تربية وثقافةمعلومات عامة

الوهّابيّة

إعداد: صدر الدين سي


-المقدمة: 

من المؤسف جداً ما نراه اليوم عن أوضاع الإسلام والمسلمين، وكيف تشعّب الإسلام إلى عقائد وآراء متناقضة مع كون الأساس والمنبع واحد، وكيف تفرّقت الأمّة الإسلاميّة إلى فرق وطرق ومذاهب و…، بشكل يتحيَر المسلم من معرفة حقيقة الإسلام، حيث أنّ كل حزب يدّعي الصحة والحقّانية، وأنّه على النهج الصحيح والصائب (كلّ حزبٍ بما لديهم فرحون)، كأن لم يقل الله عزّ وجلّ: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا)، وقد بدأ ذلك بعد رحيل نبينا محمد (ص). شرع المسلمون يتشتّتون إلى جماعات إلى طوائف إلى فرق وإلى مذاهب، وبدأوا يكفّر بعضهم البعض وصاروا مصداق الحديث النبوي الشريف: (تفرّقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، أو اثنتين وسبعين فرقة والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة)، لقد صدق الرسول فيما قال والحال نحن نعيش كذلك.

المبحث الأول:  بذرة الوهابية ومراحلها

 

1- السلفية في القرن الثاني:

أسباب ودواعي ظهور الفرق الباطلة في الإسلام، أهمّها:

*منع تدوين الحديث:

كانت لمنع الحديث آثار منفية متعقّبة بها بعد فترة من الزمن، ومن أهمّ تلك الآثار:

1- تسرّب عقائد اليهود والنصارى إلى أوساط المسلمين، ولا سيما أهل الحديث منهم.

2- ظهور الفرق الباطلة من المجسمة والمشبهة ودعاة القول بالجهة لله سبحانه، وجلوسه على العرش ناظرا إلى ما دونه مما يتحاشى عنه أهل التنزيه.

ومن ضمن هذه العقائد الباطلة هو كون كلامه سبحانه قديما غير مخلوق، وكان أمرا مسلّما عند أهل الحديث إعتمادا على بعض الروايات الواردة، وقد واجهوا أنواع المحن والعذاب على قولهم بقدم القرآن من المأمون، وممن أظهر الصمود والثبات في هذه العقيدة الإمام أحمد بن حنبل إمام الحنابلة، وكان ذلك سببا لشهرته في العقائد، وكسبه المقام عند الناس، إلى أن ظهر الإمام الأشعري تائبا عن الإعتزال، معلنا إلتحاقه في العقائد بالإمام أحمد، وقد أوجد تغييرات كثيرة في مسائلهم العقائدية حيث أنّه كان من أهل الفكر والتعقّل، وحذى حذوة وافرة في هذا المجال.

2- تجديد الدعوة السلفية في القرن الثامن:

ومن ضمن الملازمين في مذهب الحنابلة في هذا القرن أحمد بن تيمية الحراني الدمشقي (المتوفي عام 728 ه)، وكان مهتمّا بإلتزامه المنهج السلفية الذي كان رائجا في عصر الإمام أحمد وقبله وبعده إلى ظهور الأشعري.

لقد أوجد تغييرات كثيرة في هذا المذهب، منها:

1- هجوم التأويلات التي ذكرها بعض الأشاعرة في كتبهم حول تلك الأحاديث.

2- عدّ السفر لزيارة الرسول الأعظم (ص) بدعة وشركا، كما عدّ التبرّك بآثارهم والتوسل بهم شيئا يضادّ التوحيد في العبادة.

3- انكار كثير من الفضائل الواردة في آل البيت، المروية في الصحاح والمسانيد حتى في مسند إمامه أحمد.

وبذلك جدّد الفكر السلفية الخاصة المتبلورة في الفكر العثمانية التي تعتمد على التنقيص من شأن علي وإشاعة بغضه وعناده.

3- الوهابية في القرن الثاني عشر:

محمّد بن عبد الوهاّب:

تنسب الطريقة الوهابية إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي، وباسم أبيه (عبد الوهاب) سُمّي طريقته.

أمّا السبب في عدم تسميتها ب (المحمّدية) نسبة إلى مؤسّسها: محمّد فهو –كما يقول البعض- للحذر من وقوع التشابه بينها وبين المسلمين أتباع رسول الله (ص)، والحيلولة دون استغلاله.

وُلد الشيخ محمد عام 1115ه في قريته (عُيَينَة) إحدى القرى التابعة ل(نجد) وكان ولده قاضيا فيها.

كان محمد بن عبد الوهاب -منذ طفولته- ذا علاقة شديدة بمطالعة كتب التفسير والحديث والعقائد، وقد درس الفقه الحنبلي عند أبيه الذي كان من علماء الحنابلةز وكان – من شبابه- يستقبح كثيرا من الشعائر الدينية التي كان يمارسها أهالي نجد، ولم يقتصر ذلك على  نجد بل تعدّاه إلى المدينة المنوّرة بعد ما انصرف من مناسك الحجّ، فقد كان يستنكر على الذين يتوسّلون برسول الله (ص)  عند مرقده المقدّسة.

ثم عاد إلى نجد وبعدها ارتحل إلى البصرة – وهو في طريقه إلى الشام – وهناك في البصرة طفق ويستنكر على الناس شعائرهم الدينية وينهاهم عنها، فثار عليه أبناء البصرة الغيارى وأخرجوه مدحورا من ديارهم، فتوجّه إلى مدينة الزبير، وفي الطريق – بين البصرة والزبير- تعب من المشرد ونال منه الحرّ والعطش نيلا شديدا بحيث كاد أن يهلك – وليته هلك- فأدركه رجل من الزبير فعطف عليه عندما رآه مرتديا زيّ رجال الدين، وسقاه الماء وأركبه وأوصله إلى المدينة .

كان محمد بن عبد الوهاب عازما على السفر إلى الشام، لكنه لم يكن يملك ما يكفيه من المال والزاد فسافر إلى الإحساء ومنها إلى حريملة التابعة ل (نجد).

في تلك السنة – وكانت سنة 1139ه، انتقل والده عبد الوهاب من عيينة إلى حريملة فلازم الولد والده وتتلمّذ على يده، وواصل حملاته المسعورة ضد الشعائر الدينية في نجد، ممّا أدّى إلى نشوب النزاع والخلاف بينه و بين أبيه من جهة وبينه وبين أهالي نجد من جهة أخرى، واستمرّت الحالة على هذه حتى عام 1153 ه حيث توفّي والده.

عند ذلك خلا الجوّ لمحمد بن عبد الوهاب، فراح يعلن عن عقائده الشاذة، ويستنكر على الناس ما يمارسونه من الشعائر الدينية، ويدعوهم إلى الإنخراط في حزبه وتحت لوائه، فانخدع بعض و رفض آخرون، واشتهر أمره في المدينة.

عندها قفل راجعا إلى عيينة ، وكان يحكم عليها عثمان بن حمد، فاستقبله و أكرمه، ووقع القرار بينهما على أن يدافع كل عن صاحبه، باعتبار أنّ لأحدهما السلطة التشريعية و للآخر السلطة التنفيذية، فحاكم عيينة يمدّه بالقوّة، ومحمد بن عبد الوهاب يدعو الناس إلى طاعة الحاكم وأتباعه.

ووصل الخبر إلى حاكم الإحساء رسالة تحذيرية إلى حاكم عيينة، فاستدعى الحاكم محمد بن عبد الوهاب واعتذر من تأييده، فقال له ابن عبد الوهاب: لو ساعدتي في هذه الدعوة لملكت النجد كلها، فرفضه الحاكم وأمره بمغادرة عيينة مذموما مدحورا.

كان ذلك في عام 1160ه عندما خرج ابن عبد الوهاب من عيينة وتوجّه إلى (الدرعية) التي كانت من أشهر المدن التابعة ل (نجد) وكان حاكمها يومذاك (محمد بن سعود) الجدّ الأعلى لآل سعود، فزاره الحاكم وأكرمه ووعده بالخير.

وبالمقابل بشّره ابن عبد الوهّاب بالهيمنة على بلاد نجد كلها، وهكذا وقع القرار المشؤوم.

وأخيراً… مات محمّد بن عبد الوهاب عام 1206ه، ولكن أتباعه واصلوا طريقه وأحيوا بدعه وضلاله.

 

المبحث الثاني: نماذج عن عقائدهم

1- عقيدتهم في صفات الله (التجسيم التحييز)

يعلن الوهابية أن حركتهم قامت أصلا لإثبات التوحيد لله عزّ وجلّ ومقاومة الشرك والكفر وتخصيص الألوهية والمعبودية، ولكنهم ينظرون إلى الله تعالى نظرة تتعارض جذريا مع إعلانهم هذا، فيجسّمون الله ويحيّزونه وينسبون إليه التحرّك من مكان إلى مكان، ويثبتون له تغيّر الأحوال النفسية، كما يؤمنون بأنه يمكن للناس رؤيته بالعين يوم القيامة، وكل هذا يتعارض مع تنزيهه ووجوده في كل مكان ونفي شبهه بمخلوقاته.

لقد أثبتوا له تعالى الإستواء والجهة والجسمية والمجيئ والرحمة والغضب بمعانيها الحقيقية لا المجازية، وأوضح ذلك الشيخ محمد بن عبد اللطيف، الحفيد الثالث لإبن عبد الوهاب في الرسالة الخامسة الواردة في كتابه (الهدية السنية) بقوله: (… ونؤمن بأسماء الله تعالى وصفاته ونثبت ذلك على ما يليق بجلاله تنزيها بلا تعطيل، ونعتقد أن الله سبحانه وتعالى مستو على عرشه عال على خلقه، وعرشه فوق السماوات وهو بائن عن مخلوقاته ولا يخلو مكان من علمه … فنؤمن باللفظ ونثبت حقيقة الإستواء ولا نكيّف ولا نمثل لأنه لا يعلم كيف هو إلا هو… وكذلك إعتقادنا في جميع أسماء الرب وصفاته من الإيمان باللفظ واثبات الحقيقة، ونفي علم الكيفية .

وهكذا فهم يؤمنون بحقيقة اللفظ أي بمعناه الحقيقي ويقرّون بجهل الكيف، ومن هنا وبسبب تمسّكهم بظاهر اللفظ فهم مجسّمة بشكل ما وإن نفوا هذه الصفة عنهم، لأن الألفاظ المشار إليها لا تخلو من التشبيه بالحركات والصفات الإنسانية إلا إذا أخذت معانيها المجازية، أما إذا أخذت معانيها اللفظية فهي تحتمل بالضرورة شبها بالحركات الإنسانية، اللهم إذا أمكن تصوّر أن تتّخذ معاني غير المعاني المعروفة لغويا، فيكون خطاب الباري عزّ و جلّ غير مفهوم، وهذا ما يتناقض مع التأكيد الإلهي القائل: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون).

2- عقيدتهم في الشفاعة

يرى الوهابيون أنه لا يجوز طلب الشفاعة من النبي (ص) ولا من غيره (فلا يقال: يا رسول الله، أو يا ولي الله أسألك الشفاعة أو غيرها كأدركني أو أغثني أو اشفعني أو انصرني على عدوّي، و نحو ذلك ممّا لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وكذلك لا يقال: يا الله أتوسّل إليك بنبيّك محمد أن ترحمني لأنّه بذلك يكون قد سلك مسلك المشركين واعتقد ما اعتقدوا.

وطلب الشفاعة هذا إذا حصل بعد وفاة الرسول (ص) يكون شركا لأنّه لا نصّ عليه ولا أثر من السلف الصالح في النص على تحريمه. (فإذا طلبت ذلك ممّا ذكر في أيام البرزخ (من الوفاة إلى البعث) كان من أقسام الشرك إذ لم بذلك نصّ من كتاب الله أو سنة ولا أثر من السلف الصالح على ذلك، بل ورد الكتاب والسنة وإجماع السلف أن ذلك شرك أكبر قاتل عليه رسول الله (ص).

وأما في موقف يوم القيامة من حيث لا يستطيع الوهابيون انكارها، للرسول ولسائر الأنبياء، وكذلك الملائكة والأولياء والأطفال، ولكنهم يرون أنها لا تطلب منهم بل من الله، كأن تقول: (اللهم شفّع نبينا محمد (ص) فينا يوم القيامة، أو اللهم شفّع فينا عبادك الصالحين أو ملائكتك أو نحو ذلك).

ويستند الوهابيون في موقفهم هذا إلى بعض الآيات القرآنية كالآية الشريفة: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه)البقرة /255، وقوله تعالى: ( أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء) الكهف / 102، وقوله عزّ وجلّ: ( ولا يشفعون إلاّ من ارتضى و هم من خشية مشفقون) الأنبياء 28

وفي الحقيقة لو راجعنا هذه الآيات لوجدناها تقرّ الشفاعة من حيث المبدأ، وهذه مسألة تعترف بها الوهابية، ولكنها لا تشترط ما يدعونه (تحريم طلب التشفيع إلا من الله تعالى، ومِن ربط ذلك الطلب بيوم القيامة.

فلجهة تحريم طلب التشفيع من غير الله واعتبار ذلك من الشرك ومن باب اتخاذ الأولياء من دون الله، فهو بمثابة سحب الموقف الإلهي من الوثنيين والمشركين يعبر استشفاعهم عن الشرك لأنّهم يؤمنون بقدرة ومنزلة أوثان أو مخلوقات لا تملك القدرة ولم يمنحها الله تعالى تلك المنزلة.

3- عقيدتهم في زيارة قبر الرسول (ص) وقبور الصالحين

مع وجود كل هذه الروايات والبراهين الواضحة التي تحصّ المسلمين بزيارة القبور وبالخصوص زيارة قبر أفضل الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد (ص)، منها:

1- عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله (ص) قال: (من زار قبري وجبت له شفاعتي).

2- قوله (ص): من جاءني زائرا (لاتحمله) إلا زيارتي، كان حقّا عليّ أن أكون شفيعا له في الجنة.

3- وقوله (ص): (من حجّ البيت ولم يزرني فقد جفاني).

وكثير من الروايات على غرار ذلك، نرى أن الفرقة الوهابية يذهبون بتحريم السفر بهدف زيارة القبور، مستمسكين برواية عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله (ص): لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا و مسجد الحرام و المسجد الأقصى.

مع اختلاف رواياته بصياغات مختلفة…

يقول محمد بن عبد الوهاب- في الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية-:

(تُسنّ زيارة النبي –ص- إلاّ أنّه لا يشدّ الرحال إلاّ لزيارة المسجد والصلاة فيه).

فالحديث كما نراه،- بغض النظر عن سنده- شامل بأوجه كثيرة غير ما ذهبوا به، وقابل للنقاش أيضا… إذ من الثابت أنّ (إلاّ) – في الحديث- أداة استثناء ولا بدّ من وجود المستثنى منه، ويجب تحديده، وبما أنه مفقود في النص فلا بدّ من تقديره في الكلام، ويمكن تقدير المستثنى منه في صورتين:

1- لا تشدّ إلى مسجد من المساجد إلاّ ثلاثة مساجد…

2- لا تشدّ إلى مكان من الأمكنة إلاّ إلى ثلاثة مساجد …

وهلمّ جرا… من القرائن والدلائل التي تشير إلى غير معنى الذي أرادوه، ولسنا في صدده…

وأما في قضية إقامة الصلاة والدعاء عند قبور الأولياء، فيقول مؤسّس الوهابية في رسالة (زيارة القبور):

(لم يذكر أحد من أئمة السلف أن الصلاة عند القبور وفي مشاهدها مستحبة، ولا أن الصلاة والدعاء هناك أفضل ، با اتفقوا كلهم على أن الصلاة في المساجد والبيوت أفضل منها عند قبور الأولياء و الصالحين).

وقد تجاوزت هذه المسألة – على مرّ الزمان – مرحلة المنع إلى مرحلة الشرك، حتى أنّهم اليوم يعتبرون ذلك شركا وكلّ من يفعل ذلك مشركا!!

واستدلوأ بهذا الحديث: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).

نعم لا شكّ في أن الصلاة لصاحب القبر وعبادته، أو جعله قبلة في الصلاة يعتبر شركا، ولكن ليس على وجه الأرض مسلم يفعل ذلك عند قبور الأنبياء والأولياء، فليس هناك من يعبد صاحب القبر أو يتوجّه إليه في الصلاة، لهذا فإن فكرة الشرك هذه ليست سوى وهما وخيالا يتخبّط فيه الوهابيون.

وفي قوله عدم وجود فضيلة خاصة لمشاهد الاولياء، فهو مخالف للقرآن والسنة…

1- نرى القرآن الكريم يأمر حجّاج بيت الله الحرام بأن يقيموا الصلاة عند مقام إبراهيم، بقوله: ( واتخّذوا من مقام إبراهيم مصلّى) سورة البقرة 125

2- إذا كانت الصلاة عند القبر محرمّة في الشريعة الإسلامية، فلماذا قضت عائشة عمرها وحياتها بالصلاة في البيت الخاص بها عند قبر رسول الله (ص) كم هم منقول؟؟!!.

3- لو لم تكن لقبر رسول الله (ص) القدسية والشرف فلماذا أصرّ أبوبكر ومن بعده عمر على أن يُدفنا بجوار قبره الشريف؟!.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق