تربية وثقافةتنميةمقالات

الثقافة الإسلامية: تحديات التوفيق بين المغلق والمطلق

تأملات في واقع الثقافة الإسلامية الراهنة

قبل تحديد مقصودنا من عبارة “المغلق والمطلق” المتضمنة في عنوان هذه المقالة يجب تحديد المقصود من “الثقافة الإسلامية”. فعلى بساطتها الظاهرة، تضعنا عبارة “الثقافة الإسلامية” أمام تحديات، أبرزها التحدي المتعلق بتحديد العناصر المكونة لها؛ ثم التحدي المتعلق بالجهة أو الجهات المخول لها تحديد هذه الثقافة. فنعت الثقافة بالإسلامية لا يغني عن مزيد من التحديد؛ ذلك أن مفهوم “الإسلامي” في سياق التجاذبات الحاصلة سواء بين المسلمين أنفسهم، أو بينهم وبين غيرهم، مفهوم مطاط، يتسع ويضيق بحسب الفهم والإرادة. فقد يحصل وأن يفهم البعض بأن مفهوم الثقافة الإسلامية هو مجرد مفهوم إجرائي يتخذ لوصف الإبداعات والمنجزات والعلاقات التي تمت وتتم داخل حيزي الزمان والمكان الإسلاميين. مع هذا الفهم يكون من المستساغ إدراج بعض الإبداعات تحت مسمى الثقافة الإسلامية، بغض النظر عن انتسابها للدين الإسلامي؛ كأن ننعت إبداعات أقلية دينية غير مسلمة بأنها جزء من هذه الثقافة، أو أن نعتبر بعض الألوان الفنية في عداد الأعمال المنتسبة لهذه الثقافة بغض النظر عن موافقتها أو تعارضها مع بعض الثوابت العقدية الإسلامية مثلا. وقد يحصل أن يفهم البعض الآخر بأن مفهوم الثقافة الإسلامية إنما هو مفهوم معياري، يلجأ إليه من أجل وضع حدود فاصلة بين ما يجوز أن يدخل تحت مسمى هذه الثقافة وما لا يجوز؛ في هذه الحالة تُنزَع صفة الإسلامية عن جملة من الإبداعات والمنجزات الثقافية، وإن وقعت في الزمان والمكان الإسلاميين. ولعلنا نجد خير دليل على هذا الفهم فيما تُقْدِم عليه بعض الجماعات الإسلامية من هدم لبعض الآثار التاريخية الموجودة في الفضاء الإسلامي وتضييق على بعض الإبداعات الفنية التي لم تحز صفة الإسلامية في نظرهم.

أمام تعدد العناصر المكونة للثقافة من جهة، واختلاف أنواع الإرادة الممارسة من أجل تركيب معنى للثقافة الإسلامية انطلاقا من هذه العناصر من جهة أخرى، لا يجد المتحدث اللبيب مندوحة عن التصريح بطبيعة الإرادة التي تحركه وهو يسعى لتحديد هذه الثقافة، والبوح بالعناصر التي يرى أنها تدخل في تكوينها. فلكل ذي مشرب عقدي، ولكل صاحب ميول مذهبي، بصمة خاصة في تعريف الثقافة الإسلامية لا تخطئها عين القارئ الممحص. فبحسب الانتساب إلى السلفية، أو إلى الصوفية، أو إلى مذهب التشيع، أو إلى دعاة الإصلاح والتجديد، أو غيرهم، يختلف المقصود من الثقافة الإسلامية وتختلف المعاني المحمولة عليها والدلالات الملصقة بها. وإذا ثبت هذا الأمر، فمن الضروري أن يثبت معه أننا إزاء “ثقافات إسلامية”، عوض ثقافة إسلامية واحدة.

لكن الاختلاف والتنازع الحاصلين حول ماهية الثقافة الإسلامية يحيلان على اختلاف وتنازع على مستوى الخطاب فقط. أما الثقافة ذاتها، سواء الثقافة الإسلامية أو غيرها، فمثلها مثل الكائن البيولوجي، تتحرك بفعل قوة دفع ذاتية. ومثلها مثل الإناء، تنضح بما فيها. فحين نتأمل واقع الثقافة الإسلامية اليوم، نجد أن هذه الثقافة تتحرك بموجب غريزة البقاء في زمن جديد، زمن العولمة. ونجد أن المتحدثين باسمها والمنتسبين إليها يصدرون عن قناعات فكرية مختلفة وينطلقون من فهوم متعددة، وكلهم يحسبون أنهم يصنعون وينجزون ما يخدم الثقافة الإسلامية. فالمتشدد والمغالي والمتطرف والمتحوط، كل من هؤلاء يدعي أنه يحصن الثقافة الإسلامية ضد التلاشي والذوبان؛ كما أن دعاة الحوار والتسامح والوسطية والانفتاح، كل من هؤلاء يحسب أنه يُمكِّن لهذه الثقافة ويمدها بأسباب الاستمرار والبقاء. بهذا الاعتبار تكون الثقافة الإسلامية جسما واحدا، تتجاذبه قوى ونوازع مختلفة، فتارة يركن إلى السكون، وتارة تستهويه الحركة؛ تارة يشعر بالحاجة إلى ملابس صوفية تقيه قساوة البرد، وتارة يشعر بأن الدفء يأتيه من الخارج وأن حاجته إلى الملبس لا تمليها غريزة البقاء، بقدر ما تمليها الحاجة الاجتماعية إلى الستر فقط.

عند التأمل، نجد أن الثقافة، مطلق الثقافة، مثلها مثل جسم الإنسان، تتأثر بالعوامل الخارجية المحيطة بها. كما أن حاجة الجسم إلى اللباس تتغير بتغير الأحوال الجوية ودرجات الحرارة من حوله، فكذلك حاجة الثقافة إلى الانفتاح أو الانغلاق تختلف باختلاف العلاقة مع العوالم الخارجية والثقافات الأخرى. وليس من الصواب في شيء الذهاب إلى القول بوجود ثقافة يلازمها الانفتاح ملازمة، وأخرى يلازمها الانغلاق. بل إن الانفتاح والانغلاق صفتان ملازمتان لفترات ومراحل من عمر الثقافات. حين يستبد القلق والتوتر والتوجس من الخارج، فإن الكائنات الثقافية عندها تلتف حول الذات، تطلب أسباب التحصين. أما حين يعم الشعور بالطمأنينة ويحصل الاستقرار، فإن الثقافة تنزع نزوعا آخر، نحو الانفتاح على الآخر. لنا في الثقافة الغربية مثال واضح على هذه الدعوى. فقبل أحداث الحادي عشر من شتمبر، حيث كان يسود شعور بالقدرة على استيعاب الثقافات الأخرى واحتوائها، كان عنوان المرحلة الثقافية الغربية هو “التعدد الثقافي”؛ حتى أن كثيرا من الغربيين ذهبوا مذهبا بعيدا في التدليل على ضرورة هذا التعدد، إذ جعلوه مرادفا للتعدد البيولوجي الضروري لبقاء الحياة. فبموجب مبدأ التعدد الثقافي جعل صدر الثقافة الغربية يتسع لطرائق شعوب أخرى في العيش وأنماطهم في التعبير. أما بعد أحداث الحادي عشر من شتمبر، فقد عرفت الثقافة الغربية نوعا من النكوص والتراجع إلى مواقع الدفاع، الأمر الذي دفع بالكثير من المفكرين والمنظرين المؤثرين في مجريات الحياة الثقافية إلى التساؤل بخصوص الهوية، تساؤلا تضيق معه فرص التمفصل بين الثقافات المختلفة. ولنا على هذا الكلام دليل من كتاب سامويل هانتكتون: من نحن؟.[1] فإن في هذا السؤال ما يشي بتوجيه واضح لفعل الإبداع الثقافي باتجاه تأكيد هوية يُتخيَّل أنها مهددة بخطر الانقراض والتلاشي. إن أحداث الحادي عشر من شتمبر جعلت الخوف يسكن قلب الثقافة الغربية، كما جعلت منه العاطفة الأساس التي تتحكم في تحديد علاقة الغربيين بغيرهم كما يذهب إلى ذلك دومينيك مويزي في كتابه عن الجيو-سياسة والعاطفة.[2]

لا جدال في أن الثقافة الإسلامية الراهنة، كغيرها من الثقافات، تتمركز حول سؤال الهوية وتجعل من الإجابة عنه المحرك للإبداع والإنجاز والتعبير والكسب والصناعة؛ هذا بعد ما كان الدافع الإيديولوجي هو المحرك الأساس للثقافات قبل نهاية الحرب الباردة، وإلى غاية أحداث الحادي عشر من شتمبر. أمام سؤال الهوية تقف جميع الثقافات اليوم، وضمنها الثقافة الإسلامية، في مفترق طرق. فإما أن تصدر عن الإحساس بضرورة الاحتماء درءا لآفة الذوبان والتلاشي المحتملة، فتشحذ لهذا الغرض أسباب الدفاع والتحوط، وعندها تتمثل ذاتها كهوية منغلقة على الآخر. وإما أن تصدر عن الإحساس بضرورة الانفتاح على العالم بغرض التأثير فيه والمساهمة في إعادة تشكيله، وعندها تشحذ وسائل التواصل مع الآخر والنفاذ إلى عمقه المتخيل وجوهره القار، وهي تتمثل ذاتها هوية منفتحة على الآخر. وفي كلتا الحالتين، يتربص بالثقافة خطر فقدان التوازن والاشتطاط. فقد يؤدي التحوط والانجحار في تمثل الهوية إلى عزل الثقافة عن العوالم الثقافية الأخرى. كما قد يؤدي الانفتاح غير المشروط إلى فقدان جوهر الهوية الذي يتأسس عليه الكيان الرمزي للثقافة. والواقع أن مقياس الحكم على نجاح الثقافة وصحتها هو مدى تمكنها من التوفيق بين الداخل والخارج، بين المغلق والمطلق، سواء كان ذلك في تمثل الهوية كما هو عليه الحال في زمن العولمة، أو في صناعة الإيديولوجيا كما في عهد سابق، أو في بناء الأنساق العقلية والفكرية، وما إلى غير ذلك.

يكفي إطلالة قصيرة على كتب التراث العربي الإسلامي كي يقف المرء عند ملامح وعي تام بجدلية المغلق والمطلق، والداخل والخارج، ودورها في تشكيل الثقافة وتحديد مساراتها ومساقاتها. يقول أبو سعيد السيرفي، في مناظرته المشهورة مع متى بن يونس[3]:

علم العالم مبثوث ونحوه العاقل محثوث

جاء كلام السيرفي في معرض المنافحة عن منطق اللغة المنفتح، ضد منطق اليونان النسقي الذي يتم بواسطته اختزال المنثور في الكون في حيز ضيق، جامع مانع، يجمع صفات ويمنع دخول صفات أخرى. هذه المناظرة تمثل، في نظرنا، قمة الوعي بجدلية المغلق والمطلق في التراث العربي الإسلامي في علاقتها مع بناء المعرفة وتمثل الحقيقة. فبينما ينتصر بن يونس إلى العقل المنطقي الذي يستنبط المخبوء من المعارف من عالم الانتشار على مستوى المكان، ومن عالم الغيب على مستوى الزمان؛ يتشيع السيرفي للعقل اللغوي الذي يحج نحو الحقيقة ولا يركن إلى العقل في الإخبار عنها. عند التأمل، نلمس الامتدادات التي كانت لهذه الجدلية في ميادين أخرى، معرفية وعملية.

قام بن خلدون بتقسيم مراحل الحضارة الإنسانية إلى ثلاث مراحل: مرحلة البداوة، ومرحلة العمران البدوي، ومرحلة الحضارة. ويحمل هذا التقسيم في طياته نفس الوعي. إذا كانت مرحلة البداوة مذمومة لأنها لا تمكن الإنسان من التطور واستحضار النعم من عالم الشتات والانتشار نحو فضاء الحضور والإقامة والاستقرار، فإن مرحلة الحضارة بدورها مذمومة لأنها تمثل فترة الاحتضار والنهاية وأفول العمران. وبين هذه المرحلة وتلك، هناك مرحلة العمران البدوي. والعمران البدوي، كما تحيل العبارة على ذلك، هو مرحلة يمتزج فيها حس الانتماء إلى البداوة، إلى البداية، إلى الثقافة الكونية الأولى من جهة؛ ومن جهة أخرى الشعور بضرورة تعمير المكان وتطوير وسائل البناء والتشييد. لقد خلص بن خلدون إلى نتيجة مفادها أن الحضارة هالكة ما لم تتمكن من التوفيق بين مقتضيات الانتساب المزدوج، انتساب إلى عالم الطبيعة المطلق، وانتساب إلى عالم الحضارة المغلق. ونظرية العمران في جوهرها تقترح المزج بين حسنيين، حسن البداوة وحسن الحضارة، حسن العقل الطبيعي وحسن العقل الصناعي. فكل تنطع باتجاه البداوة، أو باتجاه الحضارة، يخل بشروط العمران الخلدوني.[4]

إن المجال يضيق عن التفصيل في الأمثلة التراثية التي تتمحور حول جدلية المغلق والمطلق، أو الطبيعة والعقل، أو المنطق واللغة، أو الفكري والأدبي، أو الفلسفي والشعري. ليس ببعيد عنا هناك الراحل محمد عابد الجابري الذي كرس جزءا من مشروعه الفكري للفصل في قضية المفاضلة بين البرهان والبيان، هذه القضية التي هي في نظرنا امتداد لجدلية المغلق والمطلق التي تجابه كل ثقافة وكل حضارة في مرحلة من مراحل نضجها. على عكس بن خلدون، ينتصر الجابري للمغلق ممثلا في البرهان، على المطلق ممثلا في البيان، عوض أن يبحث عن سبل التوليف بينهما. فمرتبة العقل البرهاني عند الجابري أعلى من مرتبة العقل البياني، ذلك أن البرهان هو مطية الإنسان إلى تحقيق جميع الفضائل التي تنعم بها الحضارة كما هو الشأن بالنسبة للحضارة الغربية المعاصرة؛ وأما البيان فمتى ما استحكمت حلقاته حول العقل، عادت به القهقري، نحو مراحل البداوة والبدائية. وما تخلف العرب والمسلمون، حسب رأي الجابري، إلا لأن “الأعرابي (هو) صانع العالم العربي”. في هذه المقولة مخالفة واضحة وابتعاد صريح عن مقولة بن خلدون التي تفيد بأن: “الأصل في الحضارة البداوة”, هذه المقولة التي تصل كل إنجاز حضاري بأصل بدوي يرتد إليه. فحتى الحضارة الغربية، أو اليونانية، والحضارة الحديثة، لها أصل بدوي ترتد إليه، على خلاف ما يعتقده الجابري.

لا يهمنا في هذا السياق التمحيص في فكر الجابري والتفصيل في علاقته مع بن خلدون، بقدر ما يهمنا الوقوف عند أمثلة تقرب إلينا المقصود بجدلية المغلق والمطلق وتجلي مواقف تراثية وحديثة من هذه الجدلية. ففي مقابل الفكر الذي يصدر عن منظومة إيديولوجية تبخس الأصول البدوية والبيانية التي انبنت عليها الثقافة الإسلامية، كما يتجلى لنا ذلك في فكر الجابري، برزت إلى السطح قوى إيديولوجية صرفت الجهد والعناية للدفاع عن هذه الأصول التي أصبحت مهددة، في نظرها، بخطر الاستئصال. بقدر ما بالغ الحداثيون في تبخيس التراث البياني واللغوي، اشتغل غيرهم بالتأصيل. وجوهر التأصيل هو رد المعارف والحقائق والمنجزات الحضارية والثقافية والعلمية إلى أصول إسلامية. وقد بلغ التأصيل منتهاه مع “الأسلمة” أو “الإعجاز العلمي”، وهما آليتان معتمدتان لتأصيل الحقيقة المخبرية، أي الحقيقة التي خبرها الخبراء والعلماء في المخبر، في نصوص إسلامية بيانية، ذات علاقة وطيدة بالأصول اللغوية. ولعل قصور هذه الآلية في تمثل واقع العلم الحديث وآفاق الإبداع الإنساني الرحبة هو قصور أوضح من أن يخفى على المتأمل. فأقصى ما يمكن أن يفضي إليه الاشتغال بالإعجاز العلمي في الثقافة الإسلامية الراهنة، مثلا، هو توظيف نتائج المعرفة والعلم الحديثين توظيفا دعويا. إذا كانت مقولة الجابري تبخس التراث البياني وترمي إلى قطع الصلة بالأصل البدوي، فإن مقولة الإعجاز العلمي والأسلمة مثلا، تختزل المكتشف الجديد والمجهول، في القديم المعلوم، وفي هذا لعمري توجيه سيء للعقل الإسلامي في زمن العولمة، كما فيه تضييق لواسع، ومحاولة إغلاق لمطلق.

حين نتأمل واقع الثقافة الإسلامية نجد أن هذه الثقافة تعاني من اختلال في التوازن حاليا، مما يفقدها القدرة على التوفيق بين المغلق والمطلق. لقد أصبحت عرضة لتمزق داخلي بين منظومتين متنافرتين؛ منظومة تحاول البناء من الخارج، وتعتمد وسائل بناء دخيلة ووافدة، ومنظومة تحاول البناء من الداخل اعتمادا على الوسائل الأصلية. وهذا هو جوهر التحدي الذي يواجه الثقافة الإسلامية اليوم في علاقتها مع سؤال الهوية بالخصوص. لا جدال في أن العولمة اقتحمت على الثقافات كلها خصوصياتها وفجرت البنى التقليدية المنتجة للمعنى والمسؤولة عن التأطير الرمزي. غير أن هذه الثقافات تختلف من حيث قدرتها على مواجهة تحديات العولمة. ولا جدال كذلك في أن الثقافة الإسلامية مثلت على امتداد العقود الأخيرة أبرز نموذج للممانعة والصمود والتصدي في وجه التسطيح الثقافي والحضاري والرمزي الذي رافق هذه العولمة، حتى أن طوماس فريدمان في كتابه عن العالم المسطح خلص إلا أن الحاجز الوحيد الذي يقف في وجه تسطيح العالم هو الثقافة الإسلامية.[5] والقول بقدرة الثقافة الإسلامية على الممانعة قول حمال أوجه. إذا حمله البعض على المعاني الإيجابية فقد يحمله البعض الآخر على المعاني السلبية، كما هو الأمر بالنسبة لفريدمان. فهل الممانعة أمر إيجابي بإطلاق، أم أن في بعض أوجه الممانعة ما يعزل الثقافة ويسد في وجهها أبواب الخارج ويهددها بالضمور والاضمحلال؟

حين نتأمل واقع الثقافة الإسلامية اليوم نجدها موزعة بين منظومتين يحكمهما التنافر. منظومة فكرية اجتماعية تنتسب إلى الدين، ومنظومة تعارض أشكال هذا الانتساب. فأما المنظومة الأولى فقد بنيت على شعور دفين واعتقاد راسخ في قدرة الدين على صيانة هوية الثقافة والمجتمع وتحصينها ضد أنواع الانحراف والذوبان. لذلك تجد من يصدر عن هذه المنظومة يرى في العنصر الديني العنصر المهيمن في تكوين هوية المجتمع والأفراد والثقافة. غير أن الدين حين ينصرف معناه عند كثير من هؤلاء إلى معنى العقيدة بالأساس، فإنه يصبح مسوغا لإرساء بلاغة عقدية لا مرونة معها، بلاغة غير مسعفة في استيعاب المخالف في حضن الثقافة الإسلامية. إن التوسع في العقيدة يساهم في إرساء بلاغة معيارية يصعب معها تمثل الآخر المختلف والمغاير كجزء من الثقافة الإسلامية. فبموجب العقيدة الإسلامية، كما يفهمها هؤلاء، يحرم الاستشهاد بمبدع لم يشهد له الالتزام العقدي مثلا. يقول بن تيمية في لامية العقيدة مثلا:

قبحا لمن نبذ الكتاب وراءه وإذا استدل يقول قال الأخطل

يتأسس على هذه البلاغة وعي يصعب معه التفكير في منح حق المواطنة الثقافية للمكونات الأخرى الغير متجانسة عقديا. وهكذا تتحول الثقافة إلى ثقافة طرد واستئصال ومنع وعزل ونبذ وتجريم وتحريم، عوض أن تتسع مساحتها لاستيعاب المخالف والمغاير، استيعاب الكبير للصغير، أو استيعاب الحكيم للطائش، استيعاب السليم للسقيم، استيعاب النظام للفوضى، استيعاب الخير للشر. المؤسف هو أن الغلو في بلاغة العقيدة يؤسس لثقافة طهرانية بعيدة عن جوهر الدين، إذ أن الطهراني يتوخى محق الشر وبسط الخير مكانه بسطا مطلقا كما لو كان هو الله. والراجح هو أن للتدين وظيفة تكمن في التضييق على الشر، لا في استئصاله. ويتربص بالثقافة التي تبنى على بلاغة العقيدة خطر الانتهاء إلى تمثل الذات كجزيرة محاطة بعوالم الكفر والقبح والشر والفساد. ومع هذا التمثل يصعب تحقيق التصالح مع الآخر. بل يتحول هذا الآخر إلى جحيم، إلى خطر مداهم، إلى عدو متربص.

بالمقابل هناك فكر تأسس على قاعدة عقلانية حديثة، فكر لا يقف عند المطالبة بفتح بلاغة العقيدة على المتعدد والمشتبه، وبالتالي توسيع معنى الثقافة الإسلامية وتخليصها من المعيارية العقدية المسوغة لإقصاء أشكال عديدة من الإبداع الإنساني؛ بل إنه فكر يتعدى هذا المطلب ليسقط في طهرانية أخرى لا تقنع بأقل من استئصال التراث والقديم، وتقويض الأس الديني الذي انبنت عليه الثقافة الإسلامية. وهذا النوع من الطهرانية الحداثية ينبني على عقلانية تنهل من ثقافة الحد المنطقي الذي يقوم العقل بموجبه بنصب سياج يفصل الداخل عن الخارج، المغلق عن المطلق، الحد الذي ينعت بكونه “جامعا مانعا”، أي بكونه يملك خاصية جمع الصفات التي تدخل في تكوين ماهية الشيء، ومنع دخول الصفات الأخرى. لما استحكمت بلاغة الحدود بهذا الفكر صار بدوره فكرا طهرانيا لا يرى سوى استئصال المخالف والمغاير سبيلا لبلوغ الكمال. ويتوهم أصحاب هذا الفكر أن تحييد الدين ضروري لتعبيد الطريق أمام العلم والعقل والتمكين لهما من أجل بناء هوية الثقافة الإسلامية المعاصرة. فتماما مثل أصحاب البلاغة العقدية، يعجز أصحاب البلاغة العقلانية والعلمية عن استيعاب المختلف، الذي يبدو لهم في صفة العدو المتربص.

إن قطبي الثقافة الإسلامية هذين عاجزان عن فتح المغلق عن المطلق، وعن تفكيك الحدود الذهنية العازلة بين الداخل والخارج، بين الذات والآخر. فكلاهما يصدر عن عقلية طهرانية تتصور الذات جوهرا خاليا من أعراض الآخر. وبهذا أصبحت الثقافة عرضة لآفتين، آفة الاستئصال، وآفة التفجير. فالفئة المنافحة عن الهوية من الداخل ترمي إلى تخليص الثقافة من شوائب الطارئين والدخلاء كي تستعيد صفاء هذه الهوية وطهرها. وأما الفئة التي ترمي إلى تخليص الهوية من أغلال الماضي والتقاليد والتراث فتسعى إلى تفجير بنية الثقافة الإسلامية من الخارج، اعتمادا على أسلحة دمار إيديولوجية حديثة. وفي هذا السجال الدائر بين أصحاب التطهير والاستئصال بالعودة إلى الأصول من جهة، وبين أصحاب النسف والتفجير اعتمادا على معاول التفكيك الحديثة من جهة أخرى، ما يصب في تكريس منطق الحرب بين ما يسميه أمين معلوف بـ”الهويات القاتلة”.[6]

لا سبيل إلى الخروج من مأزق الهويات القاتلة إلا بفتح عالم الذات على عالم الآخر، فتح المغلق على المطلق، وذلك باعتماد آليتين: التفريج من الداخل، في مقابل محاولات التفجير من الخارج؛ والتأصيل من الخارج في مقابل الاستئصال من الداخل. إن الحكمة تقتضي أن يجتهد حراس العقيدة في التفريج من الداخل، دفعا لمخاطر التفجير من الخارج. كما تقتضي أن يجتهد دعاة تحديث المجتمع وإصلاحه في التأصيل من الخارج، تفاديا لإمكانية استئصالهم وانقطاع الصلة بينهم وبين الداخل. والحاصل أن الثقافة الإسلامية بوصفها كائنا بيولوجيا تحركه غريزة البقاء توازن بين مقتضيات الداخل والخارج. وبفضل هذا التوازن استطاعت أن تتأقلم مع مستجدات العالم المحيط بها. غير أن النخب المثقفة، سواء المنتصرة للتراث والمنفية فيه، أو المنتصرة للحداثة والمنفية فيها، تشتط في تصورها للواقع، فتتنطع في فصل الذات عن الغير، والداخل عن الخارج، والمغلق عن المطلق. قد يلتمس البعض للانجحار والتقوقع حول الذات والتحوط مسوغات ومبررات، فيقول بأنها كانت آليات ضرورية لمواجهة الغزو الخارجي. وإذا صح هذا الكلام، فلا يقل عنه صحة القول بأن الانغلاق أوالتحوط، وإن كان ضروريا في مرحلة الاستعمار ومرحلة ما بعد الاستعمار، فإنه بالمقابل فوت على العرب والمسلمين فرصة النفاذ إلى عمق الثقافة العالمية والتأثير فيها. في هذا السياق لا بد من التنبيه إلى حقيقة مغيبة، الحقيقة التي مفادها بأن الثقافات التي اعتبرت إلى حد الآن ثقافات غالبة، هي بدورها تعاني من خطر الاختراق والانكماش في عقر دارها. لقد كان للجاليات المسلمة المهاجرة نحو أوربا دور كبير في نقل الثقافة الإسلامية إلى الغرب، والمساهمة في رسم مستقبل الثقافات في هذا العالم. صحيح أن النخب المثقفة عجزت عن التأثير في مجريات الأحداث في العالم الخارجي، وهذا أمر مفهوم بالنظر إلى ضعف عدتها المعرفية وجاهزيتها الفكرية والعلمية مقارنة مع الآخرين. لكن الجاليات المهاجرة، والتي توصف بأنها “يد عاملة” استطاعت أن تخرج بالثقافة الأوربية، مثلا، من مرحلة العلمانية إلى مرحلة ما بعد-العلمانية.[7] هناك من الأوربيين من يشعر بأن الثقافة الأوربية مهددة من الثقافة الإسلامية. هناك من يقرع ناقوس الخطر، منبها إلى ما يحققه المطبخ المغربي من انتصارات متتالية تهدد المطبخ البلجيكي بالزوال، على سبيل المثال. إن الخوف والتوجس من انتصار المطبخ المغربي، على ظاهر سذاجته، يفصح عن تخوف باطن من تسرب قوة الثقافة الإسلامية اللطيفة إلى داخل الثقافة الأوربية. لم تشعر أوربا من قبل بأن الحضور الإسلامي على أراضيها يهدد الهوية الأوربية، ذلك أن الثقافة الإسلامية كانت تحاول فرض ذاتها كقوة كثيفة ظاهرة، أما وأن هذه الثقافة جعلت تلجأ إلى فنون مثل فن الطبخ، الذي يجمع بين المكون الكثيف والمكون اللطيف، فلا عجب أن يكون هناك من يستشعر خطر الغزو.

إذا كانت العلاقة بين الذات والآخر، بين الداخل والخارج، تبدو واضحة على المستوى النظري، في أذهان الكثيرين، فإن الأمر يبدو أكثر تعقيدا على أرض الواقع. ولعله من الضروري في هذه اللحظة من التاريخ تخليص الثقافة الإسلامية، أو بالأولى عقول قطبيها المتنافرين، من ثقل التضخم الإيديولوجي، وفسح المجال أمام الهوية كي تباشر الفعل الثقافي بمزيد من الحرية والعفوية. لتحقيق هذا الغرض، لا بد من بذل الجهد من أجل تجديد محاور الاستقطاب. لقد درج دعاة الهوية الطهرانية على استدعاء الدين، وبلاغة العقيدة على وجه الخصوص، لتسويغ دعوتهم؛ كما درج دعاة الهوية المتحررة من ربقة الدين على استدعاء ثوابت الحداثة والعقلانية والعلمانية والأنوار. والحاصل أن الدين والحداثة بريئان مما يلصقه بهما قطبا الثقافة الإسلامية المتناطحان.

كثيرة هي آيات القرآن الكريم التي تؤكد على أن الهوية الإسلامية هي مناط رجاء وأمل ودعاء، أكثر مما هي موضوع تيقن وتحقق. وفي هذا قمة اليقظة. ذلك أن المسلم لا يأمن أن يقلب الله قلبه ويغير أحواله، فيخرج من الإيمان إلى الكفر، أو من الإسلام إلى غيره. فحتى الأنبياء والمرسلين نجدهم يتضرعون إلى الله يسألونه الثبات على الإسلام. وهذا يفيد بأن الانتساب إلى الدين هو أمر متجدد، أمر قيد التحقق باستمرار، أمر منوط بالدعاء والتضرع المستمرين. فالمسلم لا يركن إلى هذا الانتساب كمحدد لهويته، بل يشفعه بالدعاء، لأنه يعي أن الهوية لا تنبسط في الزمن المستقبل كما يريدها هو، بل كما يشاء الله، الذي بيده ملكوت كل شيء، والذي يملك قلوب العباد ويقلبها كيف يشاء. ما أحوج العقل المسلم إلى تدبر الآية الكريمة التالية: “ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين” (سورة فصلت – سورة 41 – آية 33). إن هذه الآية تحور سؤال الهوية، وتخرجه من مضمار القول إلى مضمار الفعل. ألا ترى أن السياق كان يقتضي أن يكون الجواب على سؤال “من أحسن قولا” هو “ممن قال إنني من المسلمين”. لكن البلاغة القرآنية العجيبة تجعل الانتساب إلى الإسلام قولا مسبوقا بالانتساب إليه دعوة وعملا. فمن أراد أن يدعو إلى هذا الدين وجب أن يعطي المثل بأفعاله وأعماله، قبل أن يشهر انتسابه إلى الإسلام. وفي هذا لعمري ما يخرج العقل في زمن العولمة من متاهات خطابات الهوية. فعوض أن يجتهد الإنسان كي يجيب على سؤال “من أكون”، يطلب تحديد هويته، وجب أن يجتهد ليجيب بالعمل على سؤال: “ماذا أعمل، وماذا أصنع، وماذا أفعل؟”. وفي هذا التوجه ما يجعل الدين يساهم في توجيه النقاش الدائر بخصوص الهوية الوجهة الحسنة، عوض الاكتفاء بالجدل بخصوص التحديد العقدي لهذه الهوية.

كذلك على القطب المنتسب إلى الثقافة الحديثة أن يسلم بأن الأسئلة الخاصة بالهوية لا تُولّد إجماعا في هذه الثقافة، باستثناء لدى بعض الأفراد والجماعات المتمسكة بالوثوق الإيديولوجي، والرامية إلى توظيف سؤال الهوية من أجل تحريب العواطف وتجيش الأحاسيس ضد الآخر، كما حصل مع البابا بينديكت السادس عشر، حين تحدث عن الأنوار والعقلانية بوصفهما مكونين من مكونات الهوية المسيحية، وذلك بغرض تجسير الهوة بين الكنيسة الكاثوليكية وبين السلط المجتمعية الحديثة، طلبا لتحقيق التماسك الداخلي ضد الإسلام، الذي ظل في نظره منافيا للعقل والعقلانية؛[8] أو كما حصل مع سامويل هانتجتون حين حصر الهوية الأمريكية في المكون الأنجلو-بروتستانتي، كي يتسنى له عزل وإقصاء واستئصال المخالفين وتبرير الدعوة إلى معاداتهم.[9] لكن إلى جانب هذه الدعوات الفجة والصياغة الساذجة، لا يمكن التسليم بوجود هوية ثابتة يلتف حولها الجميع في سياق المجتمعات الحديثة. وقد تجابهنا مكتبات من الأعمال التي تشهد على أن لهوية المجتمعات الغربية الحديثة تمظهرات لا حصر لها، تختلف باختلاف السياق؛ كما تشهد على وجود أشكال عديدة للتداخل بين المكونات المختلفة لهذه الهوية، وأهمها التداخل الحاصل بين الذات والآخر، والأنا والغير.

نقف مع القارئ هنا عند رواية إلديفونسو فالكونيس “يد فاطمة”، على سبيل التمثيل.[10] إنها عمل أدبي عظيم يجلي عبر شخصية ممزقة الانتماء والهوية، شخصية ولدت على الحدود بين ثقافتين متناحرتين أثناء الحروب التي تلت سقوط غرناطة في الأندلس، يجلي عبر هذه الشخصية وما تمر به من أحداث أن الهوية الإسبانية خصوصا، والأوربية عموما، تختزن في عمقها بقايا مكونات الثقافة الإسلامية، بالرغم من كل محاولات الاستئصال التي كانت من ورائها محاكم التفتيش الدينية. لما خشي بطل الرواية هرناندو أن يعثر عنده على نسخة القرآن، عمد إلى إخفائها بمعية ابنه في مسجد قرطبة الذي تحول إلى كنيسة. لهذا الحادث وأمثاله دلالة رمزية قوية، تؤكد بأن في قلب معاقل الهوية الدينية يقبع مكون ديانة أخرى. ليس من السهل فصل المكونات عن بعضها البعض.

عند التحقيق، يبدو لنا بأن العولمة خلطت أوراق الشعوب وفكت ارتباط الثقافات بأزمنتها وأمكنتها المخصوصة، وهو الأمر الذي صار يستدعي إعادة صياغة علاقات جديدة. لهذا الاعتبار أصبحت الثقافة تحتاج إلى تحديد هوية تضمن تماسكها وقدرتها على التأطير الرمزي لأفعال الإبداع الإنسانية. غير أن هذه الهويات أصبحت تتفاوت من حيث قدرتها على التداخل والتعارف والانفتاح، أو من حيث استسلامها لمنطق التنافر والتصارع والانغلاق. ويميل البعض إلى اعتبار أن كل محاولة لتحديد هذه الهوية هي في حد ذاتها عملية تفكيك وتشتيت لا تقف عند حد، وعملية بحث عن أصول تستبطن منطق الاقصاء والقفز على المكونات التاريخية. ومن هؤلاء أمين معلوف الذي جاء تحليله لسؤال الهوية موفقا. غير أن مفهوم “الهويات القاتلة”، كما صاغه معلوف، يستبطن دعوة قد تكون غير مستساغة، ألا وهي الدعوة إلى تحييد الهوية تحييدا مطلقا، قد تختفي معه كل الملامح المميزة للإنسان والثقافة.

والحاصل أن مفهوم الهويات القاتلة أقل من أن يمثل السقف الذي يقف عنده الإبداع على مستوى المفاهيم، خصوصا بالنسبة لنا في العالم الإسلامي. يبدو أن الثقافة الإسلامية الحالية لا تحتمل الانفتاح اللا مشروط على الخارج والمطلق. لذلك فمن الضروري البحث عن مفاهيم تزكي النزوع نحو تمفصل الهويات. ونقترح في هذا السياق مفهوم “الهويات الحبلى”، عوض الهويات القاتلة، كمفهوم يمكن أن يضمن تماسك الثقافات، ومنها الثقافة الإسلامية، كما يضمن استيعابها للآخر المغاير والمخالف. وفكرة الهوية الحبلى راودتني بالصدفة أثناء قراءة لدراسة سريرية عن فترات الحمل.[11] تخلص الدراسة إلى أن أحاسيس غريبة تعتري المرأة أثناء هذه الفترة، بحيث تشعر بأنها تحوي جسما غريبا، تحضن “آخرا”، سيخرج إلى الوجود، لكن وإن خرج إلى الوجود فسيظل جزءا منها. قلت: كذلك هو أمر الهويات الثقافية، فكل هوية ثقافة سليمة تحتوي آخرا، غريبا، سيظل جزءا منها وإن انفصل عنها. وعليه، وكما تعتني المرأة بالجسم الغريب حتى يخرج ويصير ذاتا مستقلة، فإن الهوية الثقافية السليمة تحبل بالآخر وتعتني به وتوفر له أسباب الخروج من رحمها خروجا سليما. إن المسلمين المقيمين في أوربا يشعرون بأن الثقافة الأوربية حبلى بثقافتهم الإسلامية، ستخرجها إلى الوجود في يوم من الأيام. فإما أن تتعهد الثقافة الأوربية الثقافة الإسلامية كما تتعهد الأم الجنين، وحينها ستنشأ صلة رحم بين الثقافتين، وإن اختلفتا؛ وإما ستلفظ الثقافة الحاضنة الثقافة المحضونة وسينقطع ما بينهما من أسباب وصلات. وإذا كان هذا هو حال الثقافة الأوربية مع الثقافة الإسلامية في الفضاء الأوربي، فماذا عن العلاقة بين الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية، في الفضاء الإسلامي؟ فهل الثقافة الإسلامية تحمل داخلها الثقافة الغربية؟ نعم، حتى الثقافة الإسلامية تحضن الثقافة الغربية، وإن كان هذا الأمر لا يلمس لأول وهلة، نظرا لغلبة الاعتقاد في اختلال موازين القوى بين الثقافتين، وبميولنا إلى الاعتقاد في هيمنة الثقافة الغربية.

نخلص في نهاية حديثنا هنا عن الثقافة الإسلامية إلى أمرين. الأمر الأول وهو التسليم لكل معترض بأن حالة التنافر بين الثقافة الإسلامية وغيرها من الثقافات في زمن العولمة، حالة لا يمكن رفعها بسهولة. ولن تعوز المتأمل الأمثلة الدالة على توتر حاد بين الهويات. هناك مصالح اقتصادية وجيو-ستراتيجية وسياسية تساهم كلها في تحديد العلاقة بين هذه الشعوب وهوياتها، وترسم خارطة العالم وتملي نظامه. وأما الأمر الثاني فهو التسليم بضرورة فتح فضاء جديد من التأمل يخرج فيه الإنسان، سواء في الثقافة الإسلامية أو في الفضاءات الثقافية الأخرى، من ضيق مقام نفسي، المقام النفسي الذي يستحثه لتمثل الآخر في صورة العدو المطلق؛ إلى رحابة مقام نفسي جديد يمكنه من استشراف أفق وجودي جديد لا تُختَزَل عنده الذات في جوهر طاهر، ولا الآخر في مجرد عرض مدنس.

 

بقلم: خالد حاجيقسم

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق