علوم القرآن

السياق

التعريف الاصطلاحي للسياق

التعريف الاصطلاحي للسياق:

بناء نصي كامل من فقرات مترابطة، في علاقته بأي جزء من أجزائه أو تلك الأجزاء التي تسبق أو تتلو مباشرة فقرة أو كلمة معينة. و دائماً ما يكون السياق مجموعة من الكلمات وثيق الترابط بحيث يلقي ضوء لا على معاني الكلمات المفردة فحسب بل على معنى وغاية الفقرة بأكملها» – إبراهيم فتحي، معجم المصطلحات الأدبية

رواد نظرية السياق:

عرفت مدرسة لندن بما سمي بالمنهج السياقي Contextual Approach أو المنهج العملي Operational Approach

وكان رائد هذا الاتجاه Firth الذي وضع تأكيداً كبيراً على الوظيفة الاجتماعية للغة، كما ضم الاتجاه أسماء مثل: Halliday وMc Intosh ، و Sinclair، و Mitchell.

و عدَّ Lyons أحد التطوريين الهامين المرتبطين بفيرث (( نظريته السياقية للمعنى ))

ان دراسة معاني الكلمات تتطلب تحليلا للسياقات والمواقف التي ترد فيها، حتى ما كان منها غير لغوي (8). ومعنى الكلمة – وعلى هذا – يتعدد تبعاً لتعدد السياقات التي تقع فيها أو بعبارة أخرى تبعاً لتوزعها اللغوي Distribution Linguistic.

أنماط السياق

تتطلب دراسة معاني الكلمات عند أصحاب نظرية السياق تحليلاً للسياقات والمواقف التي ترد فيها، حتى ما كان منها غير لغوي

ومن التقسيمات الشائعة:

السياق اللغوي هو حصيلة استعمال الكلمات داخل نظام الجملة، عندما تتساوق مع كلمات أخرى، مما يكسبها معنى خاصاً محدداً. فالمعنى في السياق هو بخلاف المعنى الذي يقدمه المعجم، لأن هذا الأخير متعدد ومحتمل، في حين أن المعنى الذي يقدّمه السياق اللغوي هو معنى معين له حدود واضحة وسمات محددة غير قابلة للتعدد أو الاشتراك أو التعميم( اختيار المفردات التي لا إشكال فيها)

السياق العاطفي و الذي يحدد طبيعة استعمال الكلمات بين دلالتها الموضوعية – التي تفيد العموم  ودلالتها العاطفية – التي تفيد الخصوص-، فيحدد درجة القوة والضعف في الانفعال، مما يقتضي تأكيداً أو مبالغةً أو اعتدالاً، كما تكون طريقة الأداء الصوتية كافية لشحن المفردات بالكثير من المعاني الانفعالية والعاطفية

سياق الموقف يدل هذا السياق على العلاقات الزمانية والمكانية التي يجري فيها الكلام.وإن مراعاة المقام تجعل المعلم يعدل عن استعمال الكلمات التي تنطبق على الحالة التي يصادفها خوفاً أو تأدباً. بل قد يضطر المتكلم إلى العدول عن الاستعمال الحقيقي للكلمات فيلجأ إلى التلميح دون التصريح.وإن ما يؤديه المقام للمعنى من تحديد ومناسبة ظرفية، يتطلب من المتكلم الإلمام بالمعطيات الاجتماعية التي يجري الكلام فيها. (اختيار مفردات تربوية محايدة )

السياق الحضاري ينفرد هذا السياق بدور مستقل عن سياق الموقف الذي يقصد به عادة المقام من خلال المعطيات الاجتماعية. لكنَّ هذا لا ينفي دخول السياق الحضاري ضمن معطيات المقام عموماً. ويظهر السياق الحضاري في استعمال كلمات معينة في مستوى لغوي محدّد ويحدّد السياق الحضاري الدلالة المقصودة من الكلمة التي تستخدم استخداماً عاماً كما ئؤدي ارتباط الكلمات بحضارة معينة لتكون علامة لانتماء عرقي أو ديني أو سياسي(مفردات تتلاءم وحضارة المنطقة)

ما كان السياق أصلا عظيماً في تفسير كلام الله تعالى وبيان معناه، فقد توجه بعض الدارسين لاستخلاص القواعد والضوابط المتعلقة بالسياق من كلام المفسرين والعلماء المحققين ليكون منهجاً ثابتاً يجب مراعاته في تفسير كلام الله تعالى

القواعد والضوابط العامة في السياق:

أولاً: أن السياق القرآني أصل معتبر في تفسير كلام الله تعالى.
هذه القاعدة هي أساس قواعد السياق، فأول ما يجب اعتباره في السياق أمران:

1- أنه ثابت جار في كلام الله تعالى؛ إذ لا يخلو كلام من سياق يدل على مراد المتكلم. وهذا أمر متفق عليه.

قال الزركشي: “دلالة السياق أنكرها بعضهم، ومن جهل شيئاً أنكره، وقال بعضهم: إنها متفق عليها في مجاري كلام الله تعالى”([1]).

2- أنه من أعظم وأول ما يجب اعتباره في التفسير كما تقرر في مبحث منزلة السياق بين قرائن الترجيح. وقد قرر ذلك العلماء.

قال الزركشي: “ليكن محط نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سيق له، وإن خالف أصل الوضع اللغوي لثبوت التجوز”([2]).

وقال السيوطي في الإتقان: “على المفسر مراعاة التأليف والغرض الذي سيق له ([3]).

ثانياً: أن السياق يرشد إلى المسلك الصحيح الذي يوصل إلى فهم مراد الله تعالى في كلامه.
وهذه القاعدة من أهم القواعد المتعلقة بالسياق، وهي تبين منزلة السياق في الوصول للمعنى الصحيح الذي هو مراد الله تعالى في كلامه، وذلك لأن السياق هو الذي يجعل الكلام متناسقاً منتظماً، وهذا هو المتوافق مع كتاب الله المحكم المعجز الذي انتظمت سوره وآياته وجمله. وتفسير كلام الله على وجه يراعي انتظامه أعظم مسلك في تفسيره، وأدعى إلى الوصول لمراد الله فيه، وبضد ذلك فإن الإعراض عن السياق يجعل الكلام متنافراً منقطعة أجزاؤه مما يجعل كلام الله متنافراً، وهو الذي يوقع في الخطأ في التفسير.

قال ابن القيم : “السياق يرشد إلى تبيين المجمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره، وغالط في مناظرته”([4]).

ثالثاً: أن تعيين السياق مبني على الاجتهاد والعلم بأصوله وقواعده.
السياق – كما تقرر – ثابت أصلاً في كلام الله تعالى، لكن تعيينه يختلف بحسب فهم المفسر له وقدرته على الوصول إليه بقرائن السياق المعتبرة وأركانه، فالبحث عن السياق هو بحث عن قرينة، والقرينة موجودة علمها من علمها وجهلها من جهلها([5])، ولذا تجد الاختلاف بين المفسرين على تعيين السياق في الآية الواحدة.

وهذه القاعدة مهمة تبين لنا أنه لا يجب اعتبار السياق وتعيينه إلا بدليل ظاهر، كأن يكون السياق ظاهراً في الآية كقوله تعالى: +وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ” [الطارق 1-3] فالسياق هنا ظاهر متعين في بيان المراد بالطارق وأنه النجم الثاقب.

قال ابن دقيق العيد: “ودلالة السياق لا يقام عليها دليل، وذلك لو فهم المقصود من الكلام، وطولب بالدليل عليه لعسر فالناظر يرجع إلى ذوقه.

رابعاً: لا يجوز صرف الكلام عن سياقه إلا بحجة يجب التسليم لها.
صرف الكلام عن سياقه الذي ورد لأجله لا يجوز، لكونه مخالفاً لمراد المتكلم، إلا أن يرد دليل صحيح يدل على صرف الكلام عما دل عليه السياق، كأن يثبت في الآية نسخ.

وقد قرر هذه القاعدة ابن جرير واعتمد عليها في تفسيره، فقال في تقريرها: “فغير جائز صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره، إلا بحجة يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنزيل، أو خبر عن الرسول × تقوم به حجة، فأما الدعاوى، فلا تتعذر على أحد.

خامساً: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
هذه القاعدة الأصولية تعتبر قاعدة في السياق من جهة أنه لا عبرة بخصوص السياق الذي نزلت فيه الآية، وإنما العبرة بسياقها العام وهو ما دل عليه غرضها وحكمها العام، ولهذا جاءت ألفاظ القرآن عامة.

قال شيخ الإسلام: “والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب، هل يختص بسببه أم لا؟ فلم يقل أحد من علماء المسلمين إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال: إنما تختص بنوع ذلك الشخص فتعم ما يشبهه.

فإذا كانت الآية نازلة في سبب معين فإن هذا يبين المعنى المراد لكنه لا يعني بحال قصر الحكم في الآية على خصوص سببها.

فخصوص السبب عمدة في فهم المعنى، وعموم اللفظ عمدة في حكم الآية، إلا أن ما نزلت الآية بخصوصه قطعية الدخول في معنى الآية إذ هي الأصل فيها، لكن الآية تشمل غيره من جهة القياس على وصفه.

قال السرخسي: “وقال بعضهم: النص يكون مختصاً بالسبب الذي كان السياق له، فلا يثبت به ماهو موجب الظاهر، وليس كذلك عندنا، فإن العبرة لعموم الخطاب لا لخصوص السبب، فيكون النص ظاهراً لصيغة الخطاب، نصاً باعتبار القرينة التي كان السياق لأجلها.

وقال السيوطي: “إن صورة السبب قطعية الدخول في العام، وقد تتنزل الآيات على الأسباب الخاصة، وتوضع مع ما يناسبها من الآي العامة رعاية لنظم القرآن وحسن السياق.

وضرب لذلك مثلاً بقوله تعالى: +وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى” [الليل 17-18] فإنها نازلة في أبي بكر الصديق بالإجماع ومع كونها فيه ثناء عليه إلا أن الصيغة العامة التي وردت فيها تفيد أن هذا الحكم ليس مقصوراً عليه.

ولهذا فإنه كثيراً ما تكون الآيات نازلة بحال معين أو حدث خاص أو شخص مقصود، إلا أنها تأتي بصيغة العموم فتعم غيره من جهة الوصف؛ لأن القرآن عام في حكمه، إلا أنه يجب اعتبار ما نزلت فيه الآية في بيان المعنى ابتداءً؛ لأنه المحدد للوصف وللغرض من الآية.

قال السعدي: “قاعدة: وتدبر هذه النكتة التي يكثر مرورها بكتاب الله تعالى؛ إذا كان السياق في قصة معينة، أو على شيء معين، وأراد الله أن يحكم على ذلك المعين بحكم لا يختص به، ذكر الحكم وعلقه على الوصف العام، ليكون أعم، وتندرج فيه الصورة التي سيق الكلام لأجلها، ليندفع الإيهام باختصاص الحكم بذلك المعين”.

 

-1 البحر المحيط في أصول الفقه)).

-2 البرهان في علوم القرآن)) (1/36).

-3 الإتقان في علوم القرآن)) (1/185).

-4 بدائع الفوائد)) (4/9).

5- أثر السياق في النظام النحوي).

معلومات عن سياق على موقع enciclopedia.cat”. enciclopedia.cat.

معجم المصطلحات الأدبية، إعداد: إبراهيم فتحي، دار شرقيات للنشر والتوزيع، الطبعة أولى– القاهرة

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق