تربية وثقافةتنمية

الحياة الزوجيَّة (1)

أهميَّة الزواج وفوائده

يُعتبر الزواج في الإسلام صلة شرعيّة وارتباطاً وثيقاً مباركاً بين الرجل والمرأة لحفظ النوع البشريِّ وتكوين أسرة قائمة على الفضيلة، وتترتَّب عليه حقوق وواجبات وتنشأ عنه مسؤوليّات بين الزوجين ونسلهما وما يتّصل معهما بقرابة. لذلك كان لزاماً على طالب الزواج والراغب فيه أن يُحسِن اختيار شريك حياته الزوجيَّة، فلا يصحّ أن يكون همّه مركَّزاً ومنصبّاً على أن يقترن بامرأة ذات جمال فاتن أو ثراء طائل أو من أسرة تتمتّع بجاه دنيويّ، أو من عائلة ذات مركز وسلطان من غير اهتمام بما تكون عليه من خُلُق ودين. فقد ورد عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام: “إذا تزوّج الرجل المرأة لجمالها أو لمالها أُوكِل إلى ذلك، وإذا تزوّجها لدينها رزقه الله المال والجمال (وسائل الشيعة, ج7, ص  30)

وكذلك هذا الأمر لازم على المرأة حيث عليها أن تحسن اختيار شريك حياتها؛ لأنّها في ذلك مع الرجل سواء، تجنُّباً للمشاكل الّتي تنشأ عن الارتجال والتسرُّع والإهمال، واللّامبالاة في تحديد شخصيّة الزوج والّتي إن حصلت لا تهدم حياة المرأة وحدها فحسب، بل تتجاوزها إلى هدم كيان العائلة والأولاد، فتدفع الثمن غالياً.

فالزواج، وإن كان ظاهرهُ قضيّة شخصيّة، لكنّه في نتاجه قضيّة اجتماعيّة كبرى، مساحتها العالم الّذي يعيش عليه الإنسان.

فالأسرة أو المجموعة الّتي يكوّنها الزوجان هي حجر الزاوية في بناء المجتمع أو اللّبنة الأساس الّتي يتوقّف عليها صلاح هذا البناء. وعليه فمسؤوليّة الزوجين المترتّبة على حياتهما الزوجيّة في واقعها، مسؤوليّة كبرى ومهمَّة سواءٌ قبل الإقدام على الزواج، حيث ينبغي حسن الاختيار، أو بعده حيث يجب الالتزام بتأدية الحقوق على أكمل وجه ليكتب لهما النجاح والاستمرار.

لقد تكفّلت هذه الأوراق بتسجيل ميزان الاختيار والجانبين الحقوقيّ والأدبيّ في الزواج مستهدية بشمس القرآن الكريم والسنّة المباركة وكفى لها شرفاً أن تُنسب إليهما لتمثّل دليلاً يمسك بالطرفين ويصحبهما إلى المرام المأمول، وإن صغر حجم هذا الدليل شكلاً، لكنّه كبير مضموناً وجوهراً.

أهمِيَّة الزواج وفوائده

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

“ما بُني بناء في الإسلام أحبّ إلى الله عزَّ وجلَّ من التزويج”.

أهمِيَّة البناء الزوجيّ:

إنّ الرؤية الإسلاميّة النابعة من كتاب الله سبحانه وسنّة النبيّ وآله عليهم السلام واضحة الدلالات في حثِّها وترغيبها، بل في إعطائها للزواج مكانة قلّ نظيرها حتّى ورد عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “ما بُني بناء في الإسلام أحبّ إلى الله عزَّ وجلَّ من التزويج (وسائل الشيعة, ج14, ص3)، راسماً في مبادئه وأعماله وأهدافه خطوطاً هي الضرورات في عالم الدنيا كما الآخرة، حيث لا رهبانيّةَ في الإسلام، وعلى العكس تماماً ممّا حاوله الواهمون. ولذلك كان مشروع بناء لمؤسَّسة عظيمة يديرها الزوج الّذي سيصبح أباً، وتعاونه الزوجة الّتي ستصبح أمّاً تهزّ المهد بيمينها وتهزُّ العالم بيسارها، ومدرسة يترعرع في كنفها جيل صالح، تغذِّيه بالمبادى‏ء والفضائل على أساس التكامل في الأدوار والوظائف الملقاة على عاتق كلٍّ من الشريكين في سير حياة هذه العلاقة ضمن قناتها الصحيحة. ولكي يتحقق ذلك لا بدَّ أن يكون أساس البناء قائماً على التقوى، وهو يتمّ مع معرفة كلٍّ من الشريكين للحقوق المتوجِّبة عليه، وضوابط العلاقة مع شريكه، والآداب الّتي ينبغي أن يتحلّى بها، ولم يترك الإسلام العزيز شيئاً يرتبط بهذا الشأن إلا وبيّنه بشكل تفصيليّ واضح لا يترك العذر لمخالفه على الإطلاق.

فالزواج رابطة شرعيّة تربط بين الرجل والمرأة، يحفظ بها النوع البشريّ. ولقد أجازتها الشرائع السماويّة المتقدِّمة بأجمعها، وأكّد الإسلام عليها وندب إليها الشارع هكذا في كلِّ تشريعاته.

وبناء على ما للزّواج من خطورة ومكانة مهمّة في النظام الاجتماعيّ، تولّى الشارع المقدَّس رعايته بدقّة وتفصيل، حيث فصّل قواعده، وحدّد أحكامه منذ اللحظات الأولى للتفكير فيه حتّى إتمامه، حيث يتمُّ الاستمتاع لكلٍّ من الزوجين مع شريك حياته.

ثمّ أولاه عناية فائقة، وأحاطه بالاهتمام البالغ من بدايته حتّى ينتهي بالموت أو بغيره.

ولم يفسح الشارع المقدَّس المجال للناس، ليضعوا له ما شاؤوا من أنظمة وأحكام، ويقيموا له ما يرتضون من قواعد وأصول.

بل تولّاه الشارع تفضُّلاً منه، وتحنُّناً على العباد، فوضع له أصوله ونظم أحكامه، علماً منه بأنّ العباد عاجزون عن أن يضعوا له التصميم الصالح، الّذي يبتني عليه الكيان الاجتماعيّ الرصين، الّذي لا يداخله ضعف، ولا يعتريه وهن، ليكتسب الزواج بهذه الرعاية المقدَّسة والحماية ما يُشعر الزوجين بأنّهما يرتبطان برباط مقدَّس يشمله الدين بقدسيَّته في كلِّ لحظة من مراحله، فيسكن كلٌّ منهما إلى صاحبه عن رضىً واختيار، ويطبِّقان عليهما أحكامه بطيب نفس وارتياح بال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الروم, الآية: 21)

كما ورد في المأثور عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: “ما استفاد امرؤ فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة، تسرُّه إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله“(الكافي, ج5, ص 327).

مكانة الزوج:

يُعتبر الزوج ربّ الأسرة الّذي إن يكن حائزاً على مواصفات عالية، كما أراده الإسلام، كان إنجاحها واستمرارها صنيعَه وحليفَه وإلّا فلا. لذلك تدخّل الدين القيّم في تحديدها وأسّس الاختيار في ضوئها بغية الإعداد لمجتمع سليم، مع الأخذ بعين الاعتبار لموقعه في قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾     ( سورة النساء, الآية: 34).

ومن جانب آخر، كان لرضاه الأثر الأهمّ في آخرة المرأة إضافةً إلى أُولاها حيث رُوي عن الإمام الباقر عليه السلام: “لا شفيعَ للمرأة أنجحُ عند ربّها من رضا زوجها (ميزان الحكمة, ج2, ص 1184).

مكانة الزوجة

وعن الإمام الصادق عليه السلام: “إنّما المرأة قلادة فانظر ما تتقلّد (معاني الأخبار, ج1, ص 144).

وهذا بيان لموقعها ودعوة إلى عدم التسرُّع في الاختيار، بل التأنّي مليّاً قبل اتخاذ القرار. فما هي الأسس الّتي لا بدّ من الاختيار والإقدام عند وجدانها، والفرار والإحجام عند فقدانها؟ إنّ هذا ما ستعرفه من خلال عرض الأوصاف في ما ياتي.

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق