علم الأديان

المسيح عليه السلام ومثله عند الله

(إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). آل عمران: 59.

المثل هو الصفة. والخلق هو الإيجاد، وهو إخراج شيء من العدم إلى الوجود، إما بصورته كأن يكون له مادة، أو بصورته ومادته معاً.

والأمر للتراب بأن يصير إنساناً ليس باللفظ، فالمخاطب باللفظ والمأمور بالأمر، يجب أن يكون عاقلاً، عارفاً باللسان، قادراً على إطاقة الأمر، والتراب فاقد للأوصاف الثلاثة. فالمقصود من الأمر بلفظ كن، التكويني منه.

وهو بمعنى إعطاء الحياة للتراب، حياة إنسان كامل، بإرادة من الله تعالى وهي نوع فعل من أفعاله، لا صفة لذاته، وقد تسمّى بالمشيّئة.

ونظير هذا الأمر، ما صدر عنه تعالى للنار، بعد مضيّ أحقاب وسنين على آدم، فقال تعالى: (يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ). الأنبياء: 69.

فإنه تكويني، وليس بلفظ، لفقدان النار الأوصاف الثلاثة، فهي مثل التراب أحد العناصر الفاقدة لتلك الأوصاف.

إن سهولة الإيجاد له عزّ وجلّ إعطاء الحياة، كسهولة التصورات والتصديقات لنا، بل أسهل من ذلك له، فقد لا نستطيع التصور في بعض الأحوال، وهو تعالى قادر على الخلق في جميع الأحوال.

وبعبارة أخرى نسبة الوجود الخارجي إليه تعالى كنسبة الوجود الذهني إلينا، فكما أنه مخلوق لنا فالوجود الخارجي مخلوق له تعالى.

ولكن نحن لا نستطيع في بعض الأحوال على خلق وجود ذهني، ولكنّه تعالى يستطيع في جميع الأحوال خلق الوجود الخارجي، فهو تعالى أقدر على ذاك منّا على هذا.

إن الوجود الخارجي، قد يكون مخلوقاً بلا أسباب خارجية، فهو إخراج من العدم الصرف إلى الوجود. وقد يكون موقوفاً على أسباب خارجية، ولكن تلك الأسباب تكون مخلوقة له تعالى أيضاً.

وإعطاء الآدمية للتراب، بجعله إنساناً كاملاً بطيّ درجات الرّقى والكمال من الجمادية والنباتية والحيوانية إلى الإنسانية في آن واحد، بل أقل من الآن، فكان آدم عليه السلام هو الإنسان الوحيد في تأريخ البشر، خلق كاملاً ولم يمر بدور الرضاعة والصبا وكذلك زوجه حوّا.

إنّ آدم لم ير أباً، ولم يكن له أمّ، وخلقه من هذه الجهة أعجب من خلق عيسى بلا أب، فالخالق للأعجب قادر على خلق العجيب قطعاً عند العقل، ومن يسهل عليه ذاك، فهذا عليه أسهل.

فبطل كلام من قال: إن عيسى ليس بمخلوق لأنه بلا أب. لأن خالقه يقول: من كان قادراً على خلق آدم بلا أب ولا أمّ فهو القادر بالقطع واليقين على خلق عيسى بلا أب، فإن الخالقية في ذاك أشدّ من الخالقية في هذا. كان ذلك خلق الضدّ من الضدّ، فقد خلق الواجد للحياة مما يستحيل له الحياة.

إن خلقة آدم من جانب ثان، أعظم من خلقة عيسى، فالعلة المعدّة لخلق آدم كانت التراب، والعلة المعدّة لخلق يا

كانت خلقة آدم أمراّ طبيعياً كونياً، فإن الباري عزّ اسمه، هو الخالق له، ويستحيل تحقق مخلوق بلا خالق، وحصول معلول بلا علة.

نعم كانت على خلاف السنة الجارية في البشر، وهي حاجة الولد إلى الوالدين، وهذه السنة مخلوقة له تعالى، قادر على الاستثناء فيها.

وكذلك خلقة المسيح، فإنها طبيعية كونية، إذ لم يخلق بلا خالق، وخالقه كان قادراً على أنواع من الخلق، فهو بكل خلق عظيم.

إن السنن الجارية في عالم الكون كلها مخلوقة لله تعالى، وهو فوق تلك السنن، قادر على تبديلها وتغييرها وتخصيصها. فإن كل ذلك بمشيئته وغرادته.

كانت السنة الجارية في الوالدين أن لا يأتيا بالولد عند كبرهما، عند شيخوخة الرجل ويأس المرأة، ولكنه تعالى خرق هذه السنة في إعطاء إبراهيم إسحاق، وإعطاء زكريّا يحيى، وقد اوغل سن اليأس بالزوجين.

وكانت السنة الجارية في الكون أن النار لا تخمد إلا بالماء أو بريح شديدة في زمان غير قصير، ولكن خرقت هذه السنة بإرادة الله، فصارت النار في أقصر، من (الآن) برداً وسلاماً على إبراهيم عليه السلام. والذي أقصر من (الآن) ليس بزمان، لأن الزمان تدريجي الوجود، وهو ليس كذلك فلم نعرف له إسماً.

كما أن السنة الكونية أن العين إذا ابيضّت وزال عنها سوادها فهي غير قابلة للعلاج، وقد خرقت هذه السنة بإلقاء قميص يوسف على عيني يعقوب فارتدّ بصيراً، فكان يوسف عالماً بهذا المستثنى الكوني.

وقد تحققت أنواع من هذا الاستثناء على يد المسيح كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى وغير ذلك بمجرد أمره تعالى بذلك.

جاء فعل (يكون) في الآية الكريمة بصيغة المستقبل، لكونه متأخّراً عن الأمر بالكون، ولكل من الأمر المأمور به حصول في الخارج وهل هما واحد ههنا؟

وإليك قوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). يس: 82.

ويمكن أن يكون إخباراً بوجود المأمور به بعد أمره تعالى ب(كن) الوجودي بلا شكّ.

 

المصدر: المسيح في القرآن – السيد رضا الصدر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق