بحوث قرآنية

حقيقة الثقة بالله في القرآن الكريم

1- (الثقة) في اللغة:

أصله : وثق، يثق، والثِقة: مصدر؛ بمعنى الإئتمان[1].

2- حقيقة (الثقة)

قال الله عز وجل:{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ[2]}. قال ابن عربي: >لما فرق بين الإيمان و الإسلام و بين أنّ الإيمان باطني قلبي و الإسلام ظاهري بدني >في الآية السابقة< أشار إلى الإيمان المعتبر الحقيقي و هو اليقين الثابت في القلب المستقرّ الذي لا ارتياب معه لا الذي يكون على سبيل الخطرات، فالمؤمنون هم الموقنون الذين غلبت ملكة اليقين قلوبهم على نفوسهم و نوّرتها بأنوارها فتأصلت فيها ملكة القلوب حتى تأثرت بها الجوارح فلم يمكنها إلا الجري بحكمها و التسخر لهيئته<[3].

فنلاحظ في هذه الآية الكريمة أن أوّل صفة أخصّه الله عز وجل للمؤمن هو (الثقة بالله ورسوله) وهو عدم الريب المشار إليه في قوله تعالى (ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا).

ونرى أن الثقة – مع لحاظ سياق الآية والقرائن- من القيم الأساسية لبناء الشخصية المؤمنة حيث جعله الله الرتبة الأولى بعد الإيمان بالله ورسوله، ويؤيّد ذلك ما رُوي من حديث طويل عن الإمام علي ×: { …  الثقة بالله‏ حصن لا يتحصن فيه إلا مؤمن أمين …[4]}.

فالقرآن الكريم علّمنا حقيقة الثقة عن طريق قصّه وقائع تاريخية من عباد الله المؤمنين المخلصين، الذين تمّ ابتلاؤهم فأظهروا الإيمان الكامل والثقة المطلقة إلى الله سبحانه وتعالى، نأتي ببعض منها:

أ- قصة النبي إبراهيم (ع) وإلقاؤه في النار: وثق بالله تعالى فجزاه بقوله : { يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ}[5]. وكذلك قصته و ابنه الذبيح إسماعيل عليهما السلام مع أن النبي إبراهيم جاءه الأمر في المنام ولكنه وثق إلى ربّه فأجابه الله تعالى بقوله: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}[6] ، وأشهده بقوله :{إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ}[7] .

ب- قصة أمّ موسى والتابوت: لقد ضحّت حياة ابنها لأنها وثقت بربها الذي إليه يتوكل المؤمنون؛ حيث أمره عز وجل: {أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ }[8]، وكانت نتيجة ثقتها لمولاها؛ قوله تعالى: { فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}[9].

ج- حكاية النبي موسى(ع) وشقّ البحر: إن ثقته العظيمة بالله عز وجل ساقته أمام البحر مع أتباعه والأعداء تأتي وراءهم، ولا سبيل للخروج إلا الموت، ولمّا علم الله صِدق إيمانه أوحى إليه عز وجل : {أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ }[10].

د: واقعة غزوة الأحزاب: حيث ابتلى الله نبينا الأكرم محمد| والمؤمنون من أتباعه، قال تعالى تصف تلك الحالة الرهيبة: {إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا }[11]، قال ابن عاشور: >بلوغ القلوب الحناجر تمثيل لشدة اضطراب القلوب من الفزع و الهلع حتى كأنها لاضطرابها تتجاوز مقارّها و ترتفع طالبة الخروج من الصدور فإذا بلغت الحناجر لم تستطع تجاوزها من الضيق فشبهت هيئة قلب الهلوع المرعود بهيئة قلب تجاوز موضعه و ذهب متصاعدا طالبا الخروج<[12].

فأقرّالمؤمنون يومئذٍ إيمانهم وثقتهم بالله تعالى وأحسنوا الظنّ بالله عز وجل بقولهم:{ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}[13]  بخلاف المنافقين وضعيفي الإيمان قالوا يومئذٍ:{مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً }[14] فكفى الله المؤمنين القتال ومدحهم لحفظهم العهد والميثاق بينهم وبينه، في قوله تعالى: { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً }[15].

وهناك كثير من الآيات في القرآن الكريم التي تبيّن حقيقة الثقة عبر القصص والوقائع بينه وبين أوليائه الصالحين. والثقة جنس تحته أنواع؛ والمراد من ذلك هو:  أن >الثقة< تكمن في ثلاثة أشياء هي : > التفويضُ لله ، والتسليمُ لقضاء الله ، والتوكل<،كما قال ابو اسماعيل عبداللَّه الانصاري : >الثقة سواد عين التوكّل، ونقطة دائرة التفويض، وسُويداء قلب التسليم<[16]. وسيأتي التفصيل في ذلك إن شاء الله.

* الإستنتاج:

من خلال مراجعة هذه الحوادث العظيمة المذكورة في القرآن الكريم التي – في الواقع- تبيّن حقيقة الثقة بالله وواقعيّتها؛ وهي: تلك القدرة العظيمة التي تكمن في قلب الإنسان، وتعبّر عن الإئتمان المطلق الذي يعهده العبد المؤمن بينه وبين ربّه تعالى، بحيث لا يخاف شيئاً ولا يرى سوى الله عز وجل. ويؤكّد تلك الثقة الباري عز وجل بعد إختبار عبده ويجازيه بقدرته المطلقة، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان.

 

بقلم صدر الدين سي


(1)- الصحاح، ج4، ص 1562

[2] – الحجرات : 15

[3] – ابن عربى ابو عبدالله محيى الدين محمد، تفسير ابن عربي، ج‏2، ص: 276

[4] – الإربلي علي بن عيسى‏،كشف الغمة في معرفة الأئمة، ج‏2، ص: 346

[5] – الأنبياء: 69

[6] – الصافات : 107

[7] – الصافات:111

[8] – طه: 39

[9] – القصص : 13

[10] – الشعراء: 63

[11] – الأحزاب: 10

[12] –   ابن عاشور محمد بن طاهر، التحرير و التنوير، ج‏21، ص204- 205

[13] – الأحزاب: 22

[14] – الأحزاب:12

[15] – الأحزاب: 23

[16] – الحسيني الحائري السيد كاظم ،تزكية النفس ، ج1، ص 311

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق