القرآن الكريمبحوث قرآنيةتفسير القرآن

بحث تفسيري عن ثلاث آيات من سورة الإسراء: [73-74-75]

بقلم: صدر الدين سي


– بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله عز وجل في محكم كتابه:  ( وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً {73} وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً {74} إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً{75} [1]

1-  كيف يناسب مقام النبي(ص) مع قوله تعالى: (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا

الصحيح هو أن هذه الآية الكريمة في مقام بيان عصمة النبي ص التي فصّله عن غيره ، فالآية تبين من جهة أن النبي ص بشر مثل جميع  الناس يحب ويكره، يفرح ويغضب، ويؤثّر ويتأثر من كل الجوانب الإنسانية والعاطفية ، ومن جهة أخرى أن النبي (ص) له ميزة تمتاز بها وهي مقام العصمة التي بها يرى حقائق الأشياء و وساوس الشيطان ويفرّق بين الحق والباطل، ويؤيّد ذلك ما تلاها من الآيات ، مثل قوله تعالى: (وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ …).

فالنبي ص يتمتّع بشخصيتين : الأولى: كونه إنسان كان في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة، ورجل يعيش في مجتمع ، (يأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) ، ويعيش كما يعيش الرجال .من كونه زوج في الأزواج ،و أب كالآباء، و جدّ بين أحفاده، وصهر وصديق، كما هو حال جميع الناس.

والثانية: شخصية أخرى نور ملكوتي خُلق قبل يُخلق الخلق وفُضًل من سائر المخلوقات، أنزل إلى هذه الدنيا الدنيّة لينقذ البشر من مكائد الشيطان،  وهو الحقيقة المحمديّة ، التي تتمتّع بالوحي والإتصال الدائم بالعالم الملكوتي، وجاء بما لم يتصوّره البشر من آيات بيّنات يهدي به الناس إلى صراط مستقيم.

فمثل هذه الشخصية يستحيل أن يُفتن من وساوس الشيطان فكيف لا من كيد الناس.

والعبارة دقيقة للغاية حيث أنه استعمل كلمة (كادوا) وهو بيان الشخصية الأولى للنبي (ص)، ولكن لم يكن ، لأجل كونه أنه يتحلى بشخصيته ثانية يحيله من أن يقع في مثل هذه المكيدة.

قال صاحب التمهيد: أنّ بعض السطحيين أرادوا الاستفادة من هذه الآيات لنفي العصمة عن الأنبياء، و قالوا أنّه طبقا للآيات أعلاه و أسباب النّزول المرتبطة بها إنّ الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد أبدى ليونة إزاء عبدة الأصنام، و أنّ اللّه عاتبه على ذلك. إلّا أنّ هذه الآيات صريحة في افهام مقصودها بحيث لا تحتاج إلى شواهد أخرى على بطلان هذا النوع من التفكير، لأنّ الآية الثّانية تقول و بصراحة: وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا .[2]

2-  التثبيت الإلهي في قوله تعالى: (ولولا أن ثبّتناك …):

حسب توارد الآيات في هذا المقام وفي مقامات كثيرة يتبين دائما أن هناك قوّة مكنونة وراء رسالة الأنبياء عليهم السلام يصطحبهم في كل مكان وحالة، مع العلم أن كل من يحمل ولاء الدعوة الإلهية، يواجه شتّى الموانع والحواجز في طريقه من مختلف الجهات، أهمّها هي كيد الشيطان الذي يصطاد به معظم الناس، والأخرى : محاولات الأعداء في صرفك عن مأموريّتك بطريقة أو أخرى.

فالأنبياء والأئمة عليهم السلام لهم نوعان من الحماية في مثل هذه المواقف الصعبة:

الأولى: هي حماية من قوّة بشريّة يتحلى بها الإنسان في مقاومته إزاء ما يمنعه من الإستمرار في مهمّته ، مثل: الصبر ، الثبات والمقاومة، والإخلاص وغيرها من الأدوات التي يستعملها الإنسان لحماية نفسه من الهفوات. وتتمتّع هذه الصفات كثير من الناس مع الإختلاف في التشكيك.

والثانية: هي مانعبّره بالعصمة وهي حماية إلهية اختص الله بها أنبياءه والأئمة (ع) ليأمّن به رسالته الجليلة كي لا تتلوّث من أيدي الأعداء.

فالنبي (ص) – وهو إمام الأنبياء والمرسلين- له هذه الحماية العظيمة من الله سبحانه إضافة إلى صفاته الجليلة، حيث أنه كان يتمتّع بالصبر بمنتهى كماله و الإخلاص بغاية وصفه.

والله سبحانه وتعالى بيّن ذلك العصمة الربّانية في آية ( ولولا أن ثبّتناك …) وفي آيات كثيرة ، وهو المراد من التثبيت الإلهي الذي يقي النبي (ص) من المزلقات.

قال معرفت: أمّا الآية الثّانية فهي ذات طبيعة معنوية، إذ هي تبيّن العصمة الإلهية و لطفه الخاص سبحانه و تعالى الذي يشمل به الأنبياء خصوصا نبي الإسلام (ص) حينما يمر بمنعطفات و مزالق دقيقة.

و النتيجة أنّ الرّسول (ص) بالطبع البشري قد وصل إلى حافة القبول ببعض وساوس الأعداء، إلّا أن التأييد الإلهي (العصمة) ثبته و حفظه و أنقذه من الانزلاق.

و هذا التعبير نفسه نقرأه في سورة يوسف حيث جاء البرهان الإلهي في أدق اللحظات و أخطرها، في مقابل الإغواء الخطير و غير الاعتيادي لامرأة العزيز، حيث قوله تعالى في الآية (24) من سورة يوسف: (وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى‏ بُرْهانَ رَبِّهِ، كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ). [3]

وهناك كثير من هذه النماذج  وردت في القرآن الكريم تشير  إلى هذا اللطف الإلهي والميزة العظيمة التي أخصها الله سبحانه وتعالى لأنبيائه الصالحين والأئمة الأطهار…

3- التهديد الوارد في الآية، والسبب في ذلك:

(إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً)[4]

         نلاحظ في الآية الكريمة نوعاً من التهديد من قِبل الله سبحانه وتعالى للنبي (ص) ، ومثل هذه التهديدات جاءت في القرآن عدة مرات و في مواقف متعددة فما هو المستفاد من ذلك؟

القرآن كتاب هداية، لأن هدفه الأساسي هو إخراج الناس من ظلمات الضلال إلى نور الهداية، واستعمل أدوات كثيرة للوصول إلى تلك الهدف الثمين، ولذا نرى أن للقرآن أبعاد كثيرة ، منها البُعد التاريخي لأخذ العبرة والإعتبار من الأمم السابقة، ومنها البعد العلمي ، ومن ذلك الإعجاز العلمي الذي

ارتكز فيه الأجيال المتأخرة، ومن أهمّها البُعد التربوي الذي حاز جُلّ القرآن الكريم، ومن هنا يتبيّن أن الله عزّ وجلّ أعطى تربية الإنسان إهتماماً كبيراً، ألا وهو المربّي الأول، الذي ربّى سيّدنا محمد (ص) حيث قال: (أدّبني ربّي فأحسن تأديبي).

ففي الآيات التي فيها نوع من التهديد يمكن الإستفادة منها جنبا تربويا وإن كان الخطاب غير مباشر-  ولا ضير في ذلك حيث قيل أن القرآن أنزل من باب (إياك أعني واسمعي ياجارة)- ولكل من هذه الآيات تفسيرا مناسباً يشير إلى هذا الجانب المهمّ.

ولا بأس في أن نذكر بأن هناك رأيا في تفسير مثل هذه الآيات وهو كما قلنا آنفاً، أن هذه الآيات وإن خوطب بها النبي | مباشرة ولكن ليس هو  المراد الأساسي – فهو من باب إياك أعني … –  والمخاطب هو الناس والمسلمون فيجب الإنتباه!.

فالغرض التربوي في هذه الآية الكريمة – وهو شامل لجميع الناس والمسلمين بالخصوص- أن الإنسان مهما وصل إلى درجة العبادة والكمال يجب عليه الإنتباه واليقظة من نوم الغفلة ، كي لا ينخدغ بأقوال الأعداء إذ يحاولون بكل وسيلة أن يسدوا سبيلك إلى الصراط المستقيم، ويقومون بتزيين المعاصي لك حتى يشبه طاعة الله سبحانه وتعالى وهو بعيد عن ذلك كل البعد.

فالآيات هنا أشبه من جرس الإنذار والتنبيه، والإشارة الحمراء للنبي (ص) أن يحذر من الأعداء وذلك باتخاذهم منهجا جديدا في مواجهة النبي| وهو محاولة خداعه كما سبق في سبب النزول مع إختلاف الروايات. ليسمح لهم النبي| فعل ما يريدون ويتساهل معهم وهو يقصد الخير في ذلك والأعداء عكسه.

وهذا أيضا في الواقع درس لكل مسلم ألّا يقع في مكيدة الأعداء وهو غافل عن الحقيقة وغارق في الشبهات، فيجب أن يكون ملتفتا إلى مثل هذه الخدع .

فالآية الكريمة وإن كانت لها لون التهديد ظاهرا ولكنها في الواقع جرس الإحذار يبيّن خطورة الوقوع في هذه المكائد حيث أن نتيجته بالنسبة للنبي | هو هدم أساس رسالته و سد سبيل دين الحق وبالتالي سوف يضمحل هدفه | الذي لأجل ذلك بُعث نبيا.

قال الله عز وجل : { يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}[5].

4- العدالة الإلهية في ضعف العذاب :

هناك بعض الشخصيات في القرآن الكريم وعدهم الله بضعف الحسنات بعضهم بحسب أعمالهم، كقوله تعالى: { مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ [6]}، وبعضهم بحسب مقامهم في العلم والمعرفة كما ورد في بعض الرّوايات: (إنّ الثواب على قدر العقل)[7] .

فكذلك أيضا في العذاب، من أسباب مضاعفة العذاب لهم درجة سوء أعمالهم، كما في الآية الكريمة: { … وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً{68} يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً}[8]، وبعضهم لأجل مقامهم كما في قوله تعالى: {يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرا}[9]

ومن ضمن هذه الشخصيات أيضا نفس النبي| وذلك لعلمه ومعرفته ومقامه الذي لم يناله البشر، – وإن كان فعل المعصية بعيد عنه |- ولكن عدالة الله سبحانه وتعالى تقتضي ذلك ويعمّ الجميع بلا استثناء . يقول الله عز وجلّ: { إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}[10]

قال كريمي: الإنسان العاقل السليم الباطن يهوى ان يحلّ المشكلات مهما استطاع بسلامة و كرامة و بطبيعة الحال رائده و دليله لبّه الذي يتبناه و قد يكون في عالم الواقع مخطئا في عقليته و لا غضاضة عليه فان المجتهد إذا أصاب الواقع اجر و إذا اخطأه فهو معذور لكن كيان النبوّة غير كيان الفرد من العقلاء فان كيان النبوة نسخة من الواقع نفسه و لذلك كان قول و فعل و تقرير الأنبياء حجة لعصمتهم و العاقل و مهما بلغ في عقله لا حجيّة في أقواله و أفعاله و تقريراته بحيث تكون مدركا للفرد و من هنا نعلم جهة قوله تعالى (النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) لأنّ المؤمن لا يدرك حتى من واقع نفسه ما يدركه النبي منه.[11]

وفي الختام نستنتج النقاط التالية:

1-  أن في الآية الأولى: { وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} إشارة إلى الشخصية التي تتصف بها النبي(ص) بها-كما بيّناه سابقاً- وهي الحيثية البشرية، أي أنه بشر ويتعامل الواقعيات كجميع البشر.

2- وفي الآية الثانية: { وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً} إشارة أخرى للشخصية الأخرى التي تتمتّع بها النبي(ص) والتي هي ميزة في الواقع، أي العصمة التي تمنع النبي(ص) من الوقوع في المعاصي والأخطاء ومن كل حاجز يمنعه بإيصال رسالته المباركة.

3- وفي الآية الثالثة والأخيرة: { إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} والتي سميناها بـ(جرس الإنذار) لخطورة القضية، ولها أيضاً أغراض تربوية- كما بيّناه، وهي تجسّم أيضا العدالة الإلهية التي تنطبق على الجميع بلا استثناء.

وفي الأخير نسأل الله تعالى حسن العاقبة، وصلى الله على محمد وآله الأطهار.


[1] –  سورة الإسراء / 73-75    

[2] – الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج‏9، ص: 76

[3] – الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج‏9، ص: 6 و 7

[4] – الإسراء / 75

[5] – التوبة /32

[6] –  الحديد/ 11

[7] – أصول الكافي، ج 1، كتاب العقل و الجهل، ص 9، حديث 8

[8] – الفرقان / 68- 69

[9] – الأحزاب/ 30

[10] – النساء/ 40

[11] –  التفسير لكتاب الله المنير،  محمد كريمي ،ج‏5، ص: 221

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق