القرآن الكريمبحوث قرآنية

المعاد في القرآن الكريم

الدلائل الحقيقية التي قدّمها القرآن الكريم لإثبات المعاد

بقلم: صدر الدین سي


– لقد استخدم القرآن الكريم أساليب كثيرة لإثبات حقّانية المعاد، وذلك لأنّ الله يعرف أنّ الإنسان لكفورٌ مبين،{وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً}[1]، إضافةً إلى ذلك أنّ المجرم لا يريد إعتراف وجود يوم المعاد لأنه يعني يوم الجزاء، والعامل السوء لا يتمنى أن يحصل جزاءه، لذا تراه دائماً يحاول إقناع نفسه بأدلّة تافهة عدم وجود يوم المعاد. وكذلك الإنسان بشكل عام يخاف من كل شيء يجهله. سنذكر هنا باختصار بعض الأساليب التي استعملها القرآن الكريم لإثبات وجود المعاد :

1- تجسيد المعاد في الدنيا التي نعيش فيها، والقضايا التي نراها بأمّ أعيننا كل يوم؛ منها:

أ- النوم: هو من الأمور الطبيعية والحوائج الضرورية لجسم الإنسان لا محالة له من ذلك، قال تعالى:{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}[2]، أي: >يقبض أرواحكم عن التّصرف بالنّوم كما يقبضها بالموت. (وَ يَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ): ما كسبتم من الأعمال (بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ): ينّبهكم من نومكم في النّهار (لِيُقْضى‏ أَجَلٌ مُسَمًّى): لتستوفوا آجالكم<[3]. ومثل هذه الآية في سورة الزمر[4].

ب- الموت: يودّ الإنسان لو نسيه ولا يقدِر، ويتمنّى لو تجاهله ولا يستطيع، لكونه حقيقة حياتية؛ أنّ كل حيّ سوف يموت، وكل أجل آتٍ، والقرآن يُذكِّرنا هذه الواقعيّة المؤلمة في آيته المشهورة: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }[5].

ج- الرجعة: وهي رجوع الروح في البدن الأصلي السابق للإنسان وخروجه من القبر وبنفس الهوية والشخصية كما هو الحال في المعاد الجسماني [6]، وكفى بذلك مثلاً؛ أصحاب الكهف[7]، وحكاية العُزير وحماره[8]، وكذلك قصة نبي الله إبراهيم× وإحياء الطيور[9]، وكذلك أيضاً من معجزات نبيّ الله عيسى× إحياء الأموات[10]، وكل هذا حصل في هذه الدنيا على يدٍ أناسٍ بإذن الله سبحانه وتعالى، فما بالك بالذي يقول كن فيكون!.

2- ذِكر علامات المعاد والحوادث فيه، وتصوير المشاهد يومئذٍ:

أمثال هذه الآيات كثيرة، بل إنّ كثرة سور المعاد في القرآن قابل للتأمّل: (كسورة القيامة، والتغابن، الحشر، القارعة، الغاشية، الواقعة، الزلزلة، والحاقّة)، والآيات التي تصوّر مشاهد المعاد وأحوال هذا اليوم عظيمة ورهيبة، لنذكر بعضاً منها:

أ- إن هذا اليوم وعد من الله :- قال تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ }[11].

ب- إنه يوم الجزاء:- قال تعالى: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }[12].

ج- إنه يوم رهيب:- قال تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ }[13].

3- إثبات بطلان عقيدة المنكرين:

بعد أن أثبت القرآن الكريم مسألة المعاد ببراهين عقلية وأدلة ملموسة وشواهدٍ بيّنة، تصدّى بردّ منكري المعاد، بقوله أن كلام هؤلاء لا دليل له وإنّما هو مجرد ظنّ وإنّ الظن لا يغني من الحق شيئاً، قال عز وجل: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}[14]. وهذه الظنون لا أثر لها إزاء البراهين الواضحات والحقائق الجليّة .

أنموذج المعاد في الدنيا:

قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }[15].

من الأمثال التي استعملها القرآن الكريم لإثبات وجود المعاد هو حياة الأرض ومماتها، حين تتصفح هذا الكتاب العظيم ترى آيات كثيرة تتكلم عن حياة الأرض وتبيّن أنها تعيش وتموت كما هي حال الكائنات الحيّة وتخبرنا أيضاً أن عنصر حياة الأرض هو الماء ، وتشترك بذلك سائر المخلوقات الحيّة؛ حيث قال تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ }[16].

وكما هي ضرورية الأوكسجين للإنسان ويموت بفقدانه ، كذلك ضرورية الماء للأرض وتموت بفقدانها، وتحيا مرة أخرى بعد نزول المطر عليها.

قال المراغي في بيان الآية المذكورة أعلاه: >من الدلائل على قدرته تعالى على البعث، و إحياء الموتى بعد بلاها، و إعادتها لهيئتها كما كانت من بعد فنائها- أنك ترى الأرض يابسة غبراء لا نبات بها و لا زرع،  فإذا نزل عليها الغيث من السماء تحركت بالنبات، و انتفخت، و أخرجت ألوان الزرع و الثمار، كما يشاهد من ارتفاع الأرض و انتفاخها، ثم تصدّعها و تشققها إذا حان ظهور النبات منها، و تراه يسمو في الجوّ و يغطى قشرتها، ثم تتشعب عروقه، و تغلظ سوقه<[17].

فالقرآن الكريم يثبت عدة مسائل خلال بيانه حياة الأرض:

1- بيان قدرة الله سبحانه وتعالى الذي خلق هذا المخلوق العظيم الذي ضم في باطنه حياة الآخرين، ففي الأرض حياة في حياة. مافي الأرض من كائنات حية غير قابل للإحصاء وحياتهم تعتمد على حياة الأرض من الناس والحيوانات والنبات.

2- إثبات مسألة المعاد والتي سبق بيانها آنفاً باختصار. كما في قوله تعالى: {فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }[18].

3- حكمة الله في تسلسل الحياة؛ فالأرض تعود إليها الحياة بواسطة الماء، والأشجار والنبات تستأنف الحياة بواسطة الأرض بعد إحيائها بالماء، وكذلك الإنسان ينتفس الأوكسجين عن طريق الأشجار، وكذلك الحيوانات حتى الحشرات. يقول عز وجل: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ }[19]. وغيرها من الدلائل التي أوردها القرآن الكريم في إثبات المعاد لغاية أهمية الإعتقاد بها في حياة الإنسان .


[1] – الكهف: 54

[2]– الأنعام:60

[3]– الفيض كاشانى ملا محسن ، الأصفى في تفسيرالقرآن، ج‏1، ص: 324

[4] – آية :42

[5] – العنكبوت:57

[6] -السند محمد، الرجعة بين الظهور والمعاد، ص 62

[7] – الكهف: 16- 19

[8] – البقرة: 259، قيل بأنه :هو أرميا، وقيل هو الخضر، و العزير هو المشهور

[9] – البقرة: 260

[10] – المائدة : 110

[11] – راجع: الأنبياء:104، آل عمران: 194، النساء: 122، الأنعام: 134، التوبة: 68

[12] – راجع: يونس:4، إبراهيم: 51، لقمان:33

[13] – النمل:87 ، البقرة : 123، إبراهيم: 49، طه 102

[14]– راجع: الجاثية: 24، والجاثية: 32،  فصلت: 50، الجن: 7، الكهف: 36، و يونس: 36

[15] – فصلت: 39

[16] – الأنبياء:30

[17] – تفسير المراغي، ج‏24، ص: 136

[18] – الروم:50

[19] – الحج:5

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق