائص هي:

– محورية الله تعالى.

– الولاية.

– العمل بالشريعة.

– العقلانية.

6- بدأ العرفان الإسلامي في مرحلة متأخّرة على ظهور الحركة الصوفية في العالم الإسلامي. وبشكل عام يمكن التمييز بين مراحل ثلاث للعرفان الإسلامي:

المرحلة الأولى: ظهور وتكامل العرفان العملي.

المرحلة الثانية: تدوين وشرح العرفان النظري.

المرحلة الثالثة: أفول مشايخ الصوفية والتوجّه نحو العرفان العملي.

7- الخلاصة، أنّ العرفان بدأ في القرون الأولى على صورة ممارسات يشكّل الزهد والعبادة جوهرها، ثمّ انتقل ليشكّل حالة وحركة خاصة لها ما يميزها، ومن ثمّ أصبح مدرسة علمية وفكرية لها أسسها ومبادؤها ونظرياتها.

مصادر العرفان الإسلامي

ثلاثة نظريات حول العرفان

إنّ البحث عن مصادر العرفان الإسلامي من جملة الأبحاث ذات الأهمية الكبيرة, إذ يمكن من خلال ذلك معرفة أصالة هذا العلم ومقدار نسبته للإسلام، أو دخوله إلى العالم الإسلامي عبر الأديان والتيّارات الفكرية الأخرى. فالسؤال المطروح هنا: هل نشأ العرفان الإسلامي في ظلّ تعاليم الدين الإسلامي، أم أنّه تأثّر بغير الإسلام؟ يتحدّث الشهيد مرتضى مطهري عن نظريات ثلاث في هذا الإطار[1]:

1- النظرية الأولى: التي ينسبها الشهيد مطهري إلى العرفاء، تبيّن أنّ العرفان قد استمدّ كافة مواده الأساسية من دين الإسلام على أساس أنّ الفكر العرفاني يقوم على عقيدة التوحيد، وهي عقيدة قد اقتبس العرفاء كافة تفصيلاتها ممّا ذكر في دين الإسلام، هذا في خصوص العرفان النظري. أمّا في العرفان العملي، فيتحدّث العرفاء عن أنّهم استعانوا بالنصوص القرآنية وسيرة المعصومين عليهم السلام وكلماتهم, لتحديد إطار السير والسلوك، وما المفاهيم التي استعملها العرفاء في عملية السير والسلوك إلا استجابة لما ورد في النصّ الديني.

2- النظرية الثانية: المنسوبة إلى المستشرقين، تبيّن أنّ العرفان الإسلامي دخل إلى العالم الإسلامي من خارجه، وأوضحوا أنّ جذور العرفان تعود إمّا إلى المسيحية من خلال الارتباط بين المسلمين والرهبان المسيحيين، وإمّا أنّها تعود إلى تيّارات إيرانية، وإمّا أنّها تعود إلى تطوّر الفلسفة الأفلاطونية الجديدة والتي هي تركيب من أفكار أرسطو وأفلاطون وفيثاغورس. وقد أوضح المستشرق ماسينيون الآراء في مصادر التصوّف فاعتبره دخيلاً على الإسلام، مُسْتمدّاً إمّا من رهبانية الشام، وإمّا من أفلاطونية اليونان الجديدة، وإمّا من زرادشتية الفرس أو قيد الهنود[2].

3- النظرية الثالثة: تشير هذه النظرية إلى أنّ العرفان قد استوحى أصوله الأولى من الإسلام، وقد وضع العرفاء أصول وقواعد وضوابط لهذه الحالة، ومع ذلك استفادوا من التطوّرات والتحوّلات الخارجية. وهذا يعني أنّ العرفان يعود إلى الإسلام من حيث الأصول والمبادئ، وإن كان العرفاء قد استعانوا بالتجارب العرفانية للشعوب الأخرى ما دامت لا تتعارض مع الأصول. ثمّ إنّ الشهيد مطهري، وبعد عرضه للرأيين الأولين بيّن أنّ المسلّم به أنّ العرفان قد استمدّ مواده الأولى من الإسلام، حيث بدأ ذكر نماذج على ذلك[3]. وفيما يلي نركّز البحث على أبرز المصادر الإسلامية للعرفان.

القرآن الكريم

يوضّح العرفاء أنّ العديد من آيات القرآن الكريم تدعو إلى الابتعاد عن الدنيا والعمل للآخرة، وهذا ما يجعل النفوس نقية بعيدة من الآثام والمعاصي. يضاف إلى ذلك أنّ القرآن الكريم يصوّر وبشكل واضح الأفكار والعقائد والسلوكيّات التي يؤمن ويعمل بها العرفاء. يتحدّث القرآن الكريم حول الله تعالى باعتباره خالق العالم، وهو الموجود في كلّ مكان: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾[4]، وقوله تعالى ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ[5]. ويتحدّث القرآن الكريم حول تزكية النفس: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا[6]. والقرآن يحثّ على الزهد والتوكّل والتوبة والصبر: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ[7]. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ[8]. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ[9]، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا[10].

الحديث

يعتبر الحديث منبعاً أساسياً وكبيراً للعرفاء، فقد اعتمد العرفاء، في أغلب نظرياتهم ومفاهيمهم والمصطلحات التي استخدموها، على الحديث، ولا فرق في ذلك بين الأحاديث القدسية والأحاديث الواردة عن المعصومين عليهم السلام. لعلّ من أبرز الأحاديث القدسية التي تمسّك بها العرفاء، الحديث الآتي: “كنت كنزاً مخفياً، فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق كي أعرف…”[11]. وقد أراد العرفاء من خلال هذا الحديث تصوير حقيقة العلاقة بين الله والكون بكلّ ما فيه, إذ بناءً عليه يمكن استخراج أهمّ نظريات العرفاء, أي الوحدة الشخصية للوجود، وأنّ الكون بما فيه ما هو إلا مظهر وتجلٍّ للوجود الواحد. وفي مجال الفناء في الله يتمسّك العرفاء بالحديث الشريف: “لا يزال العبد يتقرّب إليَّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يسعى بها, فبي يسمع وبي يبصر، وبي ينطق، وبي يعقل، وبي يبطش، وبي يمشي…”[12]. أمّا الأحاديث المنقولة عن المعصومين عليهم السلام فكثيرة, لعلّ من أبرزها قصّة الحوار بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشاب في المسجد، وقد سأله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: كيف أصبحت يا فلان؟ قال: أصبحت يا رسول الله موقناً. تعجّب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من قوله، وقال: إنّ لكلّ يقين حقيقة، فما حقيقة يقينك؟ فسرد عليه الشاب حقيقة يقينه. عند ذلك خاطب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه: “هذا عبد نوّر الله قلبه بالإيمان”[13]جاء عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: “إنّ الله سبحانه وتعالى جعل الذكر جلاءً للقلوب، تسمع به بعد الوقرة، وتبصر به بعد العشوة، وتنقاد به بعد المعاندة، وما برح لله عزّت آلاؤه في البرهة بعد البرهة، وفي أزمان الفترات، عباد ناجاهم في فكرهم، وكلّمهم في ذوات عقولهم…[14]. 

سيرة المعصومين عليهم السلام

تشكّل سيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الأئمة الأطهار عليهم السلام أحد مصادر العرفان الإسلامي، حيث كان المعصومون عليهم السلام المثال الأعلى في العبادة والزهد والتواضع والابتعاد عن الدنيا… في سلوكهم العملي وفي حياتهم مع المجتمع. المعروف أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان كثير العبادة، وكان زاهداً متعبداً، حياته بسيطة، ولم يهتمّ بزخارف الدنيا وزبرجها. يروى أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يتهجّد حتى تتورّم قدماه. روي عن إمامنا الباقر عليه السلام أنّه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند عائشة ليلتها، فقالت: يا رسول الله لِمَ تُتْعب نفسك وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فقال: يا عائشة، ألا أكون عبداً شكوراً[15]. وروي أنّ الإمام الصادق عليه السلام ارتدى لباس الصوف، فقال له الراوي: إنّ الناس لا يرغبون في رؤية من يلبس الصوف, فردّ عليه الإمام عليه السلام بقوله: “إنّ أبي وعلي بن الحسين كانا أثناء الصلاة يلبسان خشناً ـ من الصوف ـ ونحن نفعل كذلك[16]، وفي هذا السلوك دلالة على زهد المعصوم عليه السلام في الدنيا. والأخبار في هذا الخصوص كثيرة نحن في غنى عن ذكرها, إذ إنّ حياة المعصومين عليهم السلام شكّلت المصدر الأساس لسلوك العرفاء, لذلك نراهم في الأمور التي كانوا يقومون بها ينسبونها إلى المعصومين عليهم السلام ليشيروا إلى صحّتها.

الشريعة

يعتقد العرفاء أنّ الغاية التي أُرسل الأنبياء لأجلها، إيصال الخلق إلى كمالهم المحدّد لهم والمتناسب مع استعدادهم وقابليّاتهم، ونقلهم من ظلمات الجهل إلى نور الكمال والعلم. وأمّا هذه الغاية فلا تتحقّق إلا إذا تمكّن الإنسان من تكميل قوّتي العلم والعمل. فالإنسان يجب أن يمتلك العزيمة للعمل بما جاء لأجله الأنبياء، حيث يصل إلى الكمال بواسطة ذلك دون سواه. وهذا يعني أنّ الإنسان إذا عزم على المسير في طريق الشرع أمكنه الوصول إلى حيث الكمال. ويبيّن العرفاء أنّ طريق الشرع هو أقرب الطرق لتكميل قوّتي العلم والعمل، والالتزام بضوابطه كفيل بإيصاله إلى ذلك[17]. من هنا، بحث العرفاء حول أصول الاعتقادات، وبيّنوا أعدادها، واستدلّوا على ضرورتها ووجودها، والنصوص التي تؤكّدها، وكذلك رأيهم العرفاني فيها، وإلى جانب ذلك تحدّثوا حول فروع الاعتقادات، وبيّنوا ضرورتها ودورها في عملية السلوك العرفاني. يقول السيد حيدر الآملي حول حقيقة الشرع وضرورة العمل به: “إنّ الله كامل حكيم، والأنبياء والرسل – كما سبق – أطباء النفوس… وقوانينهم في الشرائع كالمعالجين لمرض الناس… فلو عرفوا هناك دواءً لدائهم أنفع وأنسب من هذا لأمروا به، وأظهروه للناس ليستعملوه في إزاله أمراضهم, لأنّ ذلك واجب عليهم من باب اللطف… فعرفنا أنّ هذا الدواء المعبَّر عنه بالفروع كافٍ في إزالة مرض الجهل والكفر والشكّ والنفاق[18].

المفاهيم الرئيسة

1- يوجد العديد من النظريات حول مصادر العرفان الإسلامي أهما النظرية الأولى التي ينسبها الشهيد مطهري إلى العرفاء، تبيّن أنّ العرفان قد استمدّ كافة مواده الأساسية من دين الإسلام.

2- أبرز المصادر الإسلامية للعرفان هي:

أ- القرآن الكريم.

ب- الحديث.

ج- سيرة المعصوم.

د- الشريعة.

3- يعتبرٍ العرفاء أنّ القرآن الكريم يصوّر وبشكل واضح الأفكار والعقائد والسلوكيّات التي يؤمن ويعمل بها العرفاء.

4- يعتبر الحديث منبعاً أساسياً وكبيراً للعرفاء، فقد اعتمد العرفاء، في أغلب نظرياتهم ومفاهيمهم والمصطلحات التي استخدموها، على الحديث.

5- تشكّل سيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الأئمة الأطهار عليهم السلام أحد مصادر العرفان الإسلامي، حيث كان المعصومون عليهم السلام المثال الأعلى في في سلوكهم العملي وفي حياتهم مع المجتمع.

6- يعتقد العرفاء أنّ طريق الشرع هو أقرب الطرق لتكميل قوّتي العلم والعمل، والالتزام بضوابطه كفيل بإيصاله إلى ذلك.

موسسة البصائر الثقافية

[1] مطهري مرتضى، العرفان، ص 34 ـ 45.

[2] كيلاني، قمر، في التصوّف الإسلامي، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، بيروت 1962، ص 15.

[3] مطهري، مرتضى، العرفان، ص 34-45.

[4] سورة البقرة، الآية 115.

[5] سورة الواقعة، الآية 85.

[6] سورة الشمس، الآيتان 9 ـ 10.

[7] سورة الحديد، الآية 20.

[8] سورة فاطر، الآية 5.

[9] سورة آل عمران، الآية 200.

[10] سورة التحريم، الآية 8.

[11] ابن عربي، الفتوحات المكّية، دار إحياء التراث العربي، ج 2، ص 112.

[12] ابن عربي، التفسير، تصحيح وضبط الشيخ عبد الوارث محمد علي، دار الكتب العلمية، ط 1، 2001،ج 1، ص 35.

[13] الكليني، الكافي، تحقيق علي أكبر غفاري، ط 5، دار الكتب الإسلامية ـ طهران، ج 2، ص 53.

[14] نقلاً عن: مغنية، محمد جواد، نظرات في التصوّف والكرامات، بيروت، المكتبة الأهلية، ص 16.

[15] الكافي: ج2، ص95.

[16] نقلاً عن: سجادي، ضياء الدين، مقدمات تأسيسية في التصوّف والعرفان والحقيقة المحمدية، ص 6. وجاء في رواية أبي علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار… قال: رأيت أبا عبدالله عليه السلام وعليه قميص غليظ خشن تحت ثيابه، وفوقها جبّة صوف، وفوقها قميص غليظ، فمسستها، فقلت: إنّ الناس يكرهون لباس الصوف، فقال عليه السلام: “كلا، كان أبي محمد بن علي عليهما السلام يلبسها، وكان علي بن الحسين عليهما السلام يلبسها، وكانوا عليهم السلام يلبسون أغلظ ثيابهم إذا قاموا إلى الصلاة, ونحن نفعل ذلك ” (الكافي، الشيخ الكليني، ج 6، ص 450).

[17]حمية، خنجر، العرفان الشيعي، ص 587.

[18] الآملي حيدر، أسرار الشريعة وأطوار الطريقة وأنوار الحقيقة، تحقيق محمد خواجوي، ط 1، طهران، مؤسسة الدراسات والتحقيقات الثقافية، 1362 ش، ص 175.

 

[1] مقدّمات تأسيسية في التصوّف والعرفان والحقيقة المحمدية، ضياء الدين سجادي، أحمد الاشتياني، كريم الاميري فيروز كوهي، دار الهادي، بيروت 2001، ص 4.

[2] لسان العرب، مادة (صوف)، ج 11، ص 102 ـ 103.

[3] التهانوي، محمد علي، كشّاف اصطلاحات الفنون، حقّقه محمد وجيه عبد الغني وغلام قادر، طبعة الهند ـ انتشارات خيام، 1346هـ. ش، ج 1، ص 841.

[4] مقدّمات تأسيسية، ص 8 ـ 9.

[5] ابن خلدون، عبد الرحمان، المقدمة، تحقيق علي عبد الواحد، ط 1، لجنة البيان العربي، القاهرة 1379هـ ـ 1960م، ص 157.

[6] لمزيد من المعلومات راجع: مقدّمات تأسيسية في التصوّف والعرفان والحقيقة المحمدية، المقال الأوّل.

[7] راجع: حسيني، قوام الدين العرفان الإسلامي (بالفارسية)، مركز الدراسات الإسلامية، ط 1، مطبعة سبهر، قم، ص 21 ـ 22.

[8] راجع: مطهري، مرتضى، العرفان، ص 11 ـ 12.

[9] ابن سينا، الحسين بن علي، الإشارات والتنبيهات، شرح نصير الدين الطوسي، تحقيق سليمان دنيا مؤسسة النعمان، 1992م، ج3، ص369.

[10] مطهري، مرتضى، العرفان، ص 15 ـ 17.

[11] نهج البلاغة، الخطبة 12.

[12] راجع: حسيني، السيد قوام الدين، العرفان الإسلامي، ص 25 وما بعدها.

[13] راجع: حسيني، قوام الدين العرفان الإسلامي (بالفارسية)، مركز الدراسات الإسلامية، ط 1، مطبعة سبهر، قم، ص 21 ـ 22

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق