أخلاق

لا يطاع الله من حيث يعصى

كان في أيام الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) رجل اشتهر بين الناس بالفضل والإحسان ، فكانوا يعظمونه ويحترمونه ، لكنه في حقيقة الأمر كان غير ذلك.

وذات مرة رآه الإمام الصادق (عليه السلام) في مجلس وقد أحدق به خلق كثير، فدنا منه متنكراً ، فوجد الناس مسحورين به وبكلامه ، وما زال يراوغهم حتى فارقهم .

ولما إنفض المجلس تبعه الإمام (عليه السلام) خفيةً حتى يعلم حقيقته وأين يذهب.

وبعد برهة رآه يقف أمام دكّان خباز ، وماهي إلا لحظة حتى غافل الخباز وسحب رغيفين ووضعهما في كيسه ، وتابع طريقه.

فتعجب الإمام منه وقال في نفسه : لعله كان قد إشتراهما سابقاً ودفع ثمنهما سلفاً ، ولكن لماذا أخذهما خفية ؟

ثم لم يزل يتابعه حتى مر على مريض فأعطاه أحد الرغيفين ، واستبقى لنفسه الآخر.

وعندها إقترب منه الإمام الصادق (عليه السلام) وقال له : لقد رأيت منك اليوم عملاً عجيباً ، فكيف فعلت ذلك ؟

فنظر الرجل اليه وهو ملثم ، وقال : ألست جعفر بن محمد ، قال : بلى .

فقال الرجل : أنت ابن رسول الله ولك حسب ونسب أصيل ، ولكن ما ينفعك شرف اصلك مع جهلك؟!

فقال (عليه السلام) : وأي جهلٍ رأيته مني؟

قال : جهلت قول الله (عز وجل): {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الأنعام : 160] .

وإني لما سرقت الرغيفين إقترفت سيئتين ، ولما تصدقت برغيف منها كان لي عشر حسنات ، فيكون لي مع ربي ثماني حسنات!

فقال له الإمام الصادق (عليه السلام): ثكلتك امك يا جاهل ، أو ما سمعت قول الله تعالى : {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة : 27].

فحسابك باطل ، فأنت لما سرقت رغيفين ارتكبت سيئتين ، ولما دفعت احدما الى غير صاحبهما وبغير رضا منه ، كنت أضفت سيئة فوق السيئتين فصارت ثلاثاً ، ولم تأخذ اية حسنه على عملك ، لأن ما اسس على خطأ فلا يعطي الا الخطأ ، والله لا يمكن أن يطاع عن طريق معصيته ، وإن الله طيب ولا يقبل الا طيباً ، وكما قال النبي الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم) : (( لا يطاع الله من حيث يعصى)).

ثم قال الإمام الصادق (عليه السلام) وهو يقص هذه القصة على أصحابه : في مثل هذه التأويلات الباطلة يضلل بعض مدعي العلم جماعة الناس عن الطريق القويم.

 

المؤلف : لبيب بيضون

الكتاب : قصص ومواعظ

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق