تربية وثقافةمعلومات عامة

حقيقة النفس ومراتبها

بقلم: صدر الدين سي


– كثيراً ما نرى في تعريف النفس؛ يقسّمونها إلى عدّة أقسام وهي في الواقع ليست وجودات مختلفة للنفس وإنما هي عبارة عن مراتب ومراحل للنفس:

المرحلة الأولى: النفس الأمارة

وهي النفس العاصية التي تدعو الإنسان إلى الرذائل و القبائح باستمرار، و تزيّن له الشهوات، و هذا ما أشارت إليه امرأة عزيز مصر حينما نظرت إلى عاقبة أمرها فقالت: >وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ[1].

فإنّ النفس في هذه المرحلة هي أشبه من حصان جامح تأبى الإنقياد تحت امرة صاحبه وتسعى لتخدع الإنسان كي تخضع تحت سيطرته ، حينئذٍ يكون المرء عبداً لهواه وقد ذمّه البارئ في كتابه الكريم مرّات عديدة ، وشبّهه بالكلب؛ حيث قال: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث}[2] .

وفي آية أخرى يقول تعالى:{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ }[3].

فالقرآن الكريم يحذّرنا باتّباع النفس أي إطاعة أوامرها كي لا نبقى معلَّقين في هذه المرحلة ولا نصل إلى سفرنا الكمالي.

المرحلة الثانية: النفس اللوّامة (محكمة الضمير أو القيامة الصغرى)

قد سمّاها علماء النفس ب(الوجدان الأخلاقي) أي القوة المدركة الباطنية التي تميز الخير من الشر ) جزء من البناء التام للانسان ، وفطرته[4]. وله عدة خصوصيات:

أ- يعتبر من أهم وأعظم العوامل التنفيذية للوقاية من الجرائم . فإنه الذي يوجه اللوم والتقريع إلى المجرم ، ويوجه نحوه بذلك أشد الضربات.

ب- هي أطهر وأقدس محكمة قضائية لمعالجة الجرائم والجنايات

ج- إن عدالة محكمة الوجدان تضارع عدالة المحكمة الالهية في القيامة.

د – کما هو الوجدان الأخلاقي ، فانه يحاسب المجرم ويجازيه ، ولهذه المناسبة بينهما فان الله تبارك وتعالى قد قرن النفس اللوامة بيوم القيامة في القرآن الكريم حين قال :{ لا أقسم بيوم القيامة، ولا أقسم بالنفس اللوامة[5]}[6].

المرحلة الثالثة: النفس المطمئنّة

هي المرحلة التي توصل الإنسان بعد التصفية و التهذيب الكامل الى ان يسيطر على غرائزه و يروّضها فلا تجد القدرة للمواجهة مع العقل و الايمان، لانّ العقل و الايمان بلغا درجة من القوّة بحيث لا تقف امامهما الغرائز الحيوانية.[7]

فهذه هي المرحلة الأخيرة التي تصل إليها النفس بعد نجاتها من مرحلة الإبتلاء وهو مرحلة جماح النفس في بدايتها، وبعد ما أصغى الإنسان إلى نفسها اللوامة ورجع إلى فطرته الزكية النزيهة من كل دنسٍ، فيسمع حين ذلك نداء ربه عز وجل قائلاً: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ{27} ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً{28} فَادْخُلِي فِي عِبَادِي{29} وَادْخُلِي جَنَّتِي}[8].

وللوصول إلى هذه المرحلة يحتاج الإنسان إلى أصول محكمة يتمسك به وأسوة مثالية يقتدي به.

فالنفس بالنسبة للإنسان هي كنهه وجوهره الذي جُبل به، وحينما نقول: أن النفس عدوُّ باطني للإنسان نقصد بذلك  النفس الأمّارة، التي تحاول كل محاولة أن تجعل العقل تحت امرته وسلطته، وقد مرّ بحثه. وأمّا العدو الخارجي فهو:

1- ابليس اللعين: أعلن عداوته مع الإنسان منذ بداية خلقه، حيث أمره الله بالسجود فأبى واستكبر قائلاً: { أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } [9]، ولما طرده الله من رحمته تحدّى الناس أجمعين قائلاً: { فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ{16} ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}[10].

ولا يمكن للعقل البشري وحده أن يدافع الإنسان عن إغراءات الشيطان وحيله، بل هو بحاجة إلى قدرة باطنية يواجه بها إبليس وجنوده. لذا تلقينا نداء الباري عز وجل:  {يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }[11].

2- فتنة الدنيا: زينة الحياة الدنيوية تعتبر بلاء للإنسان حيث أنه يجرّ أتباعه إلى الهلاك، لأن الإنسان حينما يسعى وراء ملذات الدنيا (الأموال والأولاد…) يعمى ويصمّ ويفدي كل شيء للحصول بها، وهو مستعدّ لارتكاب أيّ عمل تجاهها، والعقل حينئذٍ عاجز بانقاذ صاحبه لأن نداءه غير مسموع لدى الأصمّ. فمصير الإنسان بهذه الحالة ليس إلى التّبار.. والقرآن الكريم يحذّر الإنسان منها في قوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ }[12].


[1] – الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج‏19، ص: 206

[2] – الأعراف: 176

[3] – الجاثية: 23

[4] – الفلسفي محمّد تقي ، الطفل بين الوراثة والتربية، ج1، ص 262

[5] – القيامة : 1،2

[6] – الطفل بين الوراثة والتربية، ج1، ص280

[7] – الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج‏7، ص: 233

[8]– الفجر: 27- 30

[9]– ص: 76

[10]– الأعراف: 16-17

[11]– الأعراف: 27

[12]– الحديد: 20

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق