تربية وثقافةتنمية

الحياة الزوجيَّة (2)

فوائد الزواج

1ـ الزواج سكن للنّفس:

يُعتبر الزواج عاملاً لإيجاد السكن والاطمئنان النفسيّ لدى كلٍّ من الرجل والمرأة، ولذلك نجد أحدهما ناقصاً بدون الآخر، وهما في الحقيقة يشكّلان وجوداً متكاملاً إذ يستند كلٌّ منهما إلى شريكه، فإنّ المرأة، كما يقرّه القرآن الكريم والعلوم الطبيعيّة والنفسيّة، هي موطن سكن الرجل واستقراره، وهو كذلك بالنسبة إليها، ونلاحظ أنّ وصف (السكن) استُخدم في الكتاب الكريم ضمن الحديث عن خلق نعمة الليل للنوم، وعن خلق الأزواج ـ فحال الّذي لا زوجة له وحال الّتي لا زوج لها هما كحال الشخص الّذي يفتقد الراحة والنوم، وهذا جزء يسير من مدلول قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (سورة الروم, الآية: 21).

وبسبب ما للتبادل بين الطرفين الموجب والقابل من نتائج، كان الجعل منه، سبحانه، مودّة ورحمة ليتّضح محلُّ كلٍّ من الزوجين في هذا التركيب المبارك، كما أحبّه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

فعلى هذه الحالة من المودَّة والرحمة خلقهما تعالى. وإذا لم نحطِّم هذا العامل الاستقراريّ الباعث للطُّمأنينة المتبادلة، فإنَّ الزوجين يتبادلان طبيعيّاً هذا التأثير. وتَعْساً لحال البيت الّذي يفتقد ذلك! فهو مثل الفاقد لراحة النوم، ونعرف ما يصل إليه حال الّذي يُعدم النوم من اضطرابٍ وإرهاقٍ ذهنيٍّ وسقم جسديٍّ وهيجان قوّة التخيُّل.

2ـ كِلا الزوجين زينة للآخر:

ومثلما يوضح القرآن أنّ كُلًّا من الرجل والمرأة عامل استقرار للآخر، يؤكّد كذلك أنَّ كلًّا منهما زينة للآخر، يقول  تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ (سورة البقرة, الآية: 187).

ولـ “لباس” هنا ثلاثة معانٍ، أحدها هو “الزينة” فيكون المعنى هو أنّ المرأة زينة للرجل مثلما اللباس زينة له.

والأمر نفسُه يصدق على الرجل بالنسبة إلى المرأة، ويشهد على هذا المعنى أنّ القرآن أطلق مفردة “الزينة” في الحديث عن اللباس، مثل قوله  تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (سورة الأعراف, الآية: 31).

فالمراد هنا، هو الأمر بارتداء الألبسة الجميلة عند الخروج والذهاب إلى صلوات الجماعة والجمعة والاهتمام بالنظافة والزينة.

وعليه يكون معنى ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ أنّ النساء زينة لكم وأنتم زينة لهنّ والمعنى الآخر للآية هو أنّ الزواج يحصِّن الرجل والمرأة من الانحراف. والمعنى الثالث هو أن كلًّا من الرجل والمرأة سترٌ للآخر.

فالآية الكريمة تؤكِّد أنّ الرجل والمرأة كلٌّ منهما زينة للآخر، فيجب حفظ هذه الزينة، وقد تقدّم معنا ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: “المرأة قلادة فانظر ما تتقَلَّد”.

ولذلك، يجب الاهتمام باختيارها، ثمّ يتابع عليه السلام التأكيد لأهميَّة أمر الاختيار، فيقول: “ليس للمرأة خطر، لا لصالحتهنَّ ولا لطالحتهنَّ، أمَّا صالحتهنَّ، فليس خطرها الذهب والفضّة، بل هي خيرٌ من الذهب والفضّة. وأمَّا طالحتهنّ، فليس التراب خطرها، بل التراب خيرٌ منها” (جامع أحاديث الشيعة, ج20, كتاب النكاح, ص 57, حديث رقم 196 نقلاً عن فروع الكافي, ج5, ص 332).

والأمر نفسُه يصدق على الرجل، فلو كان يتحلّى بالخُلُق الرفيع وكانت زوجته راضية عنه، فهو نعمة كبرى للمرأة تفوق كلّ الدنيا وما فيها.

فالإمام الصادق عليه السلام يُبيِّن هنا، أنّ على الزوجين أن يعرفا عظمة قدر النعمة الّتي هما فيها، إذا كانا منسجمين في ما بينهما، وكان كلٌّ منهما زينة للآخر.

3ـ موطن السلوى والسرور:

إضافةً إلى كون كلٍّ من الزوجين سكناً وزينة للآخر، فإنّ كلًّا منهما سلوى وعامل للترفيه عن شريكه، وأفضل عامل في هذا المجال، إذا كان البيت هو حقّاً كما يريده الإسلام، وكان سلوك كلٍّ منهما على وفق تعاليمه.

ولذلك فإنّ الأزواج الناجحين هم من تتطلَّع قلوبهم دوماً إلى بيوتهم والعودة إليها بعد انتهاء عملهم اليوميّ،

لكي يُذهبوا عن أنفسهم فيها التعب والنصب والهموم، ويستعيدوا الحيويّة والنشاط. وكذلك الزوجة الناجحة، فهي الّتي تحرص على انتظار زوجها لتفتح له الباب بنفسها، وتزيل تعبه ونَصَبَه بنظرة وابتسامة واحدة، واستقبالٍ تكريميٍّ يحمل في أعماقه أجمل المعاني المعبّرة عن دورها السامي واشتراكها معه سواء في حضوره أم غيابه.

ولهذا يقول النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “ما استفاد امرؤ مسلم فائدة، بعد الإسلام، أفضل من زوجة مسلمة تسرُّه إذا نظر إليها” (وسائل الشيعة, ج14, ص 23).

نلاحظ أنّ الروايات الشريفة تعتبر المرأة الصالحة أفضل من الذهب والفضّة، بل لا تعتبر شيئاً، بعد الإسلام، أعظم قيمة منها.

فعلى الرجل الّذي يحظى بامرأة من هذا النوع، كما على المرأة الّتي تحظى بزوج صالح، يبعث كلٌّ منهما السرور لدى الآخر، أن يحمدا الله على ذلك كثيراً.

والّذي يريده الإسلام هو أن يكون البيت الزوجيّ مبعثاً للسرور والاستقرار والراحة والأمل بالمستقبل الزاهر الواعد.

وأفضل أشكال السرور هو الرفقة الودِّيَّة بين الزوج والزوجة، فعلى الأزواج أن يتعاملوا مع زوجاتهم بما يبعث السرور لديهنَّ، وعليهنَّ أن يفعلن مثل ذلك.

يُروى أنّ رجلاً جاء إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأخبره أنّ لديه زوجة تتعامل معه على وفق تلك الصورة المتقدِّمة الباعثة للسرور في قلبه، المزيلة للتعب والنَصَب عنه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: “… خيرُ نسائكم… الهيِّنة اللَّينِّة المؤاتية الّتي إذا غضب زوجها لم تكتحل (عينها) بغمض، حتّى يرضى، وإذا غاب (عنها) زوجها حفظته في غيبته، فتلك عاملةٌ من عمّال الله، وعامل الله لا يخيب” (جامع أحاديث الشيعة, ج20, ص38).

فهذه المرأة هي مثل الملائكة، وثوابها وعملها عظيمان، وكذلك حالُ الرجل إذا كان على تلك الحالة نفسِها.

وإذا زالت المحبّة والودُّ من البيت، أصبح ملوّثاً ليس للزوجين فحسب، بل يطال كلَّ أبناء الأسرة.

فإذا رأينا الأطفال ضعيفي القابليّات والمواهب، ذوي حافظة ضعيفة، وتزداد ضعفاً يوماً بعد آخر، فلنعلم أنّ، التقصير صادرٌ عنَّا، فعادة ما يكون الوالدان سبب أشكال الاضطراب الّذي يظهر عند الأطفال، فإنّه إذا انعدم الاستقرار والطمأنينة في البيت تحوَّل إلى سجن للمرأة، وعامل لانهيار الأعصاب، فلا يعود موطناً للسرور.

يحدث أحياناً أن يرغب الزوج في البقاء إلى منتصف الليل في مكان ما مع إخوانه وأصدقائه، ويفضِّل ذلك على الذهاب إلى بيته.

وأحياناً نجد الزوجة لا ترغب في النظر إلى وجه زوجها. وسبب ذلك هو تدميرنا لتلك الحالة المطلوبة في بيت الزوجيّة، وكونه محلَّ السكن، عبر الكلمات الجارحة والطلبات غير المناسبة، في حين أنّ المطلوب هو أن تظلّ تلك الحالة قائمة بين الزوجين، حتّى بعد أن يشيخا، بحيث يظهر كلٌّ منهما جميلاً في عين الآخر، فلا نتصوَّر أنّ الجمال هو فقط بهذه الزينة، لا، فالجميل الحقيقيُّ هو الّذي يكون جميلاً في عين الإنسان.

4ـ تكوين لأسرة كريمة:

إنّ تكوين الأسرة بحدِّ ذاته أمر مهمٌّ جدّاً، وله في الإسلام أبعاد لا يمكن إحصاؤها، ولا تعداد لفوائدها، ويصغر في مقابلها أمر تلبية الغريزة، على الرغم من أنّه مطلوب في قناته الصحيحة، وحيث أراده الله تعالى.

وإذا رجعنا في التاريخ نعرف أنّ الإنسان، منذ أن وُجد على الأرض، كانت له أسرة. ففي البداية كانت أسرة آدم وحواء، وما زالت هذه الظاهرة الفطريّة قائمة تعيش إلى النهاية. وقد وعد الإسلام بالثواب العظيم للأسرة الّتي تستطيع تقديم جيل صالح سليم، كما ورد في أخبار العترة الطاهرة عليهم السلام ويكفي فائدة للزواج أن يكون سبباً لهذا الأمر، وإن لم تكن له فوائد أخرى، فكيف إذا كان له ما ذكرناه وغير ذلك من الفوائد العظيمة؟!

5ـ تهذيب للنفس البشريّة:

ومن الفوائد المهمّة للزواج أنّه عامل قويٌّ ومساعد على برنامج الإسلام في تهذيب النفس، وتحلِّيها بالأخلاق الفاضلة، وتخلِّيها عن الأخلاق الرذيلة.

ومن خلاله، يمكن للإنسان إبعاد الشيطان وجنوده عن ساحة فكره وعمله، ومن هنا كان الحثُّ على الزواج في حداثة السنّ، لأنّه صيانة للنفس عن الحرام، ومعاون مهمٌّ على تربية النفس واستقامتها.

ورد عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “أيّما شابّ تزوّج في حداثة سنّه عجّ شيطانُه: يا ويلَه! عصم منِّي دينه” (ميزان الحكمة, حديث 7805).

وفي الحديث: “إذا تزوَّج العبد فقد استكمل نصف الدين فليتَّق الله في النصف الباقي (م.ن, ح7807).

وعليه، مَنْ يزهد في أن يقطع نصف الشوط، في طريقه إلى الله تعالى؟!

وكذلك للجانب العباديِّ في الزواج دوره وحضوره حيث رُوي: “مَن تزوّج فقد أُعطي نصف العبادة” (م.ن, ح7808).

وعن الإمام الصادق عليه السلام: “إنّ ركعتين يصلِّيهما رجل متزوّج أفضل من رجل يقوم ليله ويصوم نهاره أعزب” (م.ن, ح7810).

وفي حديث عن نوم  المتزوِّج، وما أعطاه الله تعالى عليه، ففي الحديث عن رسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم: “المتزوِّج النائم أفضل عند الله من الصائم القائم العَزِب” (م.ن, ح7812).

6ـ زيادة للرزق:

يقول تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة النور, الآية:32.).

وعن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “اتخذوا الأهل فإنّه أرزق لكم ( ميزان الحكمة, ح 7813).

وفي المقابل، ورد ذمُّ من يترك الزواج مخافة الفقر ويتأخّر إلى أن يتقدَّم في العمر، عازفاً عن ذلك، ومنتظراً أن يمتلك بيتاً وسيّارة ورصيداً في البنك وغير ذلك، حيث يرى أنّ من المعيب أن يتزوّج في بيت مستأجر، أو قبل أن يمتلك سيَّارة وما شاكل هذه الأمور، ممّا يُبتلى به البعض من الناس في تعامله مع قضيَّة الزواج، ويضع عثرات في طريقه.

في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: “من ترك التزويج مخافة الفقر فقد أساء الظنّ بالله عزَّ وجلَّ، إنّ الله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾” (م.ن, حديث 7817).

 

وفي الحديث: “من ترك التزويج مخافة العيلة فليس منّا” (م.ن, ح 7815).

من هنا، تعرف أنّ ظاهرة تأجيل التزويج أو تعليقه على أمور كثيرة أو صعبة المنال في القريب العاجل، غير سليمة، بل الرؤية الإسلاميّة تشجّع على الزواج المبكر مع مراعاة الشروط والحيثيّات المعتبرة فيه، من الكفاءة واللَّياقة والدِّين والأخلاق والتعاون على التقوى.

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق