علم العرفانغير مصنّفة

مبادئ علم العرفان (1)

علم العرفان الإسلامي، واحد من العلوم التي نشأت في خضمّ تعاليم الدين الإسلامي، واستقت منه أسسه وقواعده، وأخرجته في مرحلة لاحقة على نزول الوحي إلى عالم الوجود الخارجي، فأضحى منذ القرنين الثالث والرابع على أقلّ تقدير، علماً قائماً بنفسه، يمتلك كلّ المقوّمات الأساسية للعلم. وهذا يعني أنّ العرفاء حدّدوا لهذا العلم موضوعاً خاصاً به مستقلّاً عن كافّة العلوم، ومسائل يجري البحث فيها، وبيّنوا المنهج المعرفي الذي يمكن من خلاله القيام بمهمّة الإثبات والنفي والقبول والرفض على مستوى المسائل.

تعريف علم العرفان

العرفان في اللغة مشتقّ من “عَرَفَ”، ويُعْنى به المعرفة. يقول ابن منظور: “عرف: العرفان: العلم… عَرَفَه، يَعْرِفُهُ، عِرْفَة وعِرْفاناً وعِرِفَّاناً وَمَعْرِفَةً واعترفه… ورجل عروفٌ: وعَروفة: عارف يعرف الأمور، ولا ينكر أحداً رآه مرة… والعريف والعارف بمعنى مثل عليم وعالم… والجمع عرفاء…”[1]

العرفان في الاصطلاح عبارة عن المعرفة الحاصلة عن طريق المشاهدة القلبية، لا بواسطة العقل ولا التجربة الحسّية… وهذا اللون من المعرفة يحصل في ظلّ العمل المخلص بأحكام الدين، وهو الثمرة الرفيعة والنهائية للدين الحقيقي[2]. وعلى هذا الأساس قدَّم أصحاب الاختصاص تعاريف متعدّدة للعرفان، من أبرزها ما جاء على لسان القيصري: “هو العلم بالله سبحانه، من حيث أسماؤه وصفاته ومظاهره وأحوال المبدأ والمعاد والعلم بحقائق العالم وبكيفيّة رجوعها إلى حقيقة واحدة، هي الذات الأحدية ومعرفة طريق السلوك والمجاهدة, لتخليص النفس عن مضايق القيود الجزئية واتّصالها إلى مبدئها واتّصافها بنعت الإطلاق والكلّية”[3]. يتّضح من خلال التعريف المتقدّم أمور، أبرزها: أقسام علم العرفان، موضوعه ومسائله.

أقسام العرفان

يظهر من التعريف المتقدّم أن العرفان يقسم قسمين: العرفان النظري، والعرفان العملي. أمّا العرفان النظري، فهو العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وتجلّياته. ويُراد منه إعطاء رؤية كونية عن المحاور الأساسية في عالم الوجود، وهي “الله” و”الإنسان” و“العالم”. والعرفان العملي عبارة عن العلم بطريق السير والسلوك، فمن أين يبدأ، وإلى أين ينتهي، وما هي المنازل والمقامات التي يجب أن يسلكها العارف للوصول إلى الله تعالى، وكيفيّة مجاهدة النفس للتغلّب على ميولها وتحريرها من علائقها، حتى تستطيع طيّ المراحل والجدّ في سيرها إلى الله تعالى[4]. أمّا القسم الأول من العرفان، فهو يشبه علم الفلسفة لجهة محاولته تقديم تفسير للوجود، يُراد منه تقديم رؤية كونية عرفانية يكون لله فيها الأصالة الأساسية والوحيدة، وكلّ ما سوى الله ما هو إلا مظهر وتجلٍ لتلك الحقيقة الواحدة. وإذا كان الفيلسوف يحاول تقديم رؤية ترتكز على محورية الله كواجب للوجود، وتكوين صورة جامعة عن الله وعلاقته بالكون، فقد استخدم الفيلسوف لذلك الدليل والبرهان, أمّا العارف في محاولته تقديم رؤيته الكونية هذه، فهو غير مهتمّ بالعقل والفهم، بل العارف يقدّم رؤيته ليصل إلى كنه وحقيقة الوجود[5].

أمّا القسم الثاني من العرفان, أي العرفان العملي، فهو عبارة عن ذاك الجانب الذي يبيّن العلاقات والواجبات المفروضة على الإنسان مع نفسه ومع العالم ومع الله. فيوضح فيه للسالك، من أين يجب أن يبدأ، وإلى أين يجب أن ينتهي، وكيف يسلك ليصل إلى تلك الحقيقة الواحدة، ويتطلّب الأمر توضيح المقامات والمنازل التي يجب قطعها للوصول[6].

موضوع علم العرفان ومسائله

يتّضح من التعريف السابق أنّ موضوع علم العرفان هو الحقّ تعالى. طبعاً يدرس العرفاء موضوعهم باعتبار تعيّنه بواحد من تعيّناته الخاصة، على أساس أنّ العرفاء يعتقدون بالوحدة الشخصيّة للوجود، وهذا يعني أنّ الموضوع الجدير بالبحث

عندهم هو الله تعالى ومعرفة وجوده، ولكن إذا كان الله تعالى الكامل على الإطلاق، يفيض منه الوجود بمقتضى كماله، ثمّ إنّ الموجودات لا بدّ أن تتحرّك للوصول إلى الله تعالى. هنا لم يجد العرفاء بداً من دراسة المسائل الآتية:

1- توضيح حقيقة الوجود.

2- معرفة الله.

3- معرفة العالم.

4- معرفة الإنسان.

هدف العرفان الإسلامي

إنّ الإطلالة على هدف العرفان الإسلامي، يساعد – وإلى حدّ بعيد – في فهم حقيقته. فما هو الهدف من علم العرفان؟

إنّ الهدف الأساس لعلم العرفان الإسلامي، الوصول إلى الله تعالى والفناء فيه, أي الوصول إلى حيث لا يرى الإنسان إلا الله تعالى، ولا يبصر إلا وجهه جلّ وعلا. يعتقد العرفاء أنّ من يصل الى هذا المقام، أي لا يرى إلا الله تعالى، فقد وصل إلى مقام كان فيه غافلاً عن كلّ ما سوى الله, باعتبار أن الحق تعالى هو حقيقة الحقائق التي ليس وراءها حقيقة. يبيّن العرفاء أنّ من يصل إلى أعلى المقامات الوجودية، فهو شخص يرى الله تعالى في كلّ شيء، وفي كلّ حركة من حركاته، أو حركات الأشياء الأخرى المحيطة به. ولكنّ السؤال: هل يبتعد هذا الشخص عن رؤية الأشياء؟ وهل ينظر إليها على أنّها معدومات؟ هنا يؤكّد الأستاذ الشهيد مطهري أنّ العارف في هذا المقام لا يغفل عن الخلق، بل يشاهد الخلق وحركاتهم إلا أنّه ينظر إلى الجميع على أنّها تحكي عن الإله وعن عظمة الخالق[7]. ومن هنا يمكن القول: إنّ العرفان الإسلامي بقسميه يهدف إلى الوصول بالإنسان إلى أرقى مراتب الكمال الإنساني، والطريق إلى ذلك لا يحصل إلا بالمجاهدة والرياضة.

المنهج في العرفان

المنهج هو الطريق الذي يوصل إلى الهدف. وإذا كان لكلّ علم منهج، يمكن من خلاله إثبات أو نفي المدّعيات والفرضيات، فعلم العرفان أيضاً واحد من العلوم التي تمتلك منهجاً خاصاً. ولكن ما هو المنهج في علم العرفان؟ الواضح من خلال كلمات العرفاء أنّ المنهج والطريق الوحيد الموصل إلى الحقائق هو الكشف والشهود. والمقصود من الكشف والشهود مشاهدة الحقائق الغيبيّة الواقعة وراء عالم الشهادة. وأمّا السبيل إلى ذلك، فقد أشار العرفاء إلى أمور، من أبرزها تربية النفس وتهذيبها، والمواظبة على العبادات وكلّ ما يؤدّي إلى القرب من الله تعالى، وخلوص النفس له، أطلق العرفاء على العلم الحاصل من الكشف والشهود، العلم الإلهي، وبيّنوا أنّ الطريق لذلك يجب أن يحصل في إطار التفرّغ للعبادة. يقول العارف السيّد حيدر الآملي: “وأمّا كيفيّة تحصيل العلوم الحقيقية فهو في غاية السهولة, لأنّها موقوفة على فراغ القلب وصفاء الباطن، وهذا يمكن بساعة واحدة وبيوم واحد وبليلة واحدة…”[8] تحدّث العرفاء حول أهمّية هذا المنهج. طبعاً، لم يجعل العرفاء هذا المنهج مخالفاً، لمنهج العقل، بل قد يُفهم من كلام بعضٍ منهم أنّ منهج الكشف والشهود أرفع وأعلى، وهو الذي يساهم في كمال المعرفة الحاصلة بواسطة العقل. وبعبارة أخرى: المنهج العقلي مقبول، إلّا أنّه ليس كافياً في الوصول إلى المعرفة الصحيحة.ولعلّ كلام ابن سينا واضح في تبيين طبيعة العلاقة بين العقل والكشف، إذ يظهر منه انصراف الفكر بالكامل إلى الحقّ، وهو الذي يساهم في الوصول إلى المعارف الحقيقية الصادقة.[9] ومن المحال أن يعرف ماهيته بطريق النظر، فما لك يا أخي، تبقى في هذه الورطة، ولا تدخل طريق الرياضيات والمجاهدات والخلوات التي شرّعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم!”[10]. ولكن، لماذا فَضَّل العرفاء منهج الشهود على المنهج العقلي، والجواب يكمن فيما يأتي[11]:

1- إنّ المعارف التي يحصل عليها الإنسان بواسطة العلوم هي نتيجة الاستدلالات والتجارب التي عاشها البشر طوال التاريخ، ولطالما اكتشف البشر خطأ معارفهم, فقاموا بإصلاحها أو تعديلها أو إلغائها… لذلك يعتبر العرفاء أنّ ما يحصل من معارف بواسطة المناهج الموجودة، هي أمور لا تسكن النفس إليها ولا تستريح, لأنّ احتمال الخطأ فيها يبقى وارداً، وهذا ما لا وجود له في المعارف الحاصلة عن طريق الكشف والشهود، طبعاً إذا كانت هذه المعارف تتطابق مع المعايير والضوابط التي وضعوها للصحّة والخطأ في الكشف.

2- الأمر الثاني الذي يدعو إلى تفضيل المنهج الشهودي، أنّ مناهج العلوم على اختلافها تؤدّي إلى إدراك العالم وخالقه عن طريق المفاهيم التي تحصل عليها بالأسلوب الحصولي، الذي يعني حصول صورة المعلوم عند العالم، وأمّا المنهج الشهودي فيجري مشاهدة الأمور والحقائق عياناً دون توسّط صور.

المفاهيم الرئيسة

1- علم العرفان الإسلامي، واحد من العلوم التي نشأت في خضمّ تعاليم الدين الإسلامي، واستقت منه أسسه وقواعده.

2- العرفاء حدّدوا لهذا العلم موضوعاً خاصاً به مستقلّاً عن كافّة العلوم، ومسائل يجري البحث فيها، وبيّنوا المنهج المعرفي الذي يمكن من خلاله القيام بمهمّة الإثبات والنفي والقبول والرفض على مستوى المسائل.

3- العرفان في اللغة مشتقّ من “عَرَفَ”، ويُعْنى به المعرفة. وفي الاصطلاح هو عبارة عن المعرفة الحاصلة عن طريق المشاهدة القلبية.

4- يظهر من التعريف المتقدّم أن العرفان يقسم قسمين: العرفان النظري، والعرفان العملي.

5- العرفان النظري، فهو العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وتجلّياته.

6- العرفان العملي عبارة عن العلم بطريق السير والسلوك، والمنازل والمقامات التي يجب أن يسلكها العارف للوصول إلى الله تعالى.

7- موضوع علم العرفان هو الله تعالى ومعرفة وجوده. وأهم مسائله تدور حول حقيقة الوجود، معرفة الله، معرفة العالم، معرفة الإنسان.

8- الهدف الأساس لعلم العرفان الإسلامي، الوصول إلى الله تعالى والفناء فيه, أي الوصول إلى حيث لا يرى الإنسان إلا الله تعالى، ولا يبصر إلا وجهه جلّ وعلا.

9- المنهج هو الطريق الذي يوصل إلى الهدف. المنهج والطريق الموصل إلى الحقائق عند العارف هو الكشف والشهود.

للمطالعة

السيد علي القاضي الطباطبائي

هو السيّد علي بن حسين القاضي الطباطبائي، ولد عام 1285هـ. في مدينة تبريز، ونشأ في أسرة علمية موسومة بالفضل. يعتبر السيد علي أبرز العرفاء المتأخّرين، عاش أغلب حياته في النجف الأشرف، وكان أستاذاً في الأخلاق والسير والسلوك، تتلمذ على يديه الكثير من أعاظم العلماء والمراجع. توفّي في النجف الأشرف عام (1366هـ). درس المقدّمات في تبريز، ثمّ انتقل في العام 1313هـ. إلى النجف الأشرف، وحضر دروس بعض العلماء الكبار، من أمثال الشيخ المامقاني وشيخ الشريعة الأصفهاني والشيخ محمد كاظم الخراساني… عاش حياته فقيراً، مع ذلك فلم يبدُ عليه أيّ قلق، ولم تأخذ الحاجة المادّية حيّزاً من تفكيره، بل كان كلّ تفكيره وهمّه عبادة الله عزّ وجلّ، وكان يقول: الأفضل لي أن أبقى فقيراً, لأنّ في ذلك تحسّن حالتي الروحية والمعنوية. كان السيد القاضي يتخفّى في عبادته إلا الفرائض، وكان له غرفة في مسجد الكوفة يتعبّد فيها أو يذهب إلى مسجد السهلة، وكان كثير الصمت يحي ليله بالتهجّد والعبادة، ونهاره بالتفكير والمطالعة.

كان السيد القاضي صاحب خلق رفيع، وقد هذّب نفسه تهذيباً كاملاً من رذائل الأخلاق، وتحلّى بالصفات المحمودة، وتحرّر من شهواته الحيوانية، فأصبح إنساناً ملكوتياً تنكشّف له الحقائق والأحداث. وقد نقل العلماء الكبار، أمثال السيد الخوئي والعلامة الطباطبائي، الكثير من الكرامات التي حصلت معه.

 

موسسة البصائر الثقافية

[1] ابن منظور، لسان العرب، نشر أدب الحوزة، قم، إيران، 1405، مادة عرف، ج 9، ص 236.

[2] اليزدي، محمد تقي مصباح، محاضرات في الإيديولوجية المقارنة، ترجمة محمد عبد المنعم الخاقاني، دار الحق، قم، ط 1، ص 20 ـ 21.

[3] القيصري، شرف الدين محمود، رسائل القيصري، رسالة التوحيد والنبوة والولاية، ص 7، نقلاً عن: حسيني، السيد قوام الدين، العرفان الإسلامي، مركز الدراسات والتحقيقات الإسلامي، قم، ص 19.

[4] رحيميان، سعيد، مبادئ العرفان النظري، طهران، مؤسسة سمت، 1388، ط 4، ص 8.

[5] مرتضى، مطهري، العرفان، بيروت، دار المحجّة البيضاء، ط 1، 1992، ص 22. يشار هنا إلى نظرية العرفاء في الوجود حيث يعتقدون بأنّ الوجود هو الحقّ تعالى من باب أنّ  الوجود لا يمكن أن يُحمل بالحقيقة إلّا على موجود واحد، هو الحقّ تعالى أي علّة العلل، حيث إنّ كلّ ما سواه يحتاج في الوجود إليه تعالى.

[6] المصدر نفسه، ص 14.

[7] مطهري، مرتضى، العرفان، ص 93-94.

[8] الآملي، حيدر، جامع الأسرار ومنبع الأنوار في رسالة نقد النقود في معرفة الوجود، طهران، شركة المنشورات العلمية والثقافية،2002، ص 472.

[9] راجع: ابن سينا، الحسين بن علي، الاشارات والتنبيهات، شرح نصير الدين الطوسي، تحقيق سليمان دنيا، مؤسسة النعمان، 1992م، ج3، ص369

[10] جامع الأسرار،ص 491.

[11] المصدر نفسه، ص 492

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق