علم الأديان

دور ابن حزم الأندلسي في تأسيس علم مقارنة الأديان

يندرج البحث في التوراة في الثقافة العربية الإسلامية ضمن الاهتمام الذي أولاه العلماء المسلمون للديانات عموما، وللديانتين اليهودية والمسيحية على وجه الخصوص. وهو اهتمام بدأ في أول الأمر ضعيفا؛ إذ أنه كان عبارة عن إشارات اتخذت شكل ردود أو رسائل على أهل الكتاب. لكن ما فتئت أن أصبحت دراسة الديانات علما مستقلا.

إن اتخاذ هذه الديانات موضوعا للبحث ثم للنقد من قِبَل العلماء المسلمين له ما يبرره. من أولى هذه المسوغات أن الإمبراطورية العربية الإسلامية المترامية الأطراف كانت تتألف من أغلبية مسلمة وأقليات يهودية ومسيحية يختلف عدد الواحدة منها باختلاف المناطق والأمصار. وقد استطاعت هذه الأقليات المنتشرة هنا وهناك أن تحقق -في إطار عقد الذمة(1) الذي سنه الإسلام لأهل الكتاب- امتيازات عديدة من قبيل حرية التنقل والإقامة وحرمة المسكن وحرية أداء الطقوس الدينية وحق التمتع بالمرافق العامة للدولة وكفالة بيت المال. ناهيك عن تمتع هذه الأقليات بحقوق سياسية واجتماعية مختلفة. لاشك في أن هذه الامتيازات كانت هي الأفضل إذا ما قارناها بالقيود الكثيرة التي كانت تُفرض مثلا على اليهود في العالم المسيحي آنذاك.

ومن الحق أن نقول: إن غير المسلمين نعموا -كما ذهب إلى ذلك أرنولد- على وجه الإجمال في ظل الحكم الإسلامي بدرجة من التسامح لا نجد معادلا لها في أوروبا قبل الأزمنة الحديثة. بل ويتفق المؤرخون اليهود أنفسهم بأن الحاضرة الإسلامية كانت على الدوام ملاذا أمينا لبني إسرائيل (نقلا عن جورج قرم، 1992: 237).

وبصرف النظر عن بعض الحوادث التي كان يقع ضحيتها بين الحين والآخر مسيحيون أو يهود بسبب الفتن أو القلاقل(2)؛ فإن التعايش بين المسلمين وغير المسلمين كان هو السمة المميزة للمجتمعات العربية الإسلامية.

وبخصوص العلاقات اليهودية الإسلامية، على وجه التحديد -سواء في الشرق أو الغرب- فإن وثائق جنيزة القاهرة(3) تطلعنا كما بين ذلك حاييم زعفراني (على العلاقات الودية التي كانت قائمة بين أدباء وكبار موظفي الديانتين)(Haïm Zafrani, 2003:107 note 23).

في ظل هذه الظروف التي تتسم بروح التسامح نحو أهل الكتاب انخرط المسيحيون واليهود مبكرا في عملية التأليف بالعربية، وذلك بعد أن تشبعوا بالثقافة العربية أيما تشبع مقتفين خطى علمائها المسلمين في مجالات علمية مختلفة(4).

وقد بلغ هذا الاحتكاك بين المسلمين وغير المسلمين أَوْجَهُ في الأندلس الإسلامية التي قدمت للإنسانية درسا بليغا في التعايش والحوار والتسامح. إن الأندلس كانت خليطا من الأجناس والأعراق والديانات والمذاهب. إلى جانب العرب الذين وفدوا إليها من الجزيرة العربية ومن الشام والعراق ومصر. كان هناك الأمازيغ والصقالبة والسود والنصارى المعاهدون (الأعاجم) والمولدون واليهود. كما عرف المجتمع الأندلسي لغات متعددة: العربية ذات الانتشار الواسع والنفوذ القوي. اللاتينية المعروفة عند المؤرخين بالعجمية أو اللطينية. الأمازيغية التي سرعان ما تراجع استعمالها أمام العربية. أما اللغة العبرية، وبتأثير من الثقافة العربية، فقد شهدت على يد العلماء اليهود عملية إحياء لها.

إسهام العلماء المسلمين في دراسة الأديان

في ظروف اجتماعية وسياسية وثقافية يطبعها التسامح وتقوم على الحوار كان من الطبيعي أن يتوجه اهتمام بعض العلماء المسلمين نحو دراسة الديانات التي كان لهم احتكاك بها، أو تلك التي أتيحت لهم معرفتها خلال رحلاتهم أو أسفارهم إلى أصقاع أخرى من العالم، حتى وإن لم تكن هذه العقائد من قبيل الديانات السماوية. نخص بالذكر هنا محمد بن أحمد أبا الريحان البيروني الخوارزمي (ت1050م) الذي تعلم خلال إقامته بالهند اللغة السنسكريتية، وألف كتابا يُعد من المصادر النفيسة لمعرفة ثقافة الهند ومعتقداتها الدينية إبان القرن الثاني عشر الميلادي.

والظاهر أن ما كُتب عن الديانات السماوية ولاسيما المسيحية منها كثير. غير أن جزءا لا يُستهان به من هذه الرسائل والكتب ضاع. وما بقي منها دليل قاطع على الأهمية التي كانت تحظى بها مثل هذه الدراسات في الثقافة العربية القديمة. لنذكر على سبيل المثال لا الحصر بعض الكتب التي يُمكن أن تُدرج في مجال دراسة الأديان:

(الرسالة المختارة في الرد على النصارى) لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت255هـ)(5).

(تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة) لأبي الريحان البيروني (ت440)(6).

(الفصل في الملل والأهواء والنحل) لابن حزم (ت 456)(7).

(الملل والنحل) للشهرستاني (ت548)(8).

(الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل) للغزالي(9).

(أجوبة الحيارى في الرد على اليهود والنصارى) لابن قيم الجوزية(10).

(مقامع الصلبان في الرد على عبدة الأوثان) لابن أبي عبيدة(11).

وتعزز البحث في هذا المجال بكتب لعلماء مسلمين كانوا في الأصل يهودا أو نصارى. إن الشيخ عبد الله الترجمان الميورقي كان قسيسا وأسلم، وألف عقب اعتناقه الديانة الإسلامية كتابه المعروف بـ (تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب). أما السموءل بن يحيى بن عباس المغربي (ت570) الذي كان يهوديا فقد ألف حينما اعتنق الإسلام كتابه المشهور (بذل المجهود في الرد على اليهود)(12)، وهو رد على اليهود أبرز فيه تحريفهم للتوراة، وأشار إلى أن نصوص التوراة التي وصلت إلينا هي تشويه للوحي الأصلي مؤكدا على أنها من وضع عزرا الوراق. وهناك كتاب (الحسام المحدود في الرد على أحبار اليهود) لأبي محمد عبد الحق الإسلامي السبتي الذي لا يختلف كثيرا في فحواه عن الكتاب السابق. وهناك أمثلة أخرى لا يسمح المقام هنا لاستعراضها.

وعلى غرار العلماء المسلمين انبرى علماء اليهودية والمسيحية للكتابة بدورهم في هذا المجال أمثال أبي الحسن يهودا اللاوي (حوالي 1075- 1141) صاحب (الحجة والدليل في نصرة الدين الذليل) المعروف في الأدبيات اليهودية والاستشراقية بالكوزري. ويُمثل هذا الكتاب بدفاعه المستميت عن اليهودية مواجهة مكشوفة مع الديانتين المسيحية والإسلام. أما سعد بن منصور بن سعد بن الحسن بن هبة الله بن كمونة الإسرائيلي الملقب بعز الدولة (1215-1285) فهو صاحب كتاب (تنقيح الأبحاث في الملل الثلاث). وقد بالغ ابن كمونة الإسرائيلي -حسب حميد بن عيد الكبيسي (1982: 15)- في مناصرة اليهودية على حساب النيل من سائر الأديان التي يخالفها ومنها الإسلام.

دور ابن حزم في تأسيس علم مقارنة الأديان

لا أحد يجادل الآن في أن العلماء المسلمين كان لهم الفضل في وضع بعض أسس دراسة الأديان وذلك قبل ظهور علم مقارنة الأديان عند الغربيين في العصر الحديث. ويؤكد محمد عبد الله دراز (أن أثر العرب والمسلمين في علم الأديان يمتاز بطابعين جديدين: أولا: أن الحديث عن الأديان أصبح على يد العلماء المسلمين دراسة وصفية واقعية منعزلة عن سائر العلوم والفنون شاملة لكافة الأديان المعروفة في عهدهم. ثانيا: أن العلماء في وصفهم للأديان المختلفة لم يعتمدوا على الأخيلة والظنون، ولكنهم كانوا يستمدون أوصافهم من مصادرها الموثوق بها)(محمد عبد الله دراز، 2003: 44).

ويذهب حاييم زعفراني إلى القول بأن التلامذة العرب والمسلمين (تجاوزوا في بعض النواحي وفي مجالات عدة معلميهم اليونانيين. إذ لا يجب أن يغيب عن بالنا مجال لا نجد له نظيراً في الكتابات اليونانية ألا وهو العلم الجديد الذي يُعنى بالمقارنة بين الأديان)(Haïm Zafrani, 2003:84).

وفي هذا المجال يحتل كتاب (الفصل في الملل والأهواء والنحل) لابن حزم أهمية خاصة لعدة اعتبارات من بينها: انفتاح ابن حزم على الآخر لمساءلته ومحاورته والتواصل معه، وهي خطوة جريئة إذا ما نظرنا إليها في ضوء مقاييس ذلك العصر، وتطلع ابن حزم إلى مقارنة الإسلام بغيره من الديانات، ولاسيما الديانتين المسيحية واليهودية، وانتقال ابن حزم في دراسة الأديان من مستوى الوصف إلى مستوى أعمق ألا وهو مستوى النقد الصريح للتوراة ولأسفار العهدين القديم والجديد. هذا هو -حسب أحمد شحلان- (لب نقد ابن حزم الذي كان فاتحة علم مقارنة الأديان والنظر فيها)(أحمد شحلان، 2003: 79).

إن كتاب (الفصل) -بما يحتوي عليه من نقد علمي للتوراة والأناجيل- يُعد إذًا أول دراسة نقدية للكتاب المقدس سبقت بأمد طويل أعمال باروخ سبينوزاBaruch (Benoit) Spinoza (13) وريشارد سيمون Richard Simon (1638-1722) وجون أستريك J.Astruc وفلهاوزن(14) Welhausen وغيرهم.

ولا يستبعد أحمد شحلان أن يكون باروخ سبينوزا نفسه قد تأثر في نقده للتوراة بابن حزم، وذلك من خلال إبراهام بن عزرا (ت 1167) الذي كان -شأنه في ذلك شأن أغلب العلماء اليهود آنذاك- شديد التأثر بالثقافة العربية.

إن الوجهة الجديدة التي نهجها إبراهام بن عزرا في دراسة التوراة ما هي إلا صدى لثقافته العربية، أو لما يكون قد وصله من مجادلات ومناظرات دينية سواء بين المسلمين أنفسهم أو بين المسلمين من جهة وأهل الكتاب من جهة أخرى. ويعتقد عبد الرازق أحمد قنديل أن ابن عزرا اطلع دون شك على كتابي ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل الذي نحن بصدد الحديث عنه، وفي كتاب الرد على ابن النغريلة (عبد الرازق أحمد قنديل، 239-240).

نقد التوراة

كان موقف العلماء المسلمين من اليهودية يجمع ما بين التصديق بالصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى والتشكيك في نسبة التوراة إلى النبي موسى -عليه الصلاة والسلام-. إن القرآن الكريم يتضمن آيات عديدة تشير صراحة إلى ما لحق كتاب اليهود من تحريف على يد اليهود أنفسهم.

﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا..﴾ سورة البقرة، آية 79 و﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ سورة النساء، آية 46 و﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ..﴾ سورة المائدة، آية 13.

والحقيقة أن اعتراضات ابن حزم وغيره من العلماء المسلمين على التوراة لها ما يماثلها عند خصوم اليهودية سواء قبل الإسلام أو بعده. غير أننا لا ندري إن كان للعلماء المسلمين علم بها. كما نجهل تماما مدى استفادتهم من هذه الاعتراضات إذا ما وُجدت تحت تصرفهم.

وفي جميع الحالات لا نستبعد أن يكون لهذه الاعتراضات صدى بينهم. ممن اعترضوا على التوراة قبل الإسلام: مرقيون Marcion الذي دعا إلى نبذ أسفار العهد القديم كلها، ولم يحتفظ من العهد الجديد سوى بإنجيل لوقا والرسائل العشر المنسوبة إلى القديس بطرس Saint Paul وسلسوس المشرك Celsus وفورفوريوسPorphyre (233-304) ويوليان المرتد Julien l’Apostat. أما بعد الإسلام فنذكر: حيويه البلخي اليهودي من خوارج اليهود وإسماعيل العكبري اليهودي وأنستانسيوس السينائي (نهاية القرن 7م) والأعازار بن عزريا وفوتيوس القسطنطيني (القرن 9م).

مصادر ابن حزم في نقد التوراة

لا شك في أن التعريف باليهودية أو نقد كتابها يقتضي وجود التوراة نفسها مترجمة إلى العربية حتى يسهل على العلماء المسلمين الرجوع إليها. فمتى تُرجمت التوراة إلى العربية؟

هناك من الباحثين من لا يستبعد وجود ترجمة للتوراة كاملة أو على الأقل لبعض أجزائها قبل الإسلام. وقد استند جواد على في ترجيح هذا الاحتمال على خوض بعض شعراء الجاهلية أمثال عدي بن زيد وأمية بن أبي الصلت والأعشى في أمور وأحداث توراتية(15). في حين ترى سلوى ناظم (أن الشيء المقبول لدى الدارسين هو القول بأنه هناك شروح أو تراجم بالعربية كانت قد بدأت في الظهور والانتشار بين اليهود المتكلمين بالعربية منذ فترات قديمة وقد يكون بعضها قد تم تدوينه)(سلوى ناظم، 1988: 90).

أما علماء الكتاب المقدس فينفون حسب عبد الكريم فرحات، (2006: 7) (وجود أي ترجمة عربية لأسفار (الكتاب المقدس) بعهديه القديم والجديد في ذلك العصر، بل وبعد ذلك بمئات السنين؛ إذ لا يوجد معطى أثري ولا وثيقة تثبت هذا الأمر).

غير أن الأمر الذي لا خلاف حوله هو أن ترجمة عربية للتوراة بدأت تظهر للوجود حوالي القرن الثامن الميلادي في عصر المأمون على يد أحمد بن عبد الله بن سلام (ما بين القرنين 8 و9م). وقام حنين بن إسحاق (800-873م) بترجمة كاملة لأسفار العهد القديم ولكن اعتمادا على النسخة اليونانية المعروفة بالسبعينية. وترجم يهودا بن إسحاق بن غياث سفر الجامعة إلى العربية.

ومن الترجمات المشهورة لأسفار (العهد القديم) تلك التي قام بها سعيد بن يوسف الفيومي (882-942)(16). إن هذه الترجمة كانت -باعتراف أبي الحسن المسعودي- هي المفضلة لدى كثير من اليهود. (لم يكن سعيد بن يوسف الفيومي أول من فسر التوراة بالعربية، إلا أنه كان أول من كتب تفاسير ووضع شروحا منهجية ومفصلة لأجزاء كبيرة من التوراة) (اليعيزر شلوسبيرج، 1994: 93).

وأنجز بدوره أبو علي الحسن بن علي البصري أو يافث بن علي في النصف الثاني من القرن العاشر -وهو من أشهر القرائين- ترجمة لأسفار العهد القديم، مذيلة بتفسير مطول لها. وهذا العمل حرره يافث بن علي على غرار أغلب القرائين باللغة العربية لغة وخطا.

وتُنسب إلى يشوع بن يهودا المكنى بالشيخ أبي فرج فرقان بن أسد ترجمة عربية للتوراة فقط. وقد أُلفت في تقدير مانك ما بين 930 و950م (M.S.Munk, 1850: 13).

وعلاوة على ترجمة سعيد بن يوسف الفيومي الذائعة الصيت فإن ترجمتي يافث بن علي ويشوع بن يهود كانتا رائجتين في الأندلس نظرا لوجود مؤيدين للقرائين هناك(17). كما أن إبراهام بن عزرا في تفسيره للتوراة كان يحيل عليهما (نفس المرجع: 10).

أما في الأندلس فإن يوحنا أسقف أشبيلية ترجم في النصف الثاني من القرن الثامن أجزاء من العهدين القديم والجديد نقلا عن ترجمة لاتينية.

والظاهر أن هذه المرحلة من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية عرفت دون شك ترجمات أخرى كاملة أو جزئية للتوراة أو بقية أسفار العهد القديم أو الأناجيل وإن كنا لا نعرف عنها إلا الشيء القليل.

وقد ركزنا هنا على الترجمات العربية للتوراة لأننا متيقنين بأن ابن حزم كان يجهل اللغة العبرية مثله في ذلك مثل أغلب العلماء المسلمين. يقول حاييم زعفراني: (خلال هذا العصر الذهبي المثالي الذي عاشه العالم اليهودي الإسلامي لم يكن للنخبة المسلمة والمثقفة أي علم بما أسميه التجربة الداخلية لليهودية واللغات والآداب اليهودية والآرامية باستثناء أولئك اليهود الذين أسلموا أو قلة من العلماء غير اليهود الذين تكونوا في مجال الدراسات الربانية على يد أساتذة يهود أو نهلوا معارفهم اليهودية من مصادر غير مباشرة وجعلوا من هذه المعرفة في الغالب أداة للدفاع عن القرآن والإسلام أو التهجم على الرسالة التوراتية التي كان يُقال بأنها حُرفت من قبل اليهود، وذلك على غرار ابن حزم في نقده اللاذع لصامويل بن نغريلة)(Haïm Zafrani, 2003: 107, note 23).

وبصرف النظر عن موقف حاييم زعفراني من ابن حزم لاعتبارات دينية محضة لا مجال للخوض فيها الآن؛ فإن ما يهمنا هو أن ابن حزم -وخلافا للسموءل بن يحيى بن عباس أو غيره- يُصنف ضمن الفئة الأخرى التي نهلت معارفها اليهودية من مصادر غير مباشرة.

ومع اعتقادنا الراسخ بأن جهل ابن حزم باللغة العبرية نقيصة يقاسمه فيها أغلب العلماء المسلمين(18)، وعلى الرغم من أنه لا يجدر بنا التقليل من شأن الرجوع إلى النصوص الدينية اليهودية في مصادرها، لاسيما في علم مثل علم مقارنة الأديان يقوم أساسا على الاحتكاك المباشر بالنصوص في لغاتها الأصلية؛ إلا أننا نجد ابن حزم يمتلك -مع ذلك- معرفة واسعة باليهودية مكّنته من نقد التوراة وفق منهجية محددة.

وخلافا لما يشاع في بعض الدراسات من كون ابن حزم كان يستقي معلوماته حول التوراة اعتمادا على وسيط فإننا نعتقد جازمين بأن النصوص التي أوردها في الفصل مأخوذة عن نص كان بين يديه؛ وذلك لأن النصوص المستشهد بها جميعها على درجة عالية من الدقة والكمال. ناهيك عن وصف ابن حزم الدقيق للنسخة التي اعتمد عليها. قال ابن حزم: (مقدار توراتهم، وإنما هي مقدار مائة ورقة وعشرة أوراق في كل صفحة منها من ثلاثة وعشرون إلى نحو ذلك بخط هو إلى الانفساح أقرب يكون في السطر بضع عشرة كلمة)(ابن حزم: 198).

إن التوراة والكتب اليهودية الأخرى لم تكن في الأندلس عزيزة المنال؛ فقد كثرت -كما لاحظ ذلك أحمد شحلان- الفتاوى حول هذا النوع من الكتب. بل وحذرت إحدى الفتاوى شراء الكتب من اليهود باستثناء كتبهم الدينية (أحمد شحلان، 1996).

وتتضمن كتب ابن حزم إشارات صريحة لليهود الذين جادلهم أو الأسفار التي رجع إليها. فقد كانت له مناظرات مع إسماعيل بن يونس الأعور الطبيب وإسماعيل بن القراء الطبيب اليهودي وغيرهم. غير أن أشهر المناظرات تلك التي أجراها مع إسماعيل بن يوسف اليهودي المعروف بابن نغريلة(19). (وقد قررت على هذا الفصل أعلمهم وأجدلهم وهو أشموال بن يوسف اللاوي المعروف بابن النغرال في سنة أربع وأربعمائة فقال..)(ابن حزم: 152).

إن صامويل بن النغريلة المعروف بالنجيد هو حكيم يهودي وشاعر ولغوي ورجل حرب ورجل دولة ادعى -في مؤلف له عن الإسلام مكتوب باللغة العبرية- وجود تناقض بين آي القرآن. وقد تصدى ابن حزم لدحض هذه الشبهات، وللرد عليه في رسالته المشهورة: في الرد على ابن النغريلة. وهي الرسالة التي صيغت في أسلوب غريب عن آداب المناظرة.

ولم يكن ابن حزم يتوانى عن طلب توضيحات بخصوص الكلمات التي يغمض عليه فهمها، يقول: (وقد أخبرني بعض أهل البصر بالعبرانية أنه لذلك سماه إسرائيل و(إيل) هو اسم الله تعالى بلا شك. ولا خلاف فمعناه أسر الله)(ابن حزم:142).

أما إشارات ابن حزم للأسفار التي رجع إليها واقتبس منها فعديدة نذكر منها: في آخر السفر الأول(20)، أول السفر الرابع(21)، في السفر الخامس من أسفار التوراة الذي يسمونه التكرار(22)، وذكر في كتاب لهم معظم عندهم اسمه سفطيم(23)، أما كتاب يوشع(24)، في كتاب حزقيا(25)، كتاب وبراهياميم وفي نسخة أخرى وهر هياميم(26)، أما الكتب التي يضيفونها إلى سليمان -عليه السلام- فهي ثلاثة: واحدها يسمى شار هشير(27) ثم معناه شعر الأشعار، والثاني يسمى مثلا(28) معناه الأمثال، والثالث يسمى فوهلت(29) معناه الجوامع، وفي ذلك الذي يسمونه الزبور(30)، ففي المزمور الأول منه، في المزمور الرابع والأربعين، في المزمور الوفي مائة وسبع. وفي كتاب لهم آخر معظم عندهم أيضا اسمه ملاخيم(31)، روث العمونية التي لها كتاب مفرد من كتب النبوة(32).

ويشير ابن حزم كذلك إلى التلمود: ومن طرائفهم قولهم في كتاب لهم يعرف بشعر توما(33) من كتاب التلمود، وقالوا في كتاب لهم من التلمود وهو فقههم يسمى سادر نشيم ومعناه حيض النساء(34)، هذا سوى ما في توراتهم من شرائعهم التي يلزمونها الآن كالقرابين وكمن مس نجسا، ومن عجائبهم قولهم في نقل أحبارهم الذي هو عندهم بمنزلة ما قال الأنبياء. كما قرأ ابن حزم -كما أشار إلى ذلك هو نفسه- لرجل منهم يسمى يوسف بن هارون وهو على حسب تعبيره من كبرائهم وأئمتهم(35).

منهج ابن حزم في نقد التوراة

لم يحتكم ابن حزم في نقده للتوراة وباقي أسفار العهد القديم على النصوص المدونة باللغة العبرية. ومع ذلك لم يجد أية غضاضة في أن يتعامل مع هذه النصوص المترجمة إلى اللغة العربية وكأنها نصوص أصلية. ومن هنا كان إلحاحه على ضرورة الالتزام بما يُفهم من ظاهر اللفظ وترك التأويلات. يقول ابن حزم: (ولو كان لهذا الخبر وجه وإن غمض ومخرج وإن بعد أو أمكنت فيه حيلة أو ساغ فيه تأويل ما ذكرناه)(ابن حزم: 144).

(وقد قلنا: إن كل ما يمكن تخريجه بوجه وإن بعد فلسنا نخرجه في فضائح كتابهم المكذوب)(ابن حزم: 151).

ولا حاجة للتأكيد بأن نظرة ابن حزم إلى النصوص مستوحاة من المذهب الظاهري. إن ابن حزم -كما ذهب إلى ذلك محمود علي حمايه- (1983: 178) لم يكن ظاهري المذهب في أمور الفقه ومسائل التشريع فحسب..وعندما نتأمل في نقده لنصوص الكتاب المقدس التي عرض لها في كتابه الفصل نجد النزعة الظاهرية تترك بصماتها في دراسته لهذه النصوص، مما يدل على أنه اصطنع المنهج الظاهري، أيضا وهو يناقش النصارى واليهود..).

والحقيقة أن ظاهرية ابن حزم تجلت في مناقشته للتصور التي تحمله التوراة عن الله والملائكة والأنبياء. ويمكن تصنيف مناقشاته لهذا التصور في باب نقد النصوص التي بها قذف في حق الأنبياء أو تجديف في حق الله أو تشبيه الخالق بمخلوقاته أو ما شابه ذلك(36).

ويظهر منهج ابن حزم في نقد التوراة والأسفار الأخرى فيما يلي:

الشك في صحة نسبة التوراة إلى النبي موسى

يُعد ابن حزم من الأوائل الذين شكوا في صحة نسبة التوراة إلى موسى. هذا مع العلم أن هذا التشكيك كان يُنظر إليه في اليهودية -كما هو الحال في المسيحية- هرطقة تستوجب الحد. وقد ساق جملة من الأدلة للبرهنة على ذلك:

أولاً: الاختلاف بين التوراة العبرانية والتوراة السامرية(37): (أول ذلك أن بأيدي السامرية توراة غير التوراة التي بأيدي سائر اليهود يزعمون أنها المنزلة ويقطعون أن التي بأيدي اليهود محرفة)(ابن حزم: 117).

(هم الذين ينكرون التوراة جملة وعندهم توراة أخرى غير هذه التي عند اليهود…فأمر توراة أولئك أضعف من توراة هؤلاء؛ لأنهم لا يرجعون فيها إلى نبي أصلا ولا كانوا هنالك أيام دولة بني إسرائيل وإنما عملها لهم رؤساؤهم أيضا)(ابن حزم: 195).

ثانياً: الاختلاف بين التوراة العبرانية والسبعينية(38).

(فإن في التوراة التي ترجمها السبعون شيخا لبطليموس الملك بعد ظهور التوراة وفشوها هي مخالفة للتي كتبها لهم عزرا الوراق)(ابن حزم: 198).

ومن أقوى الأدلة في إثبات وضع التوراة وتبديلها -كما أشار إلى ذلك ابن حزم- حديث التوراة عن وفاة موسى: (ثم قال في آخر توراتهم: فتوفي موسى عبد الله بذلك الموضع في أرض مؤاب مقابل بيت فغور ولم يعرف آدمي موضع قبره إلى اليوم. وكان موسى يوم توفي ابن مائة وعشرين سنة لم ينقض بصره ولا تحركت أسنانه فنعاه بنو إسرائيل..)(ابن حزم: 186).

وهذا نص الاستشهاد كما ورد في التوراة المدونة باللغة العبرية:

וימת שם משה עבד יהוה בארץ מואב מול בית פעור ולא ידע איש את קברו עד היום הזה ומשה בן מאה ועשרים שנה במותו לא כהתה עינו ולא נס לחה: ויבכו בני ישראל

وقد علق ابن حزم على هذه الإصحاحات الواردة في سفر التثنية (34: 5-6) قائلا: (إذ لا يمكن أن يكون هذا الفصل منزلا على موسى في حياته، فكان يكون إخبارا عنها لم يكن بمساق ما قد كان، وهذا هو محض الكذب تعالى الله عن ذلك، وقوله: لم يعرف قبره آدمي إلى اليوم بيان لما ذكرنا كاف وأنه ألف بعد دهر طويل ولابد..)(ابن حزم: 185-186) وهو الدليل نفسه الذي أورده إبراهام بن عزرا(39) في سياق دحضه لنسبة التوراة إلى موسى.

وقد ألمح إليه باروخ سبينوزا قائلا: (لقد ظن الجميع تقريبا أنه موسى، بل إن الفريسيين(40) أيدوا هذا الرأي بإصرار شديد حتى إنهم عدُّوا من يظن خلاف ذلك من المارقين، ولهذا السبب فإن ابن عزرا -وهو رجل كان فكره حرا إلى حد بعيد ولم يكن يستهان به، وهو أول من تنبه إلى هذا الخطأ فيما أعلم- لم يجرؤ على الإفصاح عن رأيه صراحة واكتفى بالإشارة إليه بألفاظ مبهمة. أما أنا فلن أخشى توضيحها..)(باروخ سبينوزا 1981: 266).

مخالفة ما ورد في التوراة لمنطق الأشياء

يقول ابن حزم متسائلا: (كيف يمكن أن يتناسل من ولادة واحد وخمسين رجلا فقط في مدة مائتي عام وسبعة عشر عاما فقط أزيد من ألفي ألف إنسان هذا غاية المحال)(ابن حزم: 173).

ودفاعا عن رأيه يستعين بثقافته الموسوعية وعلمه الفياض بعلوم التاريخ والأنساب يقول: (وقد علم كل من يميز من الرجال والنساء أن الكثرة الخاصة من الأولاد لم توجد في العالم لصعوبة الأمر في تربية أطفال الناس ولكون الإسقاط في الحوامل ولإبطاء حمل المرأة بين بطن وبطن ولكثرة الموت في الأطفال…ولو طلبنا أن نعد من عاش له عشرون ولدا فصاعدا من الذكور وبلغوا الحلم فما وجدناهم إلا في الندرة، ثم في القليل من الملوك وذوي اليسار المفرط..)(ابن حزم: 174-175).

وبعد أن استفاض ابن حزم في استعراض المكثرين من الأولاد في العرب والعجم واليهود انتهى إلى النتيجة الآتية: (فإذا كانت هذه الصفة لم نجدها منذ نحو ثلاثة آلاف إلا في أقل من عشرين إنسانا في مشارق الأرض ومغاربها في الأمم السالفة والخالفة، ممن علت حاله وامتد عمره وكثرت أمواله وعياله، فكيف يتأتى من هذا العدد ما لم يسمع بمثله قط في الدهر لا في نادر ولا في شاذ لبني إسرائيل كافة بمصر؟!! وحالهم فيها معروفة مشهورة لا يقدر أحد على إنكارها..)(ابن حزم:176).

مخالفة ما ورد في التوراة للحقائق الجغرافية

(وبعد ذلك قال ونهر يخرج من عدن فيسقي الجنان ومن ثم يفترق فيصير أربعة رؤوس اسم أحدها النيل وهو محيط بجميع بلاد زويلة الذي به الذهب، وذهب ذلك البلد جيد وبها اللؤلؤ وحجارة البلور، واسم الثاني جيحان وهو محيط بجميع بلاد الحبشة، واسم الثالث الدجلة وهو السائر شرق الموصل، واسم الرابع الفرات)(ابن حزم:118).

وتعليقا على هذا النص يتحقق ابن حزم من صحة المعلومات المتعلقة بمصبات ومنابع الأنهار والأودية ومواقع الثروات الطبيعية أو المعدنية. على سبيل المثال ينفي أن يكون ببلد زويلة اللؤلؤ الجيد (وهذا كذب ما للؤلؤ بها مكان أصلا إنما اللؤلؤ في مغاصاته في بحر فارس وبحر الهند وأنهار بالهند والصين)(ابن حزم:119).

ظروف تداول التوراة من أول دولتهم عقب موت موسى -عليه السلام- إلى انقراض دولتهم، ثم رجوعهم إلى بيت المقدس وانتهاء بتدوين التوراة على يد عزرا الوراق

ويلخص ابن حزم ظروف تداول التوراة فيما يلي:

إن موسى سلم التوراة إلى بني عشيرته من اللاويين، وكأنه اعتبرها تخصهم ولا تخص غيرهم من بني إسرائيل. وقد عهد إليهم بحفظ تابوت العهد وما فيه مما ترك موسى وهارون. وبقوا على ذلك نحو ألف ومائتي سنة لا يصل إلى ذلك المكان أحد سوى الكاهن الأكبر.

إن اليهود بدءا من دخولهم الأرض المقدسة إثر موت موسى إلى ولاية أول ملك لهم وهو شاول ارتدوا سبع مرات.

إن الكثيرين ممن تولوا أمر بني إسرائيل سواء من (مملكة الجنوب) أو من (مملكة الشمال) كانوا بعيدين كل البعد عن الديانة اليهودية(41). مع تولي رحبعام بن سليمان(ت 915 ق.م) الملك انقسمت مملكة إسرائيل إلى قسمين: (مملكة إسرائيل) و(مملكة يهوذا).

فقد انتشرت العبادة الوثنية خلال مائتي سنة وواحد وسبعين سنة في مملكة إسرائيل منذ بدايتها. (ولا كان للتوراة عندهم ذكر ولا رسم ولا أثر ولا كان عندهم شيء من شرائعها أصلاً، مضى على ذلك جميع عامتهم وجميع ملوكهم وهم عشرون ملكا قد سميناهم)(ابن حزم: 196).

وسار ملوك مملكة يهوذا طوال أربعمائة سنة في ذات الطريق الذي نهجته مملكة إسرائيل حاشا خمسة منهم فقط كانوا مؤمنين ولا مزيد. فقد أدخلت عثليا بنت عمري زوجة يورام ملك يهوذا عبادة بعل إلى يهوذا. كما أهمل الملك يوآش الملك الثامن من ملوك يهوذا عبادة الله وعزز عبادة الأصنام في فترات من حكمه. ورجع يهوياقيم إلى عبادة الأصنام وابتعد عن يهوه.

إن عزرا الذي كتب التوراة أو دوَّنها كان وراقا ولم يكن نبيا. وهم -أي اليهود حسب تعبير ابن حزم- (مقرون أنه وجدها عندهم وفيها خلل كثير فأصلحه، وهذا يكفي وكان كتابة عزرا للتوراة بعد أزيد من سبعين سنة بعد خراب بيت المقدس، وكتبهم تدل على أن عزرا لم يكتبها لهم ويصلحها إلا بعد نحو أربعين عاما من رجوعهم إلى البيت بعد السبعين عاما التي كانوا فيها خالين)(ابن حزم: 197). وقد انتشرت التوراة بعد ذلك انتشارا ضعيفا.

إن البداية الحقيقية للديانة وما ترتب عنها من إحداث للصلوات، وإقامة للكنائس لم تتحقق إلا بعد هلاك دولتهم بأزيد من أربعمائة سنة. وخلال هذه المدة الطويلة لم تكن الظروف مواتية قط للحفاظ على التوراة، وحمايتها من التحريف والتبديل.

 

بقلم: سعيد كفايتي

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق