بحوث قرآنية

خصائص النبي الأكرم (ص) في القرآن الكريم

1- الأميّ العالم

قال الله عز وجل في محكم كتابه : {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ }[1].

لقد تميّز النبي الأكرم(ص) بأنه لم يتعلّم في حياته القراءة والكتابة عند معلّم بشريّ ولم ينشأ في في بيئة متحضرّة فضلاً عن العلم، وإنّما وُلد وترعرع في مجتمع جاهلي هم أشدّ الأقوام جهلاً وأبعدهم عن العلوم والمعارف.- وتمّ ذكره سابقاً- ولم ينكر أحد هذه الحقيقة التي أثبتها القرآن الكريم.

وقد جاء النبي (ص) بكتابٍ يدعو إلى العلم والثقافة والفكر والتعقّل، واحتوى على صنوف من العلم والمعارف الإلهية، وبدأ بتعليم الناس الكتاب والحكمة وِفق منهج بديع حتى أنشأ حضارة فريدة اخترقت الشرق والغرب بعلومها ومعارفها وما زالت  تتلألأ بهاءاً ونوراً، فهو أمّيٌ ولكنّه كان يكافح الجهل والجاهليّة وعبادة الأصنام، وجاء بدين قيّم إلى البشرية وبشريعة عالميّة تتحدّى البشرية على التاريخ ، فهو معجزة بعلومه ومعارفه، وجوامع كلمه ورجاحة عقله، وثقافته ومناهج تربيته .

لقد أوحى الله إليه القرآن الكريم وأرسله إلى الخلق رحمةً، وجعله نوراً منيراً وسراجاً وهّاجاً، وحجّةً وبرهاناً، وناصحاً أميناً، وبشيراً ونذيراً. فهو الذي شرح الله له صدره وأعدّه لقبول الوحي والقيام بمهمّة الإرشاد في مجتمع سيطر عليهم العصبية والأنانية والجاهلية، فجعلهم أمّة مثقّفة تنبع منها العلم والحكمة ومخلّقة بأرفع خصال. وكان أسمى قائد عرفته البشرية في مجال الدعوة و التربية والتعليم . قال تعالى: { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}[2].

2- أوّل المسلمين العابدين

كان من ضمن البرامج الإلهية للنبي الأكرم(ص)؛ البناء الذاتي بالتوحيد والعبادة لله عز وجل، والقرآن خير شاهدٍ حيث كان الباري جلّ وعلا يأمره بالعبادة و الصلاة وقراءة القرآن في آيات عديدة:

منها: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ{1} قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً{2} نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً{3} أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً{4}[3]. جاء في تفسير الآلوسي: أنّه لما نزل على النبي |{يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} قام الليل كله حتى تورّمت قدماه فجعل يرفع رجلا و يضع رجلا فهبط عليه جبريل عليه السّلام فقال الآية[4] .

ومنها: قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً {78} وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً}[5] . جاء في التفاسير والروايات أن صلاة النافلةكانت واجبة على النبي|[6]، والمقام المحمود هومقام الشفاعة يوم القيامة[7] .

ومنها: قوله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ }[8] .اليقين هو الموت لأنه متيقن، أي أعبده ما دمت حياًّ[9].  وفي حديث عن النبي| قال: > يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) لَمْ يُوحِ إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ الْمَالَ، لَكِنْ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ سَبِّحْ‏ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ‏<

وقد صدّق النبي(ص) هذا الأمر ، وأجاب ربّه قائلاً: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}[10] .  والله سبحانه وتعالى أقرّ عبوديّته في قوله: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى}[11]؛ فهذا مقام المعراج ناله النبي| شرفاً من حقّ عبوديته، وقد قيل: أنّها أشرف من الرسالة، لأن بالعبودية ينصرف من الخلق إلى الحق، و بالرسالة ينصرف من الحق إلى الخلق[12].

وكان من أقواله (ص): { جُعل قرّة عيني في الصلاة}[13]، فقد حُبّبت إليه كما حبّب إلى الظمأن الماء فإذا شرب روي،  ولكنه | لم يرتوِ من الصلاة . وكان ينتظر وقتها ويشتدّ شوقه للوقوف بين يدي الله عز وجلّ، ويقول لمؤذّنه بلال: أرِحنا يابلال[14]، وكان يحدّث أهله ويحدّثونه فإذا دخل وقت الصلاة فكأنّه لم يعرفهم ولم يعرفوه.

وكان إذا صلّى يسمع لصدره أزير كأزير المرجل على الأثافي من كثرة البكاء[15]، ويبكي حتى يبتلّ مصلاّه خشية من ربّه عز وجل. وكان يصلّي حتى تنتفخ قدماه فيقال له أتفعل هذا وقد غفر الله لك  ماتقدّم من ذنبك وما تأخّر؟، فيقول: {أفلا أكون عبداً شكوراً}[16].

صلى الله عليه وآله وسلّم.

بقلم: صدر الدين سي


[1] – العنكبوت:48

[2] –  الجمعة:  2

[3] – المزمل: 1-4

[4] – الآلوسى سيد محمود، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، ج‏8، ص: 465

[5] – الإسراء:79- 78

[6] – ابن عربى ابو عبدالله محيى الدين محمد، تفسير ابن عربي، ج‏1، ص: 386

[7] – محلى جلال الدين / جلال الدين سيوطي، تفسير الجلالين، ص: 293

[8] – الحجر:99

[9] –  الحسينى شيرازى سيد محمد، تبيين القرآن، ص: 279

[10] – الأنعام:163

[11] – الإسراء:1

[12] – الرازى فخرالدين ابوعبدالله محمد بن عمر، مفاتيح الغيب، ج‏1، ص: 21

[13] – الكافي (ط – الإسلامية)، ج‏5، ص: 321

[14] –  بحار الأنوار (ط – بيروت) ؛ ج‏79 ؛ ص193

[15] –  البرهان في تفسير القرآن، ج3، ص749

[16] – الکتاب منسوب إلى جعفر بن محمد×، المترجم: المصطفوي حسن، مصباح الشريعة ،ص: 358

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق