القرآن الكريمتفسير القرآن

المباني التفسيرية للمعتزلة

بقلم: صدر الدين سي 


أولاً: هوية المعتزلة

> المعتزلة[1] ويسمون أصحاب العدل والتوحيد، ويلقبون بالقدرية وهو جعلوا لفظ القدرية مشتركاً، وقالوا لفظ القدرية يطلق على من يقول بالقدر خيره وشره من الله تعالى، احترازاً عن وصمة اللقب، إذا كان الذم به متفقاً عليه[2].

وقد نشأ الإعتزال فكراً قائماً على النظر العقلي مع بداية القرن الثاني الهجري في البصرة في أواخر العصر الأموي، كاستمرار لموقف القدرية الأوائل وجدلهم حول حرية الإرادة وصفات الله جل وعلا [3].

ثانياً: معالم المعتزلة[4]

للمعتزلة الأصول الخمسة المعروفة التي تعين لنا مذهبهم في التفسير والعقيدة ، لأجل هذا قيل : ليس أحد يستحق اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة : التوحيد ، العدل ، الوعيد والوعيد ، المنزلة بين المنزلين ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

1- التوحيد:  وقد بنوا على هذا الأصل أن الصفات ليست خارجة عن الذات ومغايرة لها ، وأن الله عالم بذاته ، وأن رؤية الله في الدنيا والآخرة مستحيلة ، وأن القرآن مخلوق وليس بقديم .

2- العدل:  وفيه يقولون : إن الأفعال مخلوقة للعباد خيرها وشرها ، وما صدر من المعاصي ، صدر بغير مشيئة الله ، وقد بنوا على هذا الأصل فروعاً كثيرة منها :

أ- الله لا يفعل القبيح ، ورتبوا على ذلك أن الرزق هو الحلال فقط ، ولا يسمى الحرام رزقاً .

ب- وجوب الصلاح والأصلح على الله من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد .

ج- الله لا يريد المعاصي .

د- الله لا يخلق افعال العباد ، بل هم الذين يخلقون أفعالهم .

هـ – صحة التحسين والتقبيح العقليين ، فإن الحسن والقبح صفتان ذاتيتان ، فالعقل يحسن ويقبح[5]

فالمعتزلة طبقاً لرؤيتهم في العدل يفسرون الآيات بما يناسبها ، ويؤولون كل آية يخالف ظاهرها العدل حسب رأيهم ، فالآيات التي تدل بظاهرها على الجبر أو الظلم من الله تؤول في مذهبهم بما يتناسب مع الاختيار والعدالة .

3- الوعد والوعيد:  أي : أن الله يجازي من أحسن بالإحسان ، ومن أساء بالسوء ، ولا يغفر لمرتكب الكبيرة ما لم يتب ، ولا يقبل من مرتكب الكبيرة الشفاعة ، لأنه توعد بالعقاب على الكبائر فلو لم يعاقب لزم الخلف في وعيده [6].

4- المنزلة بين المنزلتين: كان علماء التابعين، مع أكثر الأمة يقولون أن صاحب الكبيرة من أمة الإسلام مؤمن لاعتقاده بالرسل والكتب المنزلة ويقينه بأن ما جاء من عند الله حق ولكنه بكبيرته وفسقه لا ينفي عنه الإيمان والإسلام ولكن واصلاً زعم أن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر وجعل الفسق منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان[7].

5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :هم يعتقدون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون بالقلب إن كفى ، وباللسان إن لم يكف القلب ، وباليد إن لم يكفيا ، وبالسيف إن لم تكف اليد.

فهذه الأصول الخمسة تعد من خصائص المعتزلة ، ولكن يمكن القول بأن اتباع العقل والانتفاع بالقواعد العقلية في جميع المجالات الفكرية ومنها تفسير الآيات القرآنية ، هو الأصل الحاكم على جميع أفكارهم وآرائهم واعتقاداتهم ، فليس من البعيد أن نذكر لهم أصلاً واحداً وهو : اتباع العقل في جميع مجالات الشرع .

ومن ضمن المباني التفسيرية للمعتزلة :إمكان العقل أن يدرك معنى الآيات ويكتشف بالحقائق بمعزل عن الشرع. فالمعتزلة تعتقد بإمكان تفسير الآيات سواء في مجال صفات الله تعالى أو القيامة أو ما شابه ذلك ، فإنهم لا يقولون بتعطيل العقول عن التفكر في الآيات ، ويؤمنون بظواهرها ، وبواطنها ، ويظهرون العجز عن معرفتها ، نعم إذا لم يمكن الإيمان بظاهر آية ، فلابد من تأويلها حتى مقبولة للعقل معتبرة عند العقلاء ، خلافاً للأشاعرة والسلفية .

ثالثاً: أهم التفاسير الكلامية الإعتزالية

1- (متشابه القرآن) للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني، المتوفى سنة 415 هـ ، أحد أعلام التفسير في القرن الخامس .

2- (تنزيه القرآن عن المطاعن) لعبد الجبار بن أحمد، المتوفى بالري سنة 415هـ ؛ هو قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني، وهو الذي تلقبه المعتزلة قاضي القضاة ولا يطلقون هذا اللقب على سواه ولا يعنون به عند الإطلاق غيره.

3- (ملتقط جامع التأويل لمحكم التنزيل) لأبي مسلم محمد بن بحر الإصفهاني

4- (الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل و عيون الأقاويل في وجوه التأويل‏) لمحمود بن عمر الزمخشري، المتوفى سنة 538 هـ .

5- (أنوار التنزيل و أسرار التأويل) المسمى بـ ( تفسير البيضاوي) لناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي (ت 685).

جمع فيه صاحبُه بين التفسير والتأويل، على مُقتضَى قواعد اللغة العربية، وقرَّر فيه الأدلة على أصول أهل السنة. وقد اختصرَه من الكشاف للزمخشري، ولكنه ترك ما فيه من اعتزالات، مع ذهابه أحيانًا إلى ما يذهب إليه الزمخشري. كذلك استمدَّ تفسيره من تفسير الرازي، ومن تفسير الراغب الأصفهاني، وضمَّ لذلك بعض الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين. وهم يهتمُّ أحيانًا بذكر القراءات، كما أنه يعرض للصناعة النحوية دون توسُّع، كما أنه يتعرَّض عند آيات الأحكام لبعض المسائل الفقهية بصورةٍ موجزة.

يلاحظ في المقام أن تفاسير المعتزلة تعد من التفاسير الكلامية في الغالب ، ولها ثلاث خصوصيات :

الأولى : تطويل البحث في الآيات المشتملة على المباحث الكلامية والبحوث الاعتقادية .

الثانية : تأييد المذهب الكلامي المختار بواسطة الآيات المؤيدة له .

الثالثة : محاولة تضعيف المذاهب الكلامية الأخرى .

فمثلاً نجد الزمخشري يؤيد مذهب الاعتزال في حرية الإرادة وخلق الأفعال ، عندما يفسر الآية 8 من آل عمران ، يؤيد الحسن والقبح العقليين عندما يفسر الآية 165 من سورة النساء ، ويؤيد رأي المعتزلة في أصحاب الكبائر عندما يفسر الآية 93 من سورة النساء .


[1] – المعتزلة أصحاب واصل بن عطاء الغزال لما اعتزل مجلس الحسن البصري يقرر أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر ويثبت المنزلة بين المنزلتين فطرده، فاعتزله وتبعه جماعة سموا بالمعتزلة .

[2] – الملل والنحل، الشهرستاني أبو الفتح محمد عبد الكريم، ج1، ص38

[3] – الضويحي، علي بن سعد بن صالح، آراء المعتزلة الأصولية، ص37

[4] – راجع: المناهج التفسيرية عند الشيعة والسنّة، للشيخ محمد علي أسدي نسب، من ص80

[5] – راجع : شرح الأصول الخمسة ، للقاضي عبد الجبار : 301و326و327

[6] – شرح الأصول الخمسة، ص 136و 614 – 618

[7] – الملل والنحل للشهرستاني، ج1 ، ص42

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق