غير مصنّفة

المنهج التربوي في فكر الامام علي بن الحسين (عليه السلام )

التربية الدينية

المنهج التربوي في فكر الامام علي بن الحسين (عليه السلام )

لابد من وجود منهج تربوي سليم تسير عليه الامة لان في ذلك صلاح للامة من كل مظاهر الانحراف ، وقد شعرت الأمم من خلال كبار فلاسفتها انه لابد من وجود الدين حتى تستقيم حياة الناس والا فحياتهم عشوائية مضطربة بدون الدين ، اذا الدين هو الضابط الرئيسي لتلك الحياة وهو المنظم بلا شك لأمور الافراد ، وقد اشتملت الديانات السماوية على التعاليم الصحيحة ومنها ديننا الإسلامي الحنيف وقد التمسنا ذلك من خلال اهل البيت وهم ترجمان القرآن ، والمتتبع لأقوالهم الشريفة يجد أنّهم رسموا المنهج الصحيح فيما يخص التربية الإسلامية ، لأنّ التربية العشوائية أو العفوية من شأنها أن تبدد الطاقات وتخلق الاضطرابات في المجال النفسي لأنها غير صادرة من السماء إنما هي من اجتهادات بعض الافراد، من هنا كانت الحاجة ملحة الى أتباع النهج التربوي المستنبط من فكر اهل البيت عليهم السلام عامة وفكر الامام السجاد عليه السلام خاصة ، اذ وجدنا ان أمامنا المعصوم رسم لنا المسار الصحيح للتربية وحدد معالمها ووجه الجهود والنشاطات من خلال الإرث الأخلاقي الذي خلّفه كي يقرر المفاهيم الصالحة والسامية في الواقع الإنساني

قال تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾([1]) ، وورد عن ابن عباس رضي الله عنه قوله: “لم يمت رسول الله (ص)حتى ترككم على طريق ناهجة.

المنهج :عبارة عن خطة منظمة لعدة عمليات ذهنية او حسية بغية الوصول الى كشف حقيقة او التحقق من افتراضات معينة ([2])وهو نظام الحقائق والمعايير ولقيم الالهية الثابتة والمعارف والخبرات والمهارات الإنسانية المتغيرة ينبع من التصور الإسلامي للكون والانسان والحياة ويهدف الى تربية الانسان وايصاله الى درجة كماله التي تمكن من القيام بواجبات الخلافة في الأرض عن طريق اعمارها وترقية الحياة على ظهرها وفق منهج الله )(9.

رؤية اهل البيت عليهم السلام للتربية الناجحة  تتلخص في بعض العوامل:

عامل الوراثة :

لعله من الحقائق العلمية ان الأبناء يرثون من الوالدين كثيرا من صفاتهم وخصائصهم الجسمية والعقلية والنفسية ، وقد دلت الروايات الواردة عن الرسول الاكرم (ص) وعن اهل البيت عليهم السلام على ذلك ومنها قوله : تخيروا لنطفكم فان العرق دسّاس) (10)

نجد ذلك في قول الامام الصادق عليه السلام  : ( ان الله تبارك وتعالى اذا أراد ان يخلق خلقا جمع كل صورة بينه وبين ابيه الى ادم ، ثم خلقه على صورة احدهم ، فلا يقولنّ احد هذا لايشبهني ولا يشبه شيئا من ابائي ) ([5])

ومن اللافت للنظر ان العلم الحديث يتفق مع اراء اهل البيت في هذا الموضوع فقد أظهرت دراسات علمية ان ( وراثة المولود لايحددها ابواه المباشران فقط ، انما هو يرث من جدوده واباء جدوده وهكذا )([6]) ومن البديهي ان معظم وراثة الانسان تنحدر اليه من ابائه الاقربين وان اثر الجدود الاباعد يقل كلما زاد بعدهم وعلى هذا نستطيع القول : ( ان نصف الوراثة من الابوين ، وربعها من الجدود وثمنها من اباء الجدود وهكذا )([7]).

الصفات التي تنتقل بالوراثة يمكن ان تنقسم الى نفسية وعقلية وخلقية وهي اما ان تنتقل بصورة مباشرة او يحصل الاستعداد الفطري للاتصاف بها.

ومن الروايات الصادرة عن اهل البيت عليهم السلام في هذا المجال تحذير الامام علي عليه السلام من  تزويج  المرأة الحمقاء  بسبب انتقال هذه الصفة  الى ذريتها في قوله : ( اياكم وتزويج الحمقاء ، فان صحبتها بلاء ، وولدها ضياع ) (8])

مقولة الامام هذه تتفق مع الدراسات الحديثة التي ترى ان الوراثة تؤثر في النمو العقلي  والصحة العقلية أي ان الوراثة تؤثر في المواقف (9])ومن تلك الخصال التي تتأثر بالوراثة خصلة الشجاعة (10]).

لدينا امثلة وشواهد اخذناها من روايات اهل البيت تتحدث عن منزلة الصفات الخلقية التي تتاثر بالوراثة ومنها تحذير الامام الصادق  عليه السلام في قوله : ( من زوج كريمته من شارب خمر فقد قطع رحمها )([11])

عامل المحيط التربوي

ويشمل هذا العامل جميع مواقع التاثير المتعلقة بالواقع الاجتماعي الذي يعيشه الفرد ومنها الاسرة والأصدقاء والمجالس والمساجد والعلماء وسياسة الدولة وغيرها .

اما ما يتعلق بالأسرة فهي المحيط التربوي الأساسي المسؤول عن تربية الأبناء تربية صالحة حتى يصبحوا عناصر فعالة في تطور الإنسانية وخدمة المجتمع ونتيجة هذه الأهمية ابدى اهل البيت توجيهاتهم بهذا الخصوص ومنها مقولة الامام زين العابدين عليه السلام : (  وأما حق ولدك فتعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره وأنك مسؤول عما وليته من حسن الأدب والدلالة على ربه والمعونة له على طاعته فيك وفي نفسه، فمثاب على ذلك ومعاقب فاعمل في أمره عمل المتزين بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا المعذر إلى ربه فيما بينك وبينه بحسن القيام عليه والأخذ له منه ولا قوة إلا بالله )([12])

ان دور الاسرة لا يحدد سلوك افرادها فحسب انما يحدد جميع مقومات الشخصية الفكرية والعاطفية والنفسية اذ ينعكس التعامل مع الأبناء على اتزانهم النفسي والانفعالي ، ومن هنا يختلف الوضع النفسي من فرد الى اخر في اسرة واحدة او في اسر متعددة تبعا لنوع المعاملة والرعاية والاهتمام .

أسس المنهج التربوي عند الامام السجاد عليه السلام  :

اهل البيت عليهم السلام عنوان مضيء في حياة الإنسانية وعنوان شامخ في تاريخ الإنسانية لا يستطيع أي باحث منصف ان يتجاوزهم كونهم اعلام الهدى وقدوة للمتقين عرفوا بالعلم والتقوى والحكمة والاخلاص لله ولرسوله وهم رواد حركة الإصلاح من خلال الطريق الذي رسموه للناس بأقوالهم وافعالهم التي صارت منهجا تربويا سليما  يقول الامام الصادق عليه السلام :(والله ما نقول بأهوائنا ، ولا نقول براينا ، ولا نقول الا ما قال ربّنا )([13]).

هذا الحديث يدل على عصمة اهل البيت عليهم السلام وانهم يقولون بالقران فلا افتراق بينهم وبينه وما يصدر عنهم يصدر رسول الله صلى الله عليه وسلم وان منهجهم التربوي ماهو الا منهج رباني وضعه القادر المدبر وهو العالم بكل شيء ، فالاستجابة لهذا المنهج يرافقها الاطمئنان لأنه المنهج الأمثل في التربية خلافا للمناهج الوضعية الصادرة من البشر التي يصيبها الضعف وعدم الإحاطة التامة بأمور الحياة  .

والحديث عن منهج الامام التربوي يتوزع بين العقيدة والأخلاق والعبادات والدعاء والحقوق فكل هذه المسائل المهمة كان للإمام سهم فيها من خلال مواعظه ونصائحه التي نقلتها لنا كتب الرواية .

ومن الشواهد على سلوكه التربوي الخاص بالعقيدة دعاؤه واستعاذته من سيء الاخلاق ومذام الأفعال ومكاره الأمور في قوله : (أَللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ هَيَجَـانِ الْحِرْصِ ، وَسَوْرَةِ الغَضَبِ وَغَلَبَةِ الْحَسَدِ وضَعْفِ الصَّبْر وَقِلَّةِ الْقَنَاعَةِ وَشَكَاسَةِ الْخُلُقِ ، وَإلْحَاحِ الشَّهْوَةِ ، وَمَلَكَةِ الْحَمِيَّةِ ، وَمُتَابَعَةِ الْهَوَى ، وَمُخَالَفَةِ الْهُدَى ، وَسِنَةِ الْغَفْلَةِ ، وَتَعَاطِي الْكُلْفَةِ ، وَإيْثَارِ الْبَاطِلِ عَلَى الْحَقِّ وَالإصْرَارِ عَلَى الْمَأثَمِ، وَاسْتِصْغَـارِ الْمَعْصِيَـةِ ، وَاسْتِكْثَارِ الطَّاعَةِ …)(14])

هذا الدعاء يكشف لنا عن أهمية الاخلاق الرفيعة بالنسبة للإنسان وانها تحتل الصدارة في أولويات اهل البيت ، لان الأمم لاتتطور الا اذا تطورت اخلاقها والا فالامم محكوم عليها بالتخلف والنكوص الى الوراء .

اما عن أسلوبه التربوي في العبادات فقد نهج منهجا يتمثل في تبنيه لمبدا حرية العبادة وهو مبدا نصت عليه اغلب الدساتير العالمية حتى شكلت حرية العبادة اليوم احد وجوه الحرية الدينية وحرية الضمير ، فلا يمكن فرض الدين على الناس وفي القران الكريم إشارات واضحة الى هذه المسالة كما في قوله تعالى : (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ  (15])ومن هنا دأبت الأمم على تشريع قانون حوق الانسان الذي يسعى الى كبح جماح الغطرسة والتسلط ومنع هيمنة القوي على الضعيف ، فكانت التشريعات الدرع الواقي الذي يحمي الافراد من الانتهاكات الخطيرة بحق البشرية ومما ورد عن الامام عليه السلام في هذا الشأن قوله :”اللهم صل على محمد وآله وبلغ بإيماني أكمل الإيمان واجعل يقيني أفضل اليقين وانته بنيتي إلى أحسن النيات وبعملي إلى أحسن الأعمال.. يا أرحم الراحمين “.([16])

ومن الصفات  المهمة  التي يجب ان يتحلى بها  عباد الله الصالحين التي يذكرها  الامام عليه السلام من دعاء مكارم الأخلاق ومرضي الأفعال، فهي أنهم يسعون إلى الحصول على (اليقين) بأفضل مراتبه، ومعنى هذه الصفة هو أنهم يتحلون باستقرار العقائد الحقة في القلب بحيث لا تؤثر عليها الشكوك والشبهات.

فضلا عن هذا أشار الامام السجاد الى المنهج التربوي السليم من خلال توظيف أسلوب الدعاء وهو أسلوب درج عليه الامام ونبه من خلاله الامة الى أهمية ان لا تنقطع صلة العبد بربه من خلال اتخاذ الدعاء وسيلة مهمة فجاء دعاء الامام بالتحميد لله عز وجل الذي تجلت عظمته واقتدر على الأشياء بالقدرة فلا الابصار تثبت لرؤيته ولا الأوهام تبلغ كنه عظمته .

ومن المواضيع التربوية المهمة التي نبه اليها الامام السجاد عليه السلام حديثه عن الحقوق مبتدا بحق الله عز وجل مرورا بحق الوالدين وحق الابن وحق الصاحب وحق المال وما الى ذلك وكما ورد في قوله :فأَمَّا حَقُّ اللهِ الأَكْبَرُ فَإنَّكَ تَعْبُدُهُ لا تُشْرِكُ بهِ شَيْئاً، فَإذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ بإخلاصٍ جَعَلَ لَكَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَكفِيَكَ أَمْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَحْفَظَ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْهَما.) ([17])

اما عن حقوق الرحم  فقد انطلق الامام السجاد من مبدا  غياب ثقافة حقوق الإنسان يؤدي إلى شيوع التعصب والتشدد والتطرف، في حين أن معرفة حقوق الذات ، فضلاً عن حقوق الآخر يؤدي إلى سيادة القانون، و نمو ثقافة الاحترام والتكريم للإنسان، تطبيقاً لقوله تعالى،  ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾  ([18]) ، فالآية الشريفة تشير إلى تكريم الإنسان بغض النظر عن دينه أو مذهبه أو قوميته أو لونه أو عرقه  .

وأخيرا نقول ففي هذه الكرة الأرضية التي أضحت كقرية صغيرة تتشابك فيها حياة الشعوب، وجب على الإنسانية مكافحة صنوف العناء والاضطهاد وفقدان الحريات، بتطبيق حقوق الإنسان، التي حرصت كل أمة، بل وكل دولة أن توجه أنامل الفخر إليها في هذا المضمار،  اذا يحق لاتباع مذهب اهل البيت ان يفتخروا بامتلاكهم لهذا الإرث العظيم المتمثل برسالة الحقوق للامام السجاد عليه السلام كونها سبقت الدساتير الاوربية بمئات السنين بالدعوة الى احترام الانسان لاخيه الانسان

ان منهج اهل البيت عليهم السلام امتاز بانه منهج شمولي في التربية والتعليم فهو يراعي الانسان في جميع مراحل حياته فضلا عن مقوماته كونه مخلوق مزدوج الطبيعة المتكونة من روح وعقل وغرائز ، وقد استطاع الامام السجاد عليه السلام بمنهجه التربوي ان يواكب حركة الانسان في جميع مراحله ، حتى انه وضع لكل مرحلة تعاليم خاصة بها .

المنهج التربوي الذي اختطه الامام السجاد عليه السلام امتاز بانه منهج تربوي واقعي يتماشى مع واقع البشرية وانه من الممكن تطبيقه عند توفر الظروف المناسبة له فهو يراعي كل جوانب الانسان من خلال دعوته الى اشباع حاجات الانسان بتوازن تام حتى لا تطغى حاجة على أخرى وقد وضع لكل جانب مقوماته وحدوده الواقعية فلا تقيد مطبق ولا اطلاق للعنان دون تناه .

ان الامام السجاد عليه السلام كان يراعي مسالة التوازن في منهجه التربوي فيضع  لكل  شيء حدوده وقيوده، فلا يطغى  جانب على جانب اخر ، فهو يراعي حاجات الانسان الروحية والجسدية .

 

 

[1] – سورة المائدة : اية 48

[2] – تطور مفهوم المنهج ، الدكتور وجيه المرسي :2

[3] – نظريات المناهج التربوية : 188

4] – المحجة البيضاء : 3/93

[5] – علل الشرائع :103

[6] – علم النفس التربوي : 39

[7] – المصدر نفسه

[8] – أصول الكافي :5/354 ، وسائل الشيعة : 20/85.

[9] – ينظر علم النفس التربوي :62

[10] – ينظر تفاصيل القصة كاملة في كتاب مقتل الحسين عليه السلام : 209 ، وكتاب اسرار الشهادة : 387.

[11] – أصول الكافي : 5/347.

[12] – تحف العقول :189

13] – بحار الانوار : 2/173.

[14] – رياض السالكين للسيد علي خان الشيرازي : 67 ، والصحيفة السجادية ، الإمام زين العابدين .

[15] – سورة البقرة :اية 256

[16] – الصحيفة السجادية ، الإمام زين العابدين

[17]  – شرح رسالة الحقوق

[18] – سورة الاسراء : اية 70

 

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق