مقالات

فلسفة إصرار الشيعة على إقامة مأتم الحسين (ع)

طالما يتساؤل البعض عن السرّ الذي يدفع الشيعة الإماميّة إلى الإصرار على إقامة مأتم الحسين (ع)، لماذا لابدّ من تخليد واقعة عاشوراء؟ لماذا لابدّ من احياء حادثة قد مرّ عليها ما يناهز 1379 عاما؟ ولماذا لابدّ من اقامة مراسم الاحياء لهذه الذكرى؟ إنها حادثة تاريخية قد قضى عليها الزمن, وسواء أكانت مرة أم حلوة فإنها قد انتهت؛ فلماذا بعد مرور ما يقرب من أربعة عشر قرناً نلجأ إلى احياء ذكرى هذه الحادثة ونقيم مراسم لذلك؟ إنّ الجواب على هذا السؤال ليس عسيراً جداً، لأنه من الممكن أن نبيّن لأيّ أحد أن الحوادث الماضية في كل مجتمع يمكن أن تكون لها آثار ضخمة في مصير ذلك المجتمع ومستقبله، وإحياء تلك الحوادث هو في الواقع لون من اعادة النظر والصياغة الجديدة لتلك الحادثة حتى يتيسر للناس أن ينتفعوا منها، فإذا كانت الحادثة نافعة عند حدوثها، وكانت منشأ لآثار طيبة وبركات كثيرة فإنّ إعادة النظر إليها واعادة صياغتها يمكن أن تكون منشأ لكثير من المنافع.

إنّ أتباع أهل البيت مطالبون بتقديم أجوبة وافية و دراسة كاملة لإستعراض و بيان الأسباب الّتي تجعلهم يتمسكون بإقامة مأتم الحسين(ع) و البكاء عليه. هناك دوافع و أسباب تدفعنا و تدفع الشيعة الإماميّة إلى الإصرار على إقامة مأتم الحسين(ع) منها لا على سبيل الحصر.

الدافع الأوّل: تعظيم شعائر الله تعالى

إنّ من أهمّ الدوافع الّتى تدفع الشيعة الإماميّة لإقامة المأتم الحسين(ع) هو تعظيم شعار الله تعالى لا سيّما أنّ الله قد أمرنا بتعظيم الشعائر، فقال الله تعالى { وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ } و الشعائر جمع شعيرة، بمعنى العلامة و الدليل، و على هذا فالشعائر تعنى علامات الله و أدلته، و هي تضمّ عناوين لأحكامه و تعاليمه العامّة…و يمكن القول: إنّ شعائر الله تشمل جميع الأعمال الدينيّة الّتي تذكّر الإنسان بالله سبحانه و تعالى و عظمته، و إنّ إقامة مذه الأعمال دليل على تقوى القلوب.

يوم عاشوراء يوم البيان والتبيان والفرقان بين الكفر والنفاق والإيمان، بين الرذائل المتمثلة بالمعسكر اليزيدي والفضائل المتمثلة بالمعسكر الحسيني ما بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين النور والظلام ففي كل عام نقوم بإحياء عاشوراء ليتميز الخبيث من الطيب والمنافق من المؤمن، فكانت عاشوراء هي الميزان في كل زمان ومكان. لقد كانت شعارات الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء مدوية وقوية ومعبرة عن معاني الحرية والكرامة والعزة والشرف، ورفض الاستعباد والاستبداد والذل والخنوع. لقد رفع الإمام الحسين (سلام الله عليه)، مجموعة من الشعارات المعبرة عن نهجه وفكره و مواقفه الشجاعة في يوم البطولة والفداء، يوم عاشوراء المصبوغ بالدماء.

فكأنَّ الله تعالى ينصب لعباده بعض العلامات الّتي يوجه من خلالها القافلة البشريّة نحو الطريق القويم و يهديها الى صراط المستقيم فالشعائر من قبيل الصلاة و الصوم، و الوقوف بعرفة، والسوق الهدي، و السعي بين الصفا و المروة، و مقام إبراهيم، و إرتياد المساجد، و إقامة مجالس الذكر كلّها علامات تدّل على طاعة الله عزّ و جلّ.

و نحن نستطيع القول_ و بضرس قاطع_ بأنّ إقامة المأتم الحسين× من أعظم شعائر الله تعالى، لأنّها شعيرة لعبتْ دوراً محورياً في حفظ بقية الشعائر الدينيّة و إيصالها إلى الأجيال.

الدافع الثاني: الإعتزاز بالمبادئ و القيم الّتي جسَّدها الحسين(ع) بثورته:

لقد كان موقف الحسين(ع)يومَ عاشوراء تجسيداً للمُثُل السماويّة و القيم الرساليّة الّتي حاول الأمويون طمس معالمها و محوَ آثارها و إيعادها عن مسرح الحياة بكلّ جوانبها السياسيّة و الإجتماعيّة و غيرها، و عليه فإنَّ إقامة مأتم الحسين× استذكار لتلك القيم، و إحياء لتلك المُثُل، و إعتزاز بتلك المبادئ الّتي ثار الحسين(ع) من أجلها و بذل دمه المقدس من أجل تجسيدها. فمأتم الحسين(ع) مدرسة زاخرة بالعطاء تعيد لذاكرة الأجيال تلك الصرخة المدوية بوجه الظالمين: [هيهات منّا الذلّة] و [و إنّي لا أرى الموت إلاّ السعادة و  الحياة مع الظالمين الاّ برماً] كما تُعيد للذاكرة المسلمة دروس الإيثار و التضحية بالغالي و النفس و النفيس من أجل الرسالة و مبادئها و الرضا و التسليم بقضاء الله تعالى و الإستبشار بالشهادة في سبيل الله تعالى، و مواقف الإباء لأبي الأحرار×، و غيرها ممّا يكلّ لسانُ الخطيب عن ذكره، و يعجز قلم الأديب عن وصفه و بيانه.

 

الدافع الثالث: التأسي بأئمة أهل البيت (ع)

لقد أمر أئمتنا الأطهار(ع) بإحياء أمرهم (أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا) ومن أتم مصاديق الإحياء إحياءيوم عاشوراء، إنّ إحياء يوم عاشوراء تلبية لنداء سيد الشهداء (هل من ناصر ينصرني) فإقامة المأتم والعزاء في كل عام وفي كل مكان نصرة لسيد الشهداء و نصرة للدين المحمدي الأصيل.

قال رسول الله |: (إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً) والحرارة لابدّ لها من مصدر و وقود وإحياء عاشوراء في كل عام وقود الحرارة الحسينية الأبدية، وهناك يد غيبية تزيد في لهيب الحرارة في كل عام في قلوب المؤمنين والمؤمنات شيعة أهل البيت والموالين والمحبين.

الدافع الرابع: نيل الأجر و المثوبة

عندنا الكثير من الروايات الّتي تتجاوز حدَّ الحصر حول ثواب إقامة المأتم الحسيني، و قصد زيارته فهي روايات ندين بها و نعتقد بها و هي حجّة بيننا و بين ربّنا يوم القيامة، أنّه –المأتم الحسيني- مدرسة تربويّة‌، تقدّم خلالها الحلول البنّاءة لما يمرّ على عالمنا الإسلاميّ من متاعب و مشاكل و محن.   ‌

من هذه الروايات عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من أحد يوم القيامة إلا وهو يتمنى أنه من زوار الحسين بن علي عليه السلام لما يرى مما يصنع بزوار الحسين من كرامتهم على الله، و ما رُوي عنه(ع) أيضاً أنّه قال: لفُضيل من ذكرنا أو ذُكرْنا عنده فسال من عينيه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه و لو كانت زبد البحر.

الدافع الخامس: معرفة المرجع الحقيقي للدين

لا شكّ أنّ المسلمين بعد رحيل النبي الأكرم| مرّوا بإنتكاسات عديدة ألقتْ بظلالها على الأمة الإسلاميّة و مُني المسلمون بزعامات لا تمتلك الأهليّة لتمثيل الإسلام فاختلفت الآراء و نشأت الفرق و تعددت الطوائف، كلّ يدعي الحقّ و يرمي غيره بالزندقة و الخروج عن الدين، و قد ألمح النبي الى ذلك قبل رحيله و حذّر الأمة من عواقبه، من هنا أصبح الفرد المسلم بأمسّ الحاجة إلى معرفة الممثل الحقيقي للدين، و الذي يكون ملاذاً آمناً يدرأ عن الأمة أخطار الفتن و الإختلاف، و كهفاً حصيناً يقيها من أعاصير الكفر و الزندقة.

فمأتم الحسين(ع) إطلالة حيوية دقيقة على واقعة شكّلتْ منعطفاً خطيراً في حياة الأمة و نافذة دقيقة يعرف الشيعة من خلالها الأجدر بتمثيل الإسلام و تجسيده سيرةً و منهجاً و استراتيجية على أرض الواقع.

وهذا هو مضمون كلام الإمام الباقر عليه السلام لفضيل‌: “إن‌َّ حَدِيثَنا يُحْيي القُلُوب”، بل وهناك الكثير من الوقائع تدل‌ّ على إحياء قلوب حتّى غير المسلمين بتأثير الشعائر الحسينيّة ولا سيّما مجالس عزائه سلام الله عليه. ‌

 

بقلم شريف محمد مختار بارو

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق