القرآن الكريمتفسير القرآن

المباني التفسيرية للأشعرية

بقلم: صدر الدين سي


أولاً: هوية الأشعرية

الأشاعرة هم أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المنتسب إلى أبي موسى الأشعري[1].

ولد أبو الحسن الأشعري في البصرة سنة 260ق، وتلمذ عند شيخ المعتزلة آنذاك أبي علي الجُبّائي، وكان لفصاحته يتولّى الجدل نائباً عن شيخه، ولكنّ الأشعري وجد من نفسه ما يبعده عن المعتزلة في تفكيرهم، مع أ نّه تغذّى من موائدهم، ووجد ميلا إلى آراء الفقهاء والمحدّثين، فعكف في بيته مدّة وازن فيها بين أدلّة المعتزلة وأهل الحديث، وانقدح له رأي بعد الموازنة، فخرج إلى الناس وناداهم بالاجتماع إليه، فرقى المنبر يوم الجمعة بالمسجد الجامع بالبصرة وقال:أيّها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرّفه بنفسي، أنا فلان ابن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، وأنّ الله تعالى لايرى بالأبصار، وأنّ أفعال الشرّ أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع متصدّ للردّ على المعتزلة مخرج لفضائحهم [2]فاتبعه كثير من الناس، فسمّوا بالأشاعرة.

ثانيا: معالم الأشعرية

1- الاعتدال بين الاعتزال وأهل الحديث
قبل وجود المذهب الأشعري، كان هناك تباين وتشاجر كبير بين الاتّجاه العقلي الإعتزالي والاتّجاه النقلي الظاهري من أهل الحديث، ولكنّ الأشعري جاء بفكرة جديدة تقارب في ضوئها الاتّجاهان، فهو وافق على شرعيّة الاتّجاه العقلي في إثبات العقائد الدينيّة وتفسير الآيات القرآنية، خلافاً لأهل الحديث القائلين ببدعة هذا الاتّجاه، ومن ناحية أخرى حين التعارض بين العقل والظواهر من الكتاب والسنّة، قدّم الظواهر على العقل.
2- الصفات الأزليّة ليست عين الذات ولا غيرها
إن الأشعري مع قبوله زيادة هذه الصّفات على الذات موافق لأهل الحديث، فهو يعتقد بأنّ هذه الصّفات ليست عين الذات ولا غير الذات، قال الشهرستاني: قال أبوالحسن: الباري تعالى عالم بعلم، قادر بقدرة، حيّ بحياة، مريد بارادة، متكلّم بكلام، سميع بسمع، بصير ببصر، وله في البقاء اختلاف رأي، قال: وهذه الصفات أزليّة قائمة بذاته تعالى، لايقال: هي هو ولا هي غيره[3] .

3- عدم البحث في كيفيّة تلبّس الله بالصفات الخبرية
ذكرت في القرآن صفات مثل: اليد، الوجه، المجيء، الإستواء على العرش، وما شابه ذلك، يسمّونها الصفات الخبرية، والآيات الشاملة لهذه الصّفات تعدّ عندهم من الآيات المتشابهة، فقبل الأشعري كان المعتزلة يؤوّلون هذه الآيات بشكل يوافق عقولهم وعقائدهم، ولكنّ بعض أهل الحديث يتمسّكون بظواهرها، فصاروا من المجسّمة والمشبهة.
أمّا الأشعري، فإنّه قَبِل ما يظهر من هذه الصفات لله، ولكن حرّم البحث في كيفية تلبّس الله تعالى بهذه الصفات .
4- خلق الأفعال من الله مقارنة لقدرة الإنسان وإرادته
كان المعتزلة يعتقدون بأنّ الإنسان هو الخالق لأفعاله، ولكنّ الأشعري قال: إنّ أعمال العباد مخلوقة لله مقدورة.

 5- اتّباع السّلف
يقول الأشعري: قولنا الذي نقول وديانتنا التي ندين بها هي: التمسّك بكتاب الله وسنة نبيّه (صلى الله عليه وآله) وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضّر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته، وعمّن خالف قوله مجانبون; لأ نّه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحقّ عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشكّ الشاكّين، فرحمه الله تعالى من إمام مقدّم وكبير مفهّم، ورحمته على جميع أئمة المسلمين[4] .
6- لكلام الله مرتبتان:
     قال المعتزلة: إنّ كلام الله حادث، واستقرّ رأي أهل الحديث على قدم كلام الله تعالى. وقال الأشعري: لكلام الله مرتبتان: كلام نفسيّ وكلام لفظيّ، فالأوّل قديم; لأ نّه حقيقة الكلام، والآخر حادث; لأ نّه ليس بحقيقة الكلام.
يقول الشهرستاني، ناقلا لعقيدة الأشعري: العبارات والألفاظ النازلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء (عليهم السلام) دلالات على الكلام الأزلي، والدلالة مخلوقة محدثة، والمدلول قديم أزلي، والفرق بين القراءة والمقروء والتلاوة والمتلوّ كالفرق بين الذكر والمذكور، فالذكر مُحْدَث والمذكور قديم[5].

والإعتقاد بالجبر من المباني التفسيرية للأشاعرة، وكل من هذه المباني لها أثر كبير في تفسير الآيات الكلامية، وكان نتاج ذلك الإختلاف الموجود بين المذهبين المذكورين .

ثالثاً: أهم التفاسير الكلامية الأشعرية

1- (مدارك التنزيل وحقائق التأويل) المسمى بـ (تفسير النسفي) لعبد الله بن أحمد النسفي (تـ 710).

2- (تفسير القرآن العظيم) لاسماعيل بن عمر ابن كثير، (تـ 774).

3- (بيان المعاني) عبد القادر الملّا حويش آل غاري، حنفي المذهب، ومن أتباع المذهب الأشعري في الكلام.

4- (مفاتيح الغيب) المسمى بـ (التفسير الكبير) للفخر الرازي  (ت: 602ه-) ويطلق عليه إمام المشكّكين، وقد أسرف في ذكر المباحث الكلامية حتّى قيل في تفسيره: فيه كلّ شيء إلّا التفسير. ورغم كونه أشعريّاً في الكلام، ولكنّه قد يتكلّم خلاف العقيدة الأشعرية في بعض الأحيان.


[1] – الملل والنحل للشهرستاني، ج1، ص81

[2] – محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، ص 151-152

[3] – الملل والنحل للشهرستاني، ج1، ص95

[4] – الإبانة في أُصول الديانة، لأبي الحسن الأشعري: 17

[5] – الملل والنحل للشهرستاني، ج1، ص83

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق