أخلاق

اللياقات الإجتماعية

إنَّ حرص الدِّين الإسلاميّ على تماسك المجتمع الواحد، يتجلّى من خلال القيم الّتي أرساها لتكون دعامةً تُمسك هذا المجتمع الّذي ينبغي أن يكون الأُنموذج الأمثل في الترابط والتفاهم والحرص على الآخر، من خلال السُّنن الّتي سنّها الله تعالى لتكون دعامة أساس في التعاطي الإيجابيّ بين أفراد المجتمع الواحد.

ولأنَّ الإسلام يُدرك خطر اللسان المتفلّت من عقاله على المجتمعات الموحّدة، ويدرك أيضاً أثر اللسان الّذي يتحلّى بالصفات الإيجابيّة والدف‏ء، فمن هذا المنطلق سنَّ الكثير من الآداب واللياقات الّتي تجعل أواصر الودِّ تقوى بين الإخوة في الإيمان، وتجنّب المجتمعات التفرّق الناشئ من انفلات عقال الألسنة. ولأنَّ العلاقات الاجتماعيّة ترتكز على أُسس أُخرى ودعامات قد تكون من خلال بعض الأفعال والتفاصيل الصغيرة الّتي لا يلتفت لها الإنسان في حياته العاديّة، وقد أشارت لها الشريعة في الكتاب العزيز أو في السُّنن المأثورة عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وأهل بيته عليهم السلام، فقد أحببنا الإشارة إليها في الصفحات القادمة، سائلين الله تعالى أن يوفّقنا للخير في الفكر والعقيدة والعمل، إنّه سميع مجيب.

 السلام وآدابه

يقول الله تعالى في محكم آياته: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾[1].

لقد أولى الدين الإسلاميّ مسألة السلام اهتماماً قلَّ نظيره من بين اللياقات الاجتماعيّة حيث وصل إلى أيدينا الكثير والمثير من الروايات الّتي تتحدث عن أهميّته وكيفيّته.

فقد وصف الله تعالى أهل الجنَّة بأنّهم يحيّون بعضهم بالسلام المتعارف بيننا، يقول عزَّ وجلَّ: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[2], ويقول في موضع آخر: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾[3]. فكلمة “السلام عليكم ورحمة الله وبركاته“، هذه الكلمة الصغيرة، تكاد تكون من أوثق العُرى الّتي تربط المجتمع، فكم بها تصالح متخاصمان، وهي كلمة تُقال وجواب يردُّ، ولأجل هذا الهدف، كان لها هذا النصيب الكبير من الاهتمام في الدين الإسلاميّ الحنيف، فما هو فضل السلام؟ وهل للسلام من ملحقات؟ هذه الأسئلة وغيرها من الأسئلة الأخرى سنُجيب عنها في الصفحات القادمة إن شاء الله تعالى.

فضلُ إفشاء السلام‏

ورد في الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا لقي أحدكم أخاه فليسلّم عليه وليصافحه، فإنّ الله عزَّ وجلَّ أكرم بذلك الملائكة فاصنعوا صنع الملائكة”[4].

وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام: “السلام تحيّة لملّتنا، وأمان لذمّتنا[5].

وفي الحديث إشارة إلى مدى الأمان الاجتماعيّ النابع من السلام بين المؤمنين، والمُستحب الأكيد في ذلك إفشاء السلام، حيث ورد الكثير من الروايات المؤكدة عليه، ففي الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام: “إنَّ الله يُحبّ إطعام الطعام، وإفشاء السلام[6]. واعتبرت بعض الروايات إفشاء السلام من أفضل أخلاق أهل الدنيا، ففي الحديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “ألا أُخبركم بخير أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، فقال: إفشاء السلام في العالم[7]. كما أنَّ كلمة (السلام)، اسمٌ من أسماء الله تبارك، ولذلك ورد في الحديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “إنَّ السلام اسمٌ من أسماء الله تعالى، فأفشوه بينكم[8]. ولشدّة ما أكَّد الإسلام على إفشاء السلام، أوصى المؤمنين بعدم ترك السلام بينهم حتّى ولو كان الافتراق ما بينهم لفترة قليلة، ففي الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام قال: “ينبغي للمؤمنين إذا توارى أحدهما عن صاحبه بشجرة ثمّ التقيا أن يتصافحا”[9].

الابتداء بالسلام‏

لكي يجعل الله تعالى الحافز لدى المؤمنين لإفشاء السلام فيما بينهم، جعل الفضل الأكبر للمبتدئ بالسلام، ففي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إنَّ أولى الناس بالله وبرسوله من بدأ بالسلام[10]. كما اعتبرت رواية أُخرى أنَّ أطوع الناس لله عزَّ وجلَّ هو المبتدئ بالسلام، فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “أطوعكم لله الّذي يبدأ صاحبه بالسلام[11]. وأما الأجر الّذي وعد به الله تعالى المبتدئ بالسلام فتخبرنا عنه رواية أمير المؤمنين عليه السلام حيث روي عنه عليه السلام: “السلام سبعون حسنة، تسعة وستون للمبتدي، وواحدة للرادّ[12].

متى يكون السلام؟

1- السلام قبل الكلام:

إنَّ للسلام أفضلية على سائر الكلام ولذا أكّد الكثيرُ من الروايات على أن يبتدئ الإنسان بالسلام قبل أي كلام آخر، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: “السلام قبل الكلام[13]. بل إنَّ بعض الروايات نهت عن إجابة من بدأ بالكلام قبل سلامه، ففي الرواية عن رسول الله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه[14].

2- السلام عند دخول البيوت:

إنَّ استحباب السلام مؤكد عند دخول البيت وهو من الآداب الاجتماعيّة الّتي يُعاب تاركها، وقد أكّد عليها الله تعالى حيث يقول عزَّ من قائل: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾[15]. كما أنَّ البيوت هُنا ليس المقصود منها بيت الإنسان فقط، بل أي بيت يريد دخوله، والسلام عند دخول البيت له أثرٌ معنوي خاص، ففي الرواية عن رسول الله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا دخل أحدكم بيته فليسلّم، فإنّه ينزله البركة، وتؤنسه الملائكة”[16].

ردُّ السلام‏

ردُّ السلام من الواجبات الشرعية الّتي يُعاقب الله تعالى تاركها، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾[17], وفي الرواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم:  “السلام تطوّع والردُّ فريضة[18]. وقد أدّبنا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام على ردِّ التحية والسلام بلسان طيّب، وأفضل الردود قول الإنسان: “وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته”. وينقل لنا سلمان المحمّدي رضوان الله عليه، قصّة لطيفة حدثت على عهد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم فيقول: جاء رجلٌ إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: “السلام عليك يا رسول الله“، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: “وعليك ورحمة الله“، ثم أتى آخر فقال: “السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله“، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: “وعليك ورحمة الله وبركاته“، ثم جاء آخر فقال: “السلام عليك ورحمة الله وبركاته“، فقال صلى الله عليه وآله وسلم له: “وعليك“، فقال له الرجل: يا نبيّ الله بأبي أنت وأمي أتاك فلان وفلان فسلّما عليك فرددت عليهما أكثر ممّا رددت عليّ؟! فقال صلى الله عليه وآله وسلم: “إنَّك لم تدع لنا شيئاً، قال الله ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ فرددناها عليك”[19].

أدب السلام‏

لقد ذكرت الأحاديث الشريفة لنا مواضع يحسن فيها البدء بالسلام من قوم دون آخرين، وفي حالة دون حالة وهي:

1- أنْ يسلِّم الصغير على الكبير إجلالاً له واحتراماً وتوقيراً لكبره.

2- أنْ يسلِّم الواحد على الاثنين.

3- أنْ يسلِّم القليل على الكثير.

4- أنْ يسلِّم الراكب على الماشي.

5- أنْ يسلِّم المارّ على الشخص الواقف.

6- أنْ يسلِّم الشخص الواقف على الشخص الجالس.

ويجمع هذه الآداب جميعاً حديث مرويّ عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “يسلِّم الصغير على الكبير، ويسلِّم الواحد على الاثنين، ويسلِّم القليل على الكثير، ويسلِّم الراكب على الماشي، ويسلِّم المارّ على القائم، ويسلِّم القائم على القاعد”[20].

أدبُ الوداع‏

كما أنَّ للقاء أدباً وهو السلام، فإنَّ للوداع أدباً خاصّاً وهو عبارةٌ عن دعاءٍ ورد في الرواية تقول: إنَّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا ودّع المؤمنين قال: “زوّدكم الله التقوى، ووجّهكم إلى كلِّ خير، وقضى لكم كلّ حاجة، وسلّم لكم دينكم ودنياكم، وردّكم إليّ سالمين”[21].

المصافحة

كما اهتمّ الإسلام بمسألة السلام، فإنَّه اهتمّ أيضاً بالتصافح الّذي يكون مع السلام، ففي الحديث عن رسول الله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا التقيتم فتلاقوا بالتسليم والتصافح، وإذا تفرّقتم فتفرّقوا بالاستغفار[22]. وقد جاء في فضل المصافحةِ الكثيرُ من الروايات، منها:

ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام قال: “إذا صافح الرجل صاحبه فالّذي يلزم التصافح أعظم أجراً من الّذي يدع، ألا وإنَّ الذنوب ليتحات فيما بينهم حتّى لا يبقى ذنب[23]. وقد اهتمَّ الأئمّة عليهم السلام بمسألة المصافحة، وينقل لنا التاريخ قصَّة تبيّن مدى اهتمامهم بهذه السنَّة العظيمة، فعن إسحاق بن عمّار قال: دخلت على الإمام الصادق عليه السلام، فنظر إليّ بوجه قاطب فقلت: ما الّذي غيّرك لي؟

قال عليه السلام: “الذي غيّرك لإخوانك، بلغني يا إسحاق أنّك أقعدت ببابك بوّاباً، يردُّ عنك فقراء الشيعة”.

فقلت: جعلت فداك إنّي خفت الشهرة، فقال عليه السلام: “أفلا خِفتَ البليَّة، أوما علمت أنّ المؤمِنَيْن إذا التقيا فتصافحا أنزل الله عزَّ وجلَّ الرحمة عليهما فكانت تسعةً وتسعين لأشدّهما حبّاً لصاحبه. فإذا توافقا غمرتهما الرحمة، فإذا قعدا يتحدّثان قال الحفظة بعضهم لبعض: اعتزلوا بنا فلعلّ لهما سرّاً وقد ستر الله عليهما، فقلت: أليس الله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ[24]? فقال عليه السلام: “يا إسحاق إن كانت الحفظة لا تسمع فإنَّ عالم السرِّ يسمع ويرى”[25]. وإنَّ للمصافحة أثراً كبيراً على النفوس، حيث تُذهب الشحناء والحقد بين المختلفين، فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: “تصافحوا فإنّها تُذهب بالسخيمة”[26].

كيفيّة المصافحة

وردت في الروايات الشريفة كيفيّة خاصّة للمصافحة حيث أكّد بعض الروايات على أن لا ينزع المؤمن يده من يد أخيه حتّى ينزعها الآخر، وهكذا كان يفعل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: “ما صافح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً قطّ فنزع يده حتّى يكون هو الّذي ينزع يده منه[27].

المعانقة

إنَّ المعانقة تعبيرٌ من التعابير العملية الّتي تدلّل على الودِّ والحبِّ بين المؤمنين، وقد ورد في الحثِّ على المُعانقة وما تحويه من الأجر والثواب العديد من الروايات منها:

ما روي عن الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام قالا: “أيُّما مؤمن خرج إلى أخيه يزوره عارفاً بحقّه كتب الله له بكلِّ خطوة حسنة، ومُحيت عنه سيّئة ورُفعت له درجة، وإذا طرق الباب فُتحت له أبواب السماء، فإذا التقيا وتصافحا وتعانقا أقبل الله عليهما بوجهه، ثمّ باهى بهما الملائكة، فيقول: انظروا إلى عبديّ تزاورا وتحابّا فيّ، حقٌّ عليّ ألّا أُعذّبهما بالنار بعد هذا الموقف، فإذا انصرف شيّعه الملائكة عدد نفسه وخطاه وكلامه، يحفظونه من بلاء الدنيا وبوائق الآخرة إلى مثل تلك الليلة من قابل، فإنْ مات فيما بينهما أُعفي من الحساب[28]. وللمعانقة أثر على النفس الإنسانيّة، فهي تزرع الرحمة في القلوب وتُحرّك العواطف النبيلة، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام قال: “إنَّ المؤمِنَيْن إذا اعتنقا غمرتهما الرحمة، فإذا التزما لا يريدان بذلك إلّا وجه الله، ولا يريدان غرضاً من أغراض الدنيا قيل لهما: مغفوراً لكما فاستأنفا[29].

حُسْنُ البشر

من اللياقات الاجتماعيّة الّتي أرشد إليها الإسلام بشكل أكيد حسن البشر، ومعنى حسن البشر أن يلاقي المسلم إخوانه بوجه مبتسم، لا بوجه مكفهّر مقطّب الحواجب بحيث ينفر الآخرون من ملاقاته، فإنّ من يلاقي إخوانه بهذه الطريقة السيّئة يضع نفسه في موضع السخط من الله تعالى، ففي الرواية عن الإمام عليٍّ عليه السلام: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: “إنَّ الله يُبغض المعبس في وجه إخوانه[30]. ولقد كان حُسْنُ البشر من صفات الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وآل البيت عليهم السلام، ومن الروايات الّتي حثّت على هذه الصفة الحميدة ما روي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “إنّكم لن تَسَعوا الناس بأموالكم، فالقوهم بطلاقة الوجه وحُسْنِ البشر”[31].

آثار حُسْنِ البشر

إنَّ لحُسْنِ البشر آثاراً اجتماعيّة مهمّة يعرفها من ديدنه حسن البشر وقد ذكرها أهل البيت عليهم السلام فمن آثار هذه الصفة الحسنة:

1- المودّة:

لأنّ حسن البشر يحمل في خلفيّاته نفساً طيّبة ودودة، تحبّ التقرّب من الآخرين بخلاف التجهّم الّذي يوحي بالعدوانيّة، وقد ورد في الرواية عن الإمام عليّ عليه السلام: “البشاشة حبالة  المودّة[32].

2- يصفّي القلوب:

فكم من مختَلِفَيْن قد أنهت خلافهما البسمة الصادقة وأزالت الرّين والحقد من قلبيهما، وهذا ما نراه كثيراً في حياتنا العمليّة، وفي الحديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “حسن البشر يُذهب بالسخيمة[33].

3- يذهب بالذنوب:

فقد جعل الله تعالى ثواب هذا الخلق الكريم، أن يغفر ذنوب المؤمنين لأجله، وفي الرواية عن الإمام عليّ عليه السلام: “إذا لقيتم إخوانكم فتصافحوا، وأظهروا لهم البشاشة والبشر، تتفرّقوا وما عليكم من الأوزار قد ذهب[34].

 الضيافة والوليمة

التزاور بين المؤمنين من أهمّ المظاهر الاجتماعيّة الّتي دعا الإسلام إليها، وقد طفحت كُتب الأحاديث الشريفة بالأحاديث الّتي تتحدّث عن فضل التزاور وآثاره المهمّة، وسنستعرض فيما يلي بعضاً من هذه الروايات.

فعن الإمام الصادق عليه السلام: “تزاوروا فإنّ في زيارتكم إحياءً لقلوبكم، وذكراً لأحاديثنا، وأحاديثنا تعطف بعضكم على بعض، فإنْ أخذتم بها رشدتم ونجوتم، وإنْ تركتموها ضللتم وهلكتم، فخذوا بها وأنا بنجاتكم زعيم[35].

وعن الإمام الباقر عليه السلام: “تزاوروا في بيوتكم فإنَّ ذلك حياة لأمرنا، رحم الله عبداً أحيا أمرنا[36].

وعن رسول الله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “أكرم أخلاق النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، التزاور في الله، وحقّ على المزور أن يقرّب إلى أخيه ما تيسّر عنده،

ولو لم يكن إلّا جرعة من ماء، فمن احتشم أن يقرّب إلى أخيه ما تيسّر عنده، لم يزل في مقت الله يومه وليلته”[37]. وفي رواية عن الإمام عليّ عليه السلام: “أنتم في تزاوركم مثل أجر الحاجّين[38]. وعن الإمام السجّاد عليّ بن الحسين عليهما السلام قال: “من زار أخاه في الله طلباً لإنجاز موعود الله شيّعه سبعون ألف ملك، وهتف به هاتف من خلف: ألا طِبْتَ وطابت لك الجنّة، فإذا صافحه غمرته الرحمة[39].

الزيارة في اللَه‏

إنَّ الأجرَ الّذي وضعه الله تعالى للزيارة إنّما وضعه في الزيارة الّتي يكون الله تعالى هو المراد منها فتكون قُربة إليه، ولا يكون فيها غاية من الغايات أو المصالح، بل تكون امتثالاً لما يحبّه الله تعالى ومحبة من الزائر للأخ المزار، وإلى هذا المعنى أشار الحديث المرويّ عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “إنّ ملكاً لقي رجلاً قائماً على باب دار، فقال له: يا عبد الله، ما حاجتك في هذه الدار؟ فقال: أخٌ لي فيها أردت أن أسلِّم عليه، فقال: بينك وبينه رحم ماسّة، أو نزعتك إليه حاجة؟ فقال: ما لي إليه حاجة غير أنّي أتعهّده في الله ربّ العالمين، ولا بيني وبينه رحم ماسّة أقرب من الإسلام، فقال له الملك: إنّي رسول الله إليك، وهو يُقرئُك السلام ويقول لك: إيّاي زُرت فقد أوجبتُ لك الجنّة، وقد عافيتك من غضبي ومن النار لحبّك إيّاه فيَّ”[40]. وفي رواية أُخرى عن الإمام الباقر عليه السلام قال: “إنَّ لله جنّة لا يدخلها إلّا ثلاثة: رجلٌ حكم في نفسه بالحقِّ، ورجل زار أخاه المؤمن في الله عزَّ وجلَّ، ورجلٌ آثر أخاه المؤمن في الله”[41]. وفي المقابل حذّرت الروايات من الهجران بين الإخوان المؤمنين، ومن وصيّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر: “يا أبا ذر، إيّاك وهجران أخيك، فإنّ العمل لا يُتقبّل مع الهجران، يا أبا ذر، إيّاك عن الهجران وإن كنت لا بُدّ فاعلاً، فلا تهجره ثلاثة أيام كملاً…”[42].

الضيافة

تُعتبر الضيافة من أجلى مظاهر الكرم، وهي من الصفات الّتي تغنَّى بها الشعراء وخلّدت أناساً في كتب التاريخ، وفوق هذا كلّه فالضيافة ممّا ندبت إليها الشريعة الإسلاميّة وحثّت عليها الديانات الإلهيّة، وهي وسيلة من الوسائل إلى رضا الله تعالى، وفي الرواية أنّ الإمام عليّاً عليه السلام سأل العلاء بن زياد لمّا رأى سعة داره: “ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا وأنت إليها في الآخرة كنت أحوج؟ بلى إن شئت بلغت بها الآخرة: تقري بها الضيف، وتصل فيها الرحم، وتطلع منها الحقوق مطالعها فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة”[43]. وسنتحدّث في الصفحات المقبلة عن آداب الضيافة وما يتبعها من آداب الضيف والمضيف والمائدة، سائلين من الله العون على أداء طاعته.

فضل إكرام الضيف‏

كثُرت الروايات الّتي تتحدّث عن لزوم إكرام الضيف الداخل إلى دار الإنسان، منها ما روي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه[44]. بل إنّ من أفضل موارد الإنفاق لمن آتاه الله المال والسعة هي إكرام الضيوف بما يدخل فيه السرور إلى قلوبهم، فعن أمير المؤمنين عليه السلام: “من آتاه الله مالاً فليصل به القرابة وليحسن منه الضيافة[45]. ومن فضل الله تعالى على المؤمنين أنّه جعل الرزق في دخول الضيف إلى المنزل، فمن كان يخاف العُسر من كثرة الضيوف فعليه أن يثق بما وعد به الله تعالى على لسان رسوله المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم حيث روي عنه أنّه قال: “الرزق أسرع إلى من يُطعم الطعام من السكّين في السنام”[46]. بل إنَّ من فضل الله تعالى على المؤمنين المضيفين أن يغفر الله لهم ذنوبهم ببركة الضيف وبركة الضيافة، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “الضيف ينزل برزقه ويرتحل بذنوب أهل البيت[47].

البيت الّذي لا ضيف فيه‏

إنَّ بيت الإنسان المؤمن المحافظ على القيم والمبادئ الإسلاميّة، معمور بالملائكة الّتي تستغفر له ولأهل بيته المؤمنين، ومن الأمور الّتي تجعل هذا البيت خالياً من الملائكة الكرام المسبّحين، عدم دخول الضيوف إلى هذا المنزل، فقد ورد في الحديث عن الإمام عليّ عليه السلام: “كلُّ بيت لا يدخل فيه الضيف لا تدخل فيه الملائكة[48]. وفي رواية أُخرى أنَّ الإمام عليّاً عليه السلام شوهد حزيناً فسُئل عن علّته فقال عليه السلام: “لسبع أتت لم يضف علينا ضيف”[49].

إجابة دعوة المؤمن للطعام‏

كما أنَّ الضيافة مستحبّة فإنّ تلبية الدعوة لها مستحبّة، بل إنّها من حقّ المسلم على أخيه المسلم كما عدّها الإمام الصادق عليه السلام حيث روي عنه عليه السلام: “من الحقوق الواجبات للمؤمن على المؤمن أن يُجيب دعوته”[50]. كما إنّها وصية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ففي الرواية عنه صلى الله عليه وآله وسلم: “أوصي الشاهد من أمّتي والغائب أن يُجيب دعوة المسلم، ولو على خمسة أميال، فإنّ ذلك من الدين”[51].

أدب الضيافة (صاحب البيت)

إنّ آداب الضيافة لا تشمل الضيف، بل إنّ للضيف وللمضيف آداباً خاصة بهما وردت في روايات أهل البيت عليهم السلام فمن ادآب صاحب البيت:

1- الأكل مع الضيف‏

أوّل الآداب الخاصة بصاحب البيت أن يأكل مع ضيفه فلا يتركه يأكل لوحده، ففي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “من أحبّ أن يُحبّه الله ورسوله فليأكل مع ضيفه”[52]. وفي رواية أُخرى عنه صلى الله عليه وآله وسلم: “من أكل طعامه مع ضيفه فليس له حجاب دون الربّ[53]. وإنَّ من الأعراف واللياقات أن لا يدع الإنسان ضيفه يأكل لوحده، ثم يدخل إلى غرفة أُخرى ليأكل بمفرده – فإنَّ مثل هذا العمل يُعدُّ في العُرف إهانةً كبيرة للضيف – أو يتركه يأكل وهو ينظر إليه وهذا ممّا يُخجل الضيف.

2- أن لا يستخدم الضيف‏

من آداب صاحب البيت أن لا يستخدم ضيفه كأن يسأله أن يناوله الإبريق مثلاً أو أي أمر آخر، بل عليه هو أن يخدم الضيف، فقد روى أبو يعفور أنّه رأى عند الإمام الصادق عليه السلام ضيفاً فقام يوماً في بعض الحوائج، فنهاه عن ذلك، وقام بنفسه إلى تلك الحاجة وقال عليه السلام: “نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يُستخدم الضيف”[54].

3- أن لا يتكلّف للضيف‏

فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “لا يتكلّفن أحد لضيفه ما لا يقدر[55]. وفي رواية عن الإمام الرضا عليه السلام: “دعا رجل أمير المؤمنين عليه السلام فقال له عليه السلام: قد أجبتك على أن تضمن لي ثلاث خصال، قال الرجل: وما هي يا أمير المؤمنين”؟ قال عليه السلام: “لا تُدخل عليّ شيئاً من خارج، ولا تدخّر عنّي شيئاً في البيت، ولا تجحف بالعيال، قال: ذاك لك يا أمير المؤمنين”[56]. فإنّ الله تعالى لا يحبّ أن يضيّق الإنسان على نفسه كما أنّ شرّ الإخوان من تُكلّف له[57]. وما ذلك إلّا لأنَّ الأخ الّذي يُشعرك بلزوم التكلُّف له ليس أخاً حقيقة، لأنَّ الأخ الحقيقيّ لا يسبِّب إحراجاً لأخيه، ولا يثقله ولا يعرّضه للحرج وللمشقة. ولا بدَّ من الإشارة هنا إلى أمر في غاية الأهميّة، وهو أنّه هناك فرق بين أن يكون الإنسان جالساً في بيته، ويأتيه أخ من دون دعوة، وبين أن يُقيم الإنسان وليمة ويدعو إليها إخوانه وأهله، ففي الحالة الأولى لا ينبغي أن يتكلّف الإنسان لأخيه فيها، والروايات الّتي مرّت إنّما تتحدّث عن هذه الحالة وأشباهها، أما لو أقام الإنسان وليمة ودعا الناس إليها، فينبغي له التكلّف بأن يحسن المأكل والمشرب، ويُهيّئ لهم من الكرامة ما يليق بشأنه وشأنهم، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: “إذا أتاك أخوك فأتِهِ بما عندك، وإذا دعوتَه فتكلَّف له[58].

آداب الضيافة (الضيف)

1- من آداب الضيف أن يجلس في المكان الّذي يأمره صاحب البيت بالجلوس فيه، لأنّ صاحب البيت أدرى ببيته من الضيف، وكذلك هو أعرف منه بعوراته، وعورات البيت هي الأماكن الّتي لو جلس فيها الضيف، لكان بإمكانه النظر إلى غرف البيت الأخرى، وبالتالي يكون عرضة للنظر إلى ما لا يحلّ النظر إليه، ففي الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام: “إذا دخل أحدكم على أخيه في رحله، فليجلس حيث يأمر صاحب الرحل, فإنّ صاحب الرحل أعرف بعورة بيته من الداخل عليه[59].

2- ومن الآداب أيضاً أن يدعو لصاحب البيت بعد الانتهاء من تناول الطعام، وقد وردت في الروايات العديد من الأدعية الّتي يمكن للضيف أن يدعو بها ففي الرواية أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “إذا طعم عند أهل بيت قال صلى الله عليه وآله وسلم: طعم عندكم الأخيار[60]. وفي رواية أُخرى أنَّ أحدهم حمل لأبي عبد الله عليه السلام لطفاً[61] فأكل معه فلمّا فرغ قال: “الحمد لله وقال له عليه السلام: أكلَ طعامك الأبرار، وصلّت عليك الملائكة الأخيار”[62].

الوليمة

الوليمة هي أن يدعو الإنسان طائفة من الناس لتناول الطعام لمناسبة تسرّه، أو لنذر نذره أو عن روح ميّت عزيز عليه وغيرها من الدواعي، كما أنّ الوليمة هي فرصة لإطعام المساكين من الناس الذين لا يملكون قوت يومهم. وقد ندب الشارع إلى الوليمة بشكل عام، ففي الرواية عن الإمام عليّ عليه السلام: “قوت الأجساد الطعام، وقوت الأرواح الإطعام“. وفي رواية أخرى عنه عليه السلام: “لذّة الكرام في الإطعام، ولذّة اللئام في الطعام[63]. و هناك مناسبات ورد الحثُّ على الوليمة فيها، نذكر منها ما ورد في الرواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في وصيته لعليّ عليه السلام: “يا عليّ! لا وليمة إلّا في خمس: في عرس، أو خرس، أو عذار، أو وكار، أو ركاز[64]. ثمّ شرح الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هذه المناسبات فقال صلى الله عليه وآله وسلم: “فالعرس التزويج، والخرس النفاس بالولد، والعذار الختان، والوكار في بناء الدار وشرائها، والركاز الرجل يقدم من مكّة”.

آداب المائدة

قد وضع الشرع المقدّس آداباً كثيرة للطعام، وكما تقدّم معنا من أنّ الأحكام الإلهيّة تصبّ في صالح الإنسان وتقرّبه إلى السعادة، فإنّ للآداب الّتي وضعها الله سبحانه وتعالى للمائدة وكيفية الأكل والشرب منافع كثيرة منها ما كشفها العلم والطبّ الحديث، ومنها ما لم يُعلم لحدِّ الآن إلّا أنّ اعتقادنا – بأنّ كلّ الأمور الّتي أمر الله بها لا بدّ وأنّها تصبّ في مصلحة العباد – إيمان تعبّدي يستحقّ الإنسان عليه الأجر من الله تعالى. وسنتحدّث فيما يلي عن بعض الآداب الّتي وردت في الروايات الشريفة وقد ذكرها التاريخ عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام علَّ الله تعالى يوفّقنا للعمل بهداهم إنّه الموفّق لكلّ خير.

فوائد قلّة الطعام

إنَّ قلّة كميّة الطعام الّتي يتناولها الإنسان لها دور مهم في الحفاظ على صحّته الجسديّة، كما أنّ لها فوائد جمّة كثيرة على النفس الإنسانيّة، ويكفي في مجال أهميّتها أن نلتفت إلى كثرة الروايات الّتي وردت عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام، والتي تحثّ على قلّة الأكل وتذكر فائدته، فقد ورد عن الإمام عليّ عليه السلام: “قلّة الغذاء أكرم للنفس وأدوم للصّحة”[65]. وكذا ورد عنه عليه السلام: “من قلّ طعامه قلّت آلامه[66]. ولعلّ ذلك لأنّ كثرة الأكل والتكثير من الأصناف المأكولة تربك المعدة الّتي تعتبر في العلم القديم وكذا الحديث من أكثر الأعضاء حساسيّة وتسبيباً للأمراض في الجسم. ويكفي في أهميّة قلّة الطعام ما نراه من السلبيّات الناتجة عن الإكثار من تناول الأطعمة، وأهمّها مرض السمنة الّذي أسماه بعضهم بمرض العصر إذ إنَّ الكثير من الناس يعانون من مشاكل السمنة وأمراض الكولسترول، وغيرها وقد ورد في الرواية عن الإمام الكاظم عليه السلام: قال: “لو أنَّ الناس قصدوا في الطعم لاعتدلت أبدانهم[67].

مضار كثرة الطعام‏

تقدّم أنَّ السمنة من الأمور المضرّة بالجسم إلّا أنَّ لكثرة الطعام مردوداً سلبيّاً على الإنسان غير ذلك، فكثرة الأكل تسبِّب الأمور التالية:

الشره: والشره من الصفات الرديئة الّتي يوصف بها الإنسان الّذي يتناول الطعام بكثرة تفوق حاجة جسمه العاديّة، وهي صفة قبيحة بالمعايير العرفيّة العامة، فقد ورد في الرواية عن الإمام عليّ عليه السلام: “كثرة الأكل من الشره، والشره شرّ العيوب”[68]. الأمراض المعوية: مما يحدو بالإنسان إلى الامتناع عن الكثير من الأصناف الّتي كان يتناولها في حالته الصحية السليمة، وما ذلك إلّا لأجل ما سبّبه الإفراط في الأكل من حساسية في معدة الإنسان حتّى انطبق عليه حينئذ الحديث المشهور عن أمير المؤمنين عليه السلام: “كم من أكلة تمنع أكلات”[69]. ولأجل هذه السلبيّات وغيرها كانت دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام لنا بأن لا نأكل إلّا حينما نشعر بالجوع. ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “كُلْ وأنت تشتهي، وأمسك وأنت تشتهي[70]. فلا نجعل كلَّ الهمِّ في التفتيش عن لقمةٍ هنا وهناك لكي نضعها في هذا الوعاء الّذي خلقه الله تعالى لكي يكون واسطة للحفاظ على حياتنا واستمرارها، لكي نحقّق الهدف الأسمى من الخلقة.

بعضٌ من آداب المائدة:

الأوّل: الوضوء قبل الطعام وبعده

إنَّ الشريعة الإسلاميّة أعطت الأهميّة العظيمة للنظافة، ومن الأُمور الّتي أمرتنا بالتأدب بها الوضوء وغسل اليدين قبل الطعام وبعده، فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال: “الوضوء قبل الطعام وبعده ينفي الفقر…”[71]. وفي رواية أُخرى عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: “إذا توضّأت بعد الطعام فامسح عينيك بفضل ما في يديك فإنّه أمان من الرمد”[72]. ومن آداب الوضوء الّذي يسبق الطعام أن لا يستعمل الإنسان منديلاً “منشفة” ليجفّف به يديه قبل الطعام، فقد ورد في الرواية عن صفوان الجمال قال: كنّا عند أبي عبد الله عليه السلام فحضرت المائدة فأتى الخادم بالوضوء فناوله المنديل فعافه، ثمّ قال: “منه غسلنا[73]. وأمّا في الوضوء الّذي بعد الطعام فلا بأس بأن يجفّف الإنسان يديه بعده، ففي الرواية عن نزار قال: “رأيت أبا الحسن عليه السلام إذا توضّأ قبل الطعام لم يمسّ المنديل، وإذا توضّأ بعد الطعام مسَّ المنديل[74].

الثاني: البسملة والدعاء

وهي من الآداب المشهورة والمستحبّات الأكيدة، وقد ورد في الرواية عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال: “اذكروا الله عزَّ وجلَّ عند الطعام ولا تلغوا فيه: فإنّه نعمة من نِعَمِ الله يجب عليكم فيها شكره وحمده، أحسنوا صحبة النِّعم قبل فراقها، فإنّها تزول وتشهد على صاحبها بما عمل فيها[75]. وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق عليه السلام قال: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “إذا وضعت المائدة حفّها أربعة أملاك، فإذا قال العبد: “بسم الله” قالت الملائكة للشيطان: اخرج يا فاسق فلا سلطان لك عليهم. وإذا فرغوا فقالوا: “الحمد لله” قالت الملائكة: قوم أنعم الله عليهم فأدّوا الشكر لربّهم. وإذا لم يقل: “بسم الله” قالت الملائكة للشيطان: ادن يا فاسق فكل معهم. فإذا رُفعت المائدة ولم يحمدوا الله قالت الملائكة: قوم أنعم الله عليهم فنسوا ربّهم[76]. وتُستحب التسمية على كلّ صنف من أصناف الطعام الموجود على المائدة، وإذا كان الشخص ممّن ينسى ذلك عليه أن يعمل بما أوصى به الإمام الصادق عليه السلام فقد روي عنه عليه السلام: “أنَّ من نسي أن يُسمّي على كلِّ لون فليقل: “بسم الله على أوّله وآخره[77].

الثالث: إطالة الجلوس‏

ومن الآداب المهمّة أن يطيل الإنسان مكوثه أثناء تناوله للطعام، وأن لا يستعجل في الانتهاء، لأنَّ الوقت الّذي يتناول الإنسان فيه طعامه لا يسأله الله تعالى عنه، فقد ورد في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام قال: “أطيلوا الجلوس على الموائد، فإنّها ساعة لا تُحسب من أعماركم”[78].

الرابع: تناول الفُتات‏

من المستحبّات الشرعيّة أن يتناول الإنسان الفُتات المتساقط من الطعام، حيث ورد في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “من وجد كسرة أو تمرة فأكلها لم تفارق جوفه حتّى يغفر الله له[79]. ومن الثواب الّذي أعدّه الله تعالى لهذا العمل الّذي يتصوره الإنسان عملاً قليلاً ما ورد في الرواية عن الإمام الرضا عليه السلام، عن أبيه عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “ما سقط من المائدة مهور الحور العين”[80]. فمن أحبَّ أن يدفع مهر الحور العين قبل أن يدخل الجنّة فما عليه إلّا أن يستنّ بسنّة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام ويقوم بهذا العمل القليل ذي الأجر العظيم.

 الخامس: الافتتاح بالملح والاختتام به

ومن الآداب المشهورة والسنن المأثورة أيضاً أن يفتتح الإنسان الطعام بتناول حبّات قليلة من الملح وأن يختتم طعامه بها أيضاً، حيث ورد في الرواية أنَّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال للإمام عليّ عليه السلام: “يا عليّ افتح بالملح واختتم به، فإنّه شفاء من سبعين داء، منها الجنون والجذام والبرص ووجع الحلق ووجع الأضراس ووجع البطن[81]. وقد أثبت العلم الحديث هذه الفائدة الّتي ذكرها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حيث تقول الدراسات العلميّة الحديثة: إنّ تناول الملح قبل الطعام يفيد في الحفاظ على صحة الأسنان وحمايتها من الأمراض الّتي تعرض عليها كالالتهاب والتسوس وغيرها…

 السادس: أن يأكل الإنسان من أمامه

قد جرت العادة على أن يأكل كلّ إنسان من أمامه أي من الطعام الّذي في جهته، وكذا يعتبر العرف أنَّ الأكل من أمام الآخرين من العادات السيّئة، والشرع أدّبنا على أن نكون كذلك، ففي الرواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا وضعت المائدة بين يدي الرجل فليأكل مما يليه. ولا يتناول ممّا بين يدي جليسه…”[82].

السابع: إطعام من يشتهي

من الآداب العظيمة الّتي جاء بها الإسلام أن يتعلّم الإنسان المواساة في أمور دنياه فيواسي المسكين في طعامه إذا وقف ينظر إليه أثناء تناوله له، ففي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “من أكل وذو عينين ينظر إليه ولم يواسه ابتلي بداءٍ لا دواء له”[83]. بل أكثر من ذلك فإنّ أئمّة أهل البيت عليهم السلام علّمونا أن نواسي حتّى الحيوان إذا وقف أمامنا أثناء الطعام، ففي الرواية: رأيت الحسن بن عليّ عليه السلام يأكل وبين يديه كلب، كلّما أكل لقمة طرح للكلب مثلها، فقلت له: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “ألا أَرْجُمُ هذا الكلب عن طعامك؟ قال: دعه، إنّي لأستحيي من الله تعالى أن يكون ذو روح ينظر في وجهي وأنا آكل ثم لا أطعمه[84]. وهنا تتجلّى عظمة الدين الإسلاميّ الّذي أعطى الاهتمام حتّى لمشاعر الحيوان، وهو حيوان، فما بالك بما أوصى به الإسلام من حُسْنِ الجوار والعطف على الفقراء وغيرها من الأحكام الّتي تتضمّن البعد الاجتماعيّ الراقي.

 الثامن: عدم الأكل باليد اليسرى‏

ومن الآداب الّتي حثّت عليها الروايات أيضاً أن لا يأكل الإنسان أو يشرب بيده اليسرى، بل يباشر الطعام بيده اليمنى، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه كره أن يأكل بشماله أو يشرب بها أو يتناول بها[85].

التاسع: عدم الأكل أثناء المشي‏

والأكل أثناء المشي من الأمور الّتي لا يحبّذها العرف، وخصوصاً للإنسان المؤمن أو العالم، بل إنَّ هذا العمل مما يسقط هيبة الإنسان واعتباره من أعين الناس، وقد ورد النهي عن ذلك في الروايات، ففي الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: “لا تأكل وأنت تمشي إلّا أن تضطّر إلى ذلك[86].

 العاشر: عدم أكل الطعام حارّاً

ففي الرواية عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: “أقروا الحارّ حتّى يبرد، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرّب إليه طعام حارّ فقال: أقرّوه حتّى يبرد، ما كان الله عزَّ وجلَّ ليطعمنا النار، والبركة في البارد[87]، وأكل الطعام حارّاً مما يسبّب الأمراض المعوية كما يقول الأطباء.

ومن الآداب الشرعيّة أيضاً أن لا ينفخ الإنسان في الطعام الحارّ، فقد ورد في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام في حديث مناهي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: “ونهى أن ينفخ في طعام أو شراب[88]، ولعلَّ في ذلك تدريباً للإنسان على خصلة الصبر وعدم الإسراع في الانجرار وراء رغبات النفس وشهواتها.

 لياقات المناسبات

1- التعزية

التعزية هي تفعلة من العزاء أي الصبر، يقال: عزّيته أي صبّرته، والمراد بها طلب التسلّي عن المصائب والتصبّر عن الحزن والانكسار بإسناد الأمر إلى الله ونسبته إلى عدله وحكمته، وذكر ما وعد الله على الصبر مع الدعاء للميت والمصاب لتسليته عن المصيبة وهي مستحبة إجماعاً ولا كراهة فيها بعد الدفن عندنا[89]. بل إنّها تكون بعد الدفن فعن الإمام الصادق عليه السلام: “التعزية الواجبة بعد الدفن”[90]. والتعزية هي نوعٌ من التضامن الاجتماعيّ بين المؤمنين، وهي من الواجبات الاجتماعيّة لدى أغلب المجتمعات البشريّة، أما في الإسلام فلها أسلوب خاص أراده الله تعالى وعلّمنا إيّاه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فما هو فضل التعزية وكيف نعزّي الآخرين؟.

فضلُ التعزية

ورد عن رسول الله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “من عزّى مصاباً كان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجر المصاب شيء”[91]. وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “من عزّى حزيناً كُسي في الموقف حلّة يحبر بها”[92]. وكلّنا يعلم ما في الصبر على المصيبة من أجرٍ كبيرٍ وعظيمٍ عند الله عزَّ وجلَّ، فبمجرّد ذهاب الإنسان المؤمن للتعزية بفقيد، فإنّ أجر الصبر على المصيبة الّذي كُتب لصاحب العزاء، سيكتب للمعزّي أيضاً من دون أن ينقص من أجر صاحب المصيبة.

كيف نعزّي؟

إنّنا كأتباع لشريعة الإسلام، ننظر كيف كان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وأهل البيت عليهم السلام يعزّون، لنستنّ بسنّتهم، ونكون لهم من المتّبعين. ففي الرواية أنّه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحدق به أصحابه فبكوا حوله، واجتمعوا، فدخل رجل أشهب اللحية، جسيم صبيح، فتخطّى رقابهم فبكى، ثم التفت إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: “إنّ في الله عزاء من كلِّ مصيبة، وعوضاً من كلِّ فائت، وخلفاً من كلِّ هالك، فإلى الله فأنيبوا، وإليه فارغبوا، ونظره إليكم في البلاء فانظروا، فإنَّ المصاب من لم يؤجر”.

فقال بعضهم لبعض: تعرفون الرجل؟ فقال عليّ عليه السلام: “نعم، هذا أخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخضر عليه السلام”[93]. وقد عزّى الإمام الصادق عليه السلام قوماً فقال لهم: “جبر الله وهنكم، وأحسن عزاكم، ورحم متوفاكم[94]. الإمام الرضا عليه السلام في تعزيته للحسن بن سهل: “التهنئة بآجل الثواب أولى من التعزيّة على عاجل المصيبة[95]. وفي الرواية أنّه كتب الإمام الجواد عليه السلام إلى رجل: “ذكرت مصيبتك بعليّ ابنك وذكرت أنّه كان أحبّ ولدك إليك وكذلك الله عزَّ وجلَّ إنّما يأخذ من الوالد وغيره أزكى ما عند أهله ليعظّم به أجر المصاب بالمصيبة فأعظم الله أجرك وأحسن عزاك وربط على قلبك إنّه قدير وعجّل الله عليك بالخلف، وأرجو أن يكون الله قد فعل إن شاء الله تعالى[96].

وفي رواية أخرى: عزّى الإمام الصادق عليه السلام رجلاً بابن له فقال عليه السلام: “الله خير لابنك منك، وثواب الله خير لك من ابنك، فلمّا بلغه جزعه بعد عاد إليه فقال عليه السلام له: قد مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما لك به أسوة؟ فقال: إنه كان مرهقاً فقال عليه السلام: إنَّ أمامه ثلاث خصال: شهادة أن لا إله إلّا الله، ورحمة الله، وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلن تفوته واحدة منهن إن شاء الله[97].

2- تهنئة الحاجّ والمعتمر

من المناسبات الّتي يتحقّق من خلالها التواصل بين أفراد المجتمع الإسلاميّ الواحد، تهنئة العائدين من الحجّ والعمرة، ولهذا العمل فضلٌ كبيرٌ عند الله وأثرٌ كبيرٌ على النفوس، وقد ورد في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام قال: “كان عليّ بن الحسين عليه السلام يقول: يا معشر من لم يحجّ، استبشروا بالحاجّ وصافحوهم وعظّموهم، فإنّ ذلك يجب عليكم تشاركوهم في الأجر[98]. وفي رواية أخرى عنه عليه السلام: “من عانق حاجّاً بغباره كان كأنّما استلم الحجر الأسود[99]. كما أنّه يستحب المبادرة لتهنئة الحجّاج العائدين في وقت قريب من عودتهم، لأنّ الحاجّ يعود من مكة والمدينة مطهراً من الذنوب وصفحته بيضاء كما ولدته أمه، وقد ورد في الرواية كان عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام يقول: “بادروا بالسلام على الحاجّ والمعتمر ومصافحتهم من قبل أن تخالطهم الذنوب”[100]. وجرت العادة أن يُهنّأ الحاج بعبارات تليق بهذه المناسبة من مثل حجّاً مبروراً وسعياً مشكوراً إلّا أنّه ورد في الروايات الشريفة بعض من الأقوال الّتي أوصى بها أهل البيت عليهم السلام، ومنها ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في حديث الأربعمائة… وإذا هنأتموه فقولوا له: “قَبِل الله نسكك، ورحم سعيك، وأخلف عليك نفقتك، ولا جعله آخر عهده ببيته الحرام”[101]. وفي رواية أخرى أنّه لقي “مسلم” مولى الإمام الصادق عليه السلام صدقة الأحدب وقد قدم من مكة فقال له مسلم: “الحمد لله الّذي يسّر سبيلك، وهدى دليلك، وأقدمك بحال عافية، وقد قضى الحجّ وأعان على السعة، فقبل الله منك، وأخلف عليك نفقتك، وجعلها حِجّة مبرورة، ولذنوبك طهوراً. فبلغ ذلك أبا عبد الله عليه السلام فقال له: كيف قلت لصدقة؟ فأعاد عليه فقال عليه السلام: من علّمك هذا؟ فقال: جعلت فداك، مولاي أبو الحسن عليه السلام، فقال له: نِعْمَ ما تعلّمت إذا لقيت…”[102]. وفي رواية أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول للقادم من مكّة: “قبل الله منك وأخلف عليك نفقتك، وغفر ذنبك”[103].

 اللياقات العامّة

هُناك بعضٌ من اللياقات الّتي لم تندرج ضمن الفصول السابقة، وهي لياقات ليس لها علاقة بالمناسبة، بل هي من لياقات متفرّقة أشارت لها الروايات الشريفة، وسنتعرّض لها في هذا الفصل الأخير من هذا الكتاب، ومن هذه اللياقات:

تسميت العاطس‏

العطسة حالة تصيب الإنسان، وقد جعلها الله صحّة للبدن، وقد أثبت لها العلم الحديث فوائد كثيرة، منها أنّها تطرد بعض الجراثيم الموجودة في البدن، وتنشّط الجسم بكلّ خلاياه، وعن رسول الله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “العطاس للمريض دليل العافية وراحة للبدن”[104]. وقد ورد في الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام: “نِعْمَ الشي‏ء العطسة تنفع في الجسد، وتذكّر بالله عزَّ وجلَّ”[105]. وفي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام قال: “العطاس ينفع في البدن كلّه ما لم يزد على الثلاث، فإذا زاد على الثلاث فهو داء وسقم”[106].

أدب السامع للعطسة

يستحبّ لمن سمع العطسة من الآخرين أن يسمّتهم ففي الرواية: “كنّا عند أبي عبد الله “الصادق” عليه السلام فأحصيت في البيت أربعة عشر رجلاً فعطس أبو عبد الله عليه السلام فما تكلّم أحد من القوم فقال أبو عبد الله عليه السلام: ألا تسمّتون، ألا تسمّتون، من حقّ المؤمن على المؤمن إذا مرض أن يعوده، وإذا مات أن يشهد جنازته، وإذا عطس أن يسمته، وإذا دعاه أن يجيبه”[107]. وأما كيفية التسميت، فتجيبنا عنه الرواية الأخرى: كان الإمام الباقر عليه السلام إذا عطس فقيل له: “يرحمك الله قال: يغفر الله لكم ويرحمكم، وإذا عطس عنده إنسان قال: يرحمك الله عزَّ وجلَّ[108]. وفي رواية أنّه: عطس غلام لم يبلغ الحلم عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: الحمد لله، فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: “بارك الله فيك”[109]. وينبغي لفت النظر هنا إلى حُسْن التسميت حتّى لمن لم يكن مسلماً، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام قال: “عطس رجل نصراني عند أبي عبد الله عليه السلام فقال له القوم: هداك الله، فقال أبو عبد الله عليه السلام: فقولوا: يرحمك الله، فقالوا له: إنه نصراني؟! فقال عليه السلام: لا يهديه الله حتّى يرحمه[110].

أدب العاطس

من الأدب للعاطس أن يذكر الله تعالى ويحمده، ففي الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام قال: “إذا عطس الرجل فليقل: الحمد لله (ربّ العالمين) لا شريك له، وإذا سمت الرجل فليقل: يرحمك الله، وإذا ردّ فليقل: يغفر الله لك ولنا: فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سُئل عن آية أو شي‏ء فيه ذكر الله فقال: كلّ ما ذكر الله فيه فهو حسن[111]. وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا عطس المرء المسلم ثم سكت لعلّة تكون به قالت الملائكة عنه: الحمد لله ربّ العالمين، فإن قال: الحمد لله ربّ العالمين قالت الملائكة: يغفر الله لك”[112].

توقير ذي الشيبة المسلم‏

لقد دعانا الإسلام لاحترام ذوي الشيبة من المؤمنين وكبار السنّ عامة، بل عدّ من يجهل حقّهم منافقاً، ففي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام قال: “ثلاثة لا يجهل حقّهم إلّا منافق معروف بالنفاق: ذو الشيبة في الإسلام، وحامل القرآن، والإمام العادل”[113].

ولهذه الدعوة فائدتان أساس:

الأولى: أنّ في احترام كبار السنّ إشعاراً لهم بمكانتهم وأنّهم مهما كبروا فإنَّ مكانتهم بين أفراد المجتمع محفوظة، لأنّهم أصحاب التجارب الطويلة والخبرة العميقة بتفاصيل الحياة.

والثانية: أنّ احترام الكبار فضلاً عن كونه من الأخلاق النبيلة، فإنّه ممّا وعد عليه الله تعالى الثواب الكبير وهذا ما تدلّ عليه الروايات الكثيرة منها:

ما روي عن رسول الله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “من وقّر ذا شيبة في الإسلام آمنه الله عزَّ وجلَّ من فزع يوم القيامة”[114]. وقد عدّت بعض الروايات إجلال كبار السنّ إجلالاً لله تعالى، ففي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: “إنّ من إجلال الله عزَّ وجلَّ إجلال الشيخ الكبير”[115]. وكما حثّت الروايات الشريفة على احترام الكبار فإنّها نهت عن الاستخفاف بهم، ففي الرواية: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: “من إجلال الله عزَّ وجلَّ إجلال المؤمن ذي الشيبة، ومن أكرم مؤمناً فبكرامة الله بدأ، ومن استخفّ بمؤمن ذي شيبة أرسل الله إليه من يستخفّ به قبل موته[116].


                                                                                                                 

[1] سورة النساء, الآية: 86.

[2] سورة يونس: الآية: 10.

[3] سورة إبراهيم, الآية: 23.

[4] الكافي, الشيخ الكليني, ج2, ص 181.

[5] ميزان الحكمة, محمد الريشهري, ج2, ص 1348.

[6] م.ن, ج2, ص 1348.

[7] م.ن, ج2, ص 1349.

[8] م.ن, ج2, ص 1349.

[9] الكافي, الشيخ الكليني, ج2, ص 181.

[10] ميزان الحكمة, محمد الريشهري, ج2, ص 1349.

[11] م.ن, ج2, ص 1349.

[12] م.ن, ج2, ص 1349.

[13] ميزان الحكمة, محمد الريشهري, ج2, ص 1348.

[14] م.ن, ج2, ص 1348.

[15] سورة النور, الآية: 61.

[16] ميزان الحكمة, محمد الريشهري, ج2, ص 1349.

[17] سورة النساء, الآية: 61.

[18] ميزان الحكمة, محمد الريشهري, ج2, ص 1349.

[19] م.ن, ج2, ص1350.

[20] م.ن, ج2, ص 1350.

[21] م.ن, ج2, ص 1351.

[22] الكافي, الشيخ الكليني, ج2, ص 181.

[23] م.ن, ج2, ص 181.

[24] سورة ق, الآية: 18.

[25] الكافي, الشيخ الكليني, ج2, ص 181.

[26] م.ن, ج2, ص 183.

[27] م.ن, ج2, ص 182.

[28] الكافي, الشيخ الكليني, ج2, ص 183.

[29] الكافي, الشيخ الكليني, ج2, ص 184.

[30] ميزان الحكمة, محمد الريشهري, ج1, ص 262.

[31] م.ن, ج1, ص 262.

[32] ميزان الحكمة, محمد الريشهري, ج1, ص 262.

[33] م.ن, ج1, ص 262.

[34] م.ن, ج1, ص 262.

[35] ميزان الحكمة, محمدي الريشهري, ج2, ص 1192.

[36] م.ن, ج2, ص 1193.

[37] مستدرك الوسائل, الميرزا, النوري, ج61, ص 239.

[38] مشكاة الأنوار, علي الطبرسي, ص 363.

[39] م.ن, ص 363.

[40] مشكاة الأنوار, علي الطبرسي, ص 363.

[41] م.ن, ص 364.

[42] م.ن, ص 365.

[43] ميزان الحكمة, محمدي الريشهري, الحديث, 11101.

[44] ميزان الحكمة, الحديث 11098.

[45] م.ن, الحديث 11102.

[46] م.ن, الحديث 11103.

[47] م.ن, الحديث 11100.

[48] م.ن, الحديث 11105.

[49] م.ن, الحديث 11106.

[50] بحارالأنوار, ج72, ص447.

[51] المحاسن, ج2, ص 180.

[52] تنبيه الخواطر, ج2, ص 116.

[53] م.ن, ج2, ص 116.

[54] الكافي, ج6, ص 283.

[55] كنز العمال, الحديث 25876.

[56] عيون أخبار الرضا عليه السلام, ج2, ص42.

[57] نهج البلاغة, أمير المؤمنين عليه السلام, ج4, ص110.

[58] المحاسن, ج2, ص 179.

[59] بحار الأنوار, ج75, ص 451.

[60] المحاسن, ج2, ص439.

[61] يقال جاءتنا لطفة من فلان أي هديّة, الصحاح, الجوهري, ج4, ص142.

[62]  المحاسن, ج2, ص439.

[63] ميزان الحكمة, محمدي الريشهري, الحديث, 1721.

[64] م.ن, ج2, ص1721.

[65] م.ن, ج1, ص88.

[66] م.ن, ج1, ص88.

[67] م.ن, ج1, ص89.

[68] م.ن, ج1, ص88.

[69] م.ن, ج1, ص88.

[70] م.ن, ج1, ص91.

[71] مكارم الأخلاق, الشيخ الطبرسي, ص140.

[72] م.ن, ص140.

[73] م.ن, ص140.

[74] مكارم الأخلاق, الشيخ الطبرسي, ص140.

[75] مكارم الأخلاق, الشيخ الطبرسي, ص140.

[76] م.ن, ص142.

[77] م.ن, ص143.

[78] م.ن, ص141.

[79] م.ن, ص141.

[80] مكارم الأخلاق, الشيخ الطبرسي, ص141.

[81] م.ن, ص142.

[82] م.ن, ص149.

[83] ميزان الحكمة, محمدي الريشهري, ج1, ص92.

[84] م.ن, ص92.

[85] مكارم الأخلاق, الشيخ الطبرسي, ص142.

[86] م.ن, ص145.

[87] ميزان الحكمة, محمدي الريشهري, ج1, ص92.

[88] م.ن, ص145.

[89] الكافي, الشيخ الكليني, ج3, ص203.

[90] م.ن, ج3, ص204.

[91] الكافي, الشيخ الكليني, ج3, ص205.

[92] م.ن, ج3, ص205.

[93] ميزان الحكمة, محمدي الريشهري, ج3, ص1972.

[94] م.ن.

[95] م.ن.

[96] الكافي, الشيخ الكليني, ج3, ص203.

[97] م.ن, ص204.

[98] وسائل الشيعة (آل البيت) الحر العاملي, ج11, ص445.

[99] م.ن, ج11, ص446.

[100] وسائل الشيعة (آل البيت) الحر العاملي, ج11, ص445.

[101] م.ن, ج11, ص447.

[102] م.ن, ج11, ص447.

[103] م.ن, ج11, ص 446.

[104] الكافي, الشيخ الكليني, ج2, ص656.

[105] م.ن, ص654.

[106] الكافي, الشيخ الكليني, ج2, ص656.

[107] م.ن, ج2, ص657.

[108] م.ن, ج2, ص655.

[109] م.ن, ج2, ص655.

[110] م.ن, ج2, ص656.

[111] م.ن, ج2, ص655.

[112] م.ن, ج2, ص656.

[113] م.ن, ج2, ص 658.

[114] م.ن, ج2, ص658.

[115] م.ن, ج2, ص658.

[116] م.ن, ج2, ص658.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق