علم الأديان

التوحيد عقيدة جميع الرسالات السماوية

 

لا يخفى على أحد من ذوي الأديان السماوية على أن التوحيد هو عقيدة كل الرسالات السماوية، فجميع الأنبياء والرسل دعوا إلى عقيدة واحدة وتوحيد واحد، لم يختلف مضمونها، منذ بعثة آدم عليه السلام إلى بعثة خاتم النبيين محمد(ص)، ومضمون هذه العقيدة هو الإيمان بوجود الله ووحدانيته وتنزيهه عن كل مالا يليق به والإيمان باليوم الآخر والحساب والجنة والنار، وما إلى ذلك.

وقد جاء القرآن الكريم يقرر حقيقة التوحيد ويؤكدها في كثير من آياته، وإذا كان لكل دين صفة رئيسية يمتاز بها، فإن الإسلام يوصف بأنه دين التوحيد، وللقرآن أسلوب فريد في الدعوة إلى التوحيد، فلقد دعا إلى أن وحدانية الله صريحة منزهة لا شائبة فيها، كما أن دعوته شملت التوحيد بأنواعه الثلاثة، توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، ولم يلجأ في إثبات هذه الحقيقة إلى خوارق العادات أو القوارع التي تخرس الألسنة، وإنما احتكم إلى الفطرة والعقل، يخاطب الفطرة السليمة التي هي فطرة على الإيمان بإله واحد لهذا الكون، ويخاطب العقل يطلب منه النظر والتدبر في ملكوت الله ليدرك أن هذا الإبداع وهذا التناسق فيه لا بد من مبدع.

لقد وردت آيات كثيرة تدعوا إلى التوحيد الخالق سبحانه وتعالى.

ومن هذه الآيات قوله تعالى على لسان عيسى عليه السلام: (إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم).[1] وقوله تعالى: (واعبدو الله ولا تشركوا به شيئا).[2]

وتختتم سورة المائدة في جواب الذين افتروا على عيسى عليه السلام واتخذوه هو وأمه كإلهين من دون الله: (وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أ أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، إن كنت قلته فقد علمته، تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم، وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد).[3]

فالتوجه إلى الله وحده هو الأمر الذي وجهه عيسى عليه السلام لأتباعه وهو يبرأ يوم القامة من كل الذين ادعوا فيه مالا يعلم له به.

لا ريب أن المسيح عليه السلام لم يقل شيئا كهذا، بل دعا إلى التوحيد وعبادة الله، ونزه الله عن كل شرك وشبهه، واستبعد عن نفسه مالا يحق له قوله ومالا يليق به قوله، فهو في الحقيقة لا ينفي هذا القول فحسب، بل ينفي أن يكون له حق في قول مثل هذا القول الذي لا ينسجم مع مقامه ومركزه وكانته.

وفي سورة مريم ينطبق عيسى عليه السلام بهذه الحقيقة وهو طفل صغير في مهده، فتكون أول قضية يواجه بها الناس: (قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني رب شقيا).[4]

يقول السسيد الطباطبائي حول هذه الآية الكريمة: أن المسيح عليه السلام بدأ في الجواب ولم يتعرض المشكلة لمشكلة الولادة التي كانوا يكرون بها على مريم عليها السلام لأن نطقه على صباه وهو آية معجزة وما أخبر به من الحقيقة لا يدع ريبا لمرتاب في أمره على أنه سلم في آخر كلامه على نفسه فشهد بذلك على نزاهته وأمنه من كل قذارة وخباثة ومن نزاهته طهارة مولده، والإعتراف بالعبودية لله ليبطل به غلو الغالين وتتم الحجة عليهم، والإخبار بإعطاء الكتاب والظاهر أنه الإنجيل، والإعلام بنبوته، والدعوة إلى الإيمان والعمل الصالح والصلاة والزكاة.[5]

وهذا هو قول المسيح عليه السلام لإبطال عقيدة النصارى القائلين  بألوهيته وإثبات عبوديته لله سبحانه وتعالى.

ويقول محمد جواد مغنية أيضا حول هذه الآية: أن المسيح عليه السلام لا هو جبار شقي كما قال اليهود، ولا هو إله أو ابنه أو شريكه كما قال النصارى، بل إنه نبي يبلغ رسالات الله ربه، وعبد من عباده يصلي ويزكي، وهو مبارك ينفع الناس، ومتواضع محسن لأمه وغيرها.[6]

وهكذا يعلن المسيح عليه السلام عبوديته لله، فليس هو ابنه كما تدعي فرقة، وليس هو إلها كما تدعي فرقة أخرى، ليس هو ثالث ثلاثة هم إله وهم ثلاثة كما تدعي فرقة ثالثة، ويعلن أن الله جعله نبيا لا ولدا ولا شريكا وبارك فيه وأوصاه بالصلاة والزكاة مدة حياته، والبر بوالديه والتواضع مع عشيرته.[7]

وفي المائدة أيضا يكشف القرآن الكريم ذلك الإنحراف الذي طرأ على النصرانية، ويبين ما قاله المسيح عليه السلام لبني إسرائيل حقيقة مع اعترافه بأن الله ربه وربهم على سواء: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار، لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد، وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم).[8]

هذا هو الأساس الأول من أسس دعوته عليه السلام، يجاهر به قومه فيدعوهم إلى عبادة الله وحده، ربه وربهم جميعا، ويحذرهم من مغبة الشرك وعاقبته المظلمة ويشهد على المنحرفين عن عقيدتهم بالكفر، سواء أكان انحرافهم باعتقادهم ألوهية المسيح أم باعتقادهم أنه ثالث ثلاثة.[9]

وهذه هي دعوة عيسى عليه السلام وكذلك بقية الأنبياء والرسل كما بينها القرآن الكريم، والآن نأتي ونبين على ان دعوة نبينا محمد(ص) ما كانت إلا اكتمال العقد، والحلقة الأخيرة في سلسلة الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، فلا عجب إذا رأينا التركيز الواضح على التوحيد في رسالته صلوات الله وسلامه عليه، ولا عجب إذا علمنا أن القرآن الكريم مكث ثلاثة عشر عاما يتنزل في مكة يخاطب الناس بهذا الأصل الأصيل، ويأتي بأساليب كثيرة لتثبيته في النفوس، فكان القرآن الكريم مليئا بهذه النصوص والأدلة القاطعة.

يقول الشيخ محمد العدوي رحمه الله: لقد افاض القرآن الكريم في الحديث على وحدانية الله تعالى في خلقه ورزقه وإحيائه وإماتته، كما أفاض في الكلام على وحدته في العبادة، وأنه لا يصح أن نعبد غيره أو نلجأ لسواه، ولما كان العرب يعترفون بأن الله هو الذي خلق السماوات والأرض ولم يشأ أن تذكر ذلك النوع من التوحيد إلا سبيل التذكير بتلك الوحدة، وحمل القوم على الإعتراف بها لينقلهم من ذلك الإعتراف إلى توحيد الله تعالى في العبادة.[10]

والآيات القرآنية التي عالجت قضية الوحدانية وجاءت لإقرارها بوسائل الفطرة والعقل والنظر كثيرة شملت أنواع التوحيد الثلاثة، وإن كان التركيز فيها على توحيد الألوهية والعبادة لأن العرب لم تكن تعترف به.

 

خلاصة القول: لقد اتضح علينا على أن عقيدة كل الرسالات السماوية هي التوحيد الخالص الكامل إلى الله تعالى وحده، التوحيد بكل شُعبه، وكان الأنبياء والرسل يدعون إلى وحدة الله تعالى وعبادته وجاءت آيات كثيرة وصريحة لإثبات حقيقة هذا التوحيد، وإذا يوجد التحريف في كتب بعض الأديان وعقيدتهم فذلك يكون في أثناء رحلة التأريخية وليس في البداية.

ليس القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي جاء بالآيات والأدلة الصريحة القاطعة لإثبات وحدانية الله، لكن حتى التوراة والأسفار الملحقة بها جاءوا بالأدلة والبراهين الكثيرة لإثبات وحدانية الله، ولنأت على بعض منها: جاء في سفر الخروج قوله: (لا يكن لك آلهة أمامي، لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورة ما مما في السماء من فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض، لا تجسد لهن ولا تعبدهن، لأني أنا الرب إلهك إله غيور افتقد ذنوب الآباء في الأبناء).[11]

وجاء أيضا في سفر التثنية: (الرب إلهك تتقي وإياه تعبد باسمه تحلف، لا تسيروا وراء آلهة أخرى من آلهة الأمم التي حولكم، لأن الرب إلهكم غيور في وسطكم، لئلا يحمي غضب الرب إلهكم عليكم فيبديكم عن وجه الأرض).[12]

جاء أيضا في إنجيل متى: عن شخص تقدم للمسيح يسأله: (وإذا جاء واحد تقدم وقال له أيها المعلم الصالح، أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية؟ فقال له لماذا تدعوني صالحا ليس أحد صالحا إلا واحد- وهو الله).[13]

وجاء في إنجيل مرقص: (فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون فلما رأى أنه أجابهم حسنا، سأله أية وصية هي أول الكل؟ فأجابه يسوع: إن أول كل الوصايا هي أسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد، وتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك، هذه هي الوصية الأولى، وثانية مثلها هي: تحب قريبك كنفسك ليس وصية أخرى اعظم من هاتين، فقال له الكاتب جيدا يا معلم بالحق قلت لأنه الله واحد ليس آخر سواه).[14]

جاء في إنجيل يوحنا قول المسيح عن الله وحصر الألوهية الحقيقية في الله سبحانه وتعالى وبين أنه هو مسيح ورسول مرسل من الله فقط: (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته).[15] وغير ذلك من الأدلة والبراهين التي تدل على أن التوحيد أصل الديانات السابقة جميعها.

لقد أقر المسيح نفسه باختصاص الله وحده فقط بالألوهية، وأنه نبي ورسول منه، ووسيط بين الله والناس أجمعين، إذن أدلة الوحدانية وبراهين التوحيد للإله الواحد الفرد الأحد، ونبوة المسيح عليه السلام ووساطته بين الله والناس كثيرة في الأناجيل المتداولة والرسائل الملحقة بها، لكن لما دخل يد التحريف في التوراة والأناجيل لقد خرجوا عن الإعتبارية لدى المسلمين وعدم الإعتراف بهم.

 

بقلم: الشيخ أمباكي فاي

 

 

[1] – سورة آل عمران: الآية/ 51

[2] – سورة النساء: الآية/ 36

[3] – سورة المائدة: الآية/ 116- 117

[4] – سورة مريم: الآية/ 30- 32

[5]  الميزان في تفسير القرآن: السيد محمد حسين الطباطبائي ج/ 14 ص/ 46

[6] – التفسير الكاشف: محمد جواد مغنية ج/ 5 ص/ 180

[7] – في ظلال القرآن: سيد قطب ج/ 4 ص/ 2308

[8] – المائدة: الآية/ 72-73

[9] – النصرانية من التوحيد والتثليث: د/ محمد أحمد الحاج ص/ 82

[10] – دعوة الرسل إلى الله تعالى: محمد أحمد العدوي ص/ 341

[11] – سفر الخروج: ص/ 20 عدد 3 – 5

[12] – سفر التثنية: ص/ 6 عدد 13 – 15

[13] – إنجيل متي: ص/ 19 عدد 16 – 17

[14] – إنجيل مرقص: ص/ 12 عدد 28 – 32

[15] – إنجيل يوحنا: ص/ 17 عدد 3

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق