علم الكلام

قبول التوبة واجب على اللّه أو لا ؟

لا شكّ أنّ التوبة تسقط العقاب ، و هو ممّا أجمع عليه أهل الإسلام ، وإنّما الخلاف في أنّه هل يجب على اللّه قبولها بحيث لو عاقب بعد التوبة كان ظالماً ، أو هو تفضل منه سبحانه ، وكرم ورحمة منه بعباده؟

فالمعتزلة على الأوّل ، والأشاعرة والإمامية على الثاني.

استدل المعتزلة بوجهين:

۱ ـ إنّ العاصى قد بذل وسعه في التلافي ، فيسقط عقابه ، كمن بالغ في الاعتذار إلى من أساء إليه ، فإنّه يسقط ذمه بالضرورة (۱).
و بعبارة أُخرى : إنّ من أساء إلى غيره ، واعتذر إليه بأنواع الاعتذارات ، وعرف منه الاقلاع عن تلك الإساءة بالكلية ، فالعقلاء يذمون المظلوم ، إذا ذمّه بعد ذلك (۲).

۲ ـ لو لم يجب اسقاط العقاب لم يحسن تكليف العاصي ، والتالي باطل إجماعاً ، فالمقدّم مثله.
بيان الشرطية : إنّ التكليف إنّما يحسن للتعريض للنفع ، وبوجوب العقاب قطعاً لا يحصل الثواب ، وبغير التوبة لا يسقط العقاب ، فلا يبقى للعاصي طريق إلى إسقاط العقاب عنه ، ويستحيل اجتماع الثواب والعقاب ، فيكون التكليف قبيحاً (۳).
يلاحظ على الأوّل : بأنّه لا يجب في منطق العقل قبول المعذرة ، بل المظلوم في خيرة بين القبول والصفح ، وليس رفض المعذرة مخالفاً للحكمة والعدل حتى يجب على اللّه سبحانه.
وأمّا الثاني : فيلاحظ عليه أنّه مبنيٌ على الأصل الّذي اختاره المعتزلة من أنّ مرتكب الكبيرة مخلدٌ في النار ، وهو لا يجتمع مع الثواب المترتب على التكليف ، فاستدلوا بأنّه لو لم تقبل توبته لوجب أن يخلد في النار ( ولو بمعصية واحدة ) ، وهو لا يجتمع مع الثواب ، فيلزم سقوط تكليف العاصي ، ولكن الأصل مردود لما قلنا من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) – شرح المقاصد : ج ۲ ص ۲٤۲.
(۲) – كشف المراد : ص ۲٦۸. و لا حظ شرح الأُصول الخمسة : ص ۷۹۸.
(۳) – كشف المراد : ص ۲٦۸ ط صيدا . و لا حظ شرح المقاصد : ج ۲ ص ۲٤۲ .
________________________________________

أنّ المؤمن لا يخلد في النار ، وإنّما كتب الخلود على الكافر ، فلا مانع من أنّ يعاقب مدّة ، ثمّ يخرج فيثاب .
وعلى هذا فلا دليل على وجوب قبول التوبة على اللّه سبحانه ، بل قبولها تفضّل وكرم منه سبحانه.
قال الطبرسي في تفسير قوله سبحانه : { إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (۱). قال:  « ووصفه بالرحيم عقيب التوّاب يدل على أنّ اسقاط العقاب بعد التوبة تفضل منه سبحانه و رحمة من جهته ، على ما قاله أصحابنا ، وأنّه غير واجب عقلاً  على خلاف ما ذهب إليه المعتزلة » (۲).
نعم ، هذا إذا لوحظ قبول التوبة من حيث هو هو ، وأمّا إذا لوحظ بعدما وعده سبحانه بقبول توبة التائب ، فالوجوب لا محيص عنه ؛ لأنّ خلف الوعد قبيح ، من غير فرق بين الواجب والممكن ، و قد أوضحنا لك معنى كون شيء واجباً على اللّه سبحانه ، وأنّه لا يراد منه تكليف اللّه سبحانه ، بل أنّ العقل يكشف حكماً عاماً سائداً على الواجب والممكن ، وهو أنّ الحكيم لا يفعل القبيح ،
لما فيه من المبادئ الرافضة لارتكابه ، فيكون وجوب قبول التوبة سمعياً لا عقلياً.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) – سورة البقرة : الآية ۱٦۰ .
(۲) – مجمع البيان : ج ۱، ص ۲٤۲.

الشيخ جعفر السبحاني

كتاب:  الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل  [ج٤ ، ص ۳۲۹ ـ ۳۳۱]

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق