علوم ومعارف

التنافر المعرفي

التنافر المعرفي )بالإنجليزية🙁 Cognitive dissonance)‏ في علم النفس، هو حالة من التوتر أو الإجهاد العقلي أو عدم الراحة التي يعاني منها الفرد الذي يحمل اثنين أو أكثر من المعتقدات أو الأفكار أو القيم المتناقضة في نفس الوقت، أو يقوم بسلوك يتعارض مع معتقداته وأفكاره وقيمه، أو يواجَه بمعلومات جديدة تتعارض مع المعتقدات والأفكار والقيم الموجودة لديه.تركز نظرية ليون فستنغر للتنافر المعرفي حول كيفية سعى البشر إلى خلق حالة من الاتساق الداخلي، ويميل الفرد الذي يواجه التنافر المعرفي إلى حالة من عدم الارتياح من الناحية النفسية، وينشئ داخله دافع لمحاولة الحد من هذا التنافر، وكذلك التجنب النشط للحالات أو المعلومات التي قد تزيد من حالة التنافر

يمر الإنسان بمفترقات طرق وقرارات لا يعرف نتائجها، ووجد المختصون أن عقل الإنسان ينجذب نحو القرارات التي تؤيد معتقداته واتجاهاته الفكرية، بل هو أيضًا يبحث عنها ويتجاهل الأفكار والأفعال التي تتعارض مع قناعاته الشخصية.

هذه التحيزات المعرفية من الممكن أن تجعل الفرد يتخذ قرارات خاطئة، لأنه لا يرى الحقيقة كاملة أو يتجاهل رؤيتها، لكن مع الانفتاح الثقافي أصبح من الصعب أن يعزل الفرد نفسه عن كل ما يتضارب مع معتقداته الداخلية

كل مناقشة يقوم بها الفرد مع المعلومة المتنافرة لا تكون مناقشة منطقية

قدم عالم النفس الاجتماعي ليون فيستينغر عام 1957 نظرية “التنافر المعرفي” التي تتلخص بالاضطرابات النفسية التي تتزاحم داخل الفرد عندما يفقد التوازن بين معتقداته وسلوكياته، محاولاً التوفيق بين أفكار أو سلوكيات أو اتجاهات متضادة، فيتولد لديه شعور النفور من الاختلاف والتناقض فيحاول الابتعاد عن دائرة الصراع التي تسبب له الضيق النفسي.

عندما يرفض الفرد المعلومة الجديدة ويحصر نفسه في معتقداته المسبقة وكل مناقشة يقوم بها مع المعلومة المتنافرة لا تكون مناقشة منطقية بحيث إنه يقدم حجج تؤيد قراره وبالتالي فإنه لا يسمح لنفسه بأن يفكر بشكل منطقي ويغلق على نفسه رافض الأفكار المخالفة وفقط يعمل على تأكيد أفكار قديمة.

النظرية والأبحاث

تأخذ معظم الأبحاث حول نظرية التنافر المعرفي نموذج من أربعة نماذج رئيسية، واعتنت البحوث الهامة الناتجة عن النظرية بعواقب التعرض لمعلومات غير متناسقة مع وجود اعتقاد مسبق، وماذا يحدث بعد أن يتصرف الفرد بطرق تتعارض مع مواقفهم أو توجهاتهم السابقة، وماذا يحدث بعد اتخاذ الأفراد لقرارات مصاحبة

نموذج الاعتقاد الغير مريح

يشعر الناس بالتنافر عندما تتم مواجتهم بمعلومات تتعارض مع معتقداتهم أو أفكارهم السابقة، وهذا التنافر يولد توتر وضعط نفسي يسعي لإزالة هذا التنافر، ويتم ذلك بتغيير المعتقد القديم أو رفض المعلومات الجديدة، وإذا لم يتم خفض هذا التنافر من خلال تغيير المعتقد القديم، فيمكن خفض التنافر واستعادة التناغم مرة أخري من خلال سوء الفهم أو رفض أو دحض المعلومات الجديدة، والسعي للحصول على دعم من الآخرين الذين يشتركون في نفس المعتقدات، ومحاولة إقناع الآخرين.ظهرت نسخة مبكرة من نظرية التنافر المعرفي في كتاب ليون فستنغر (1956) “عندما تفشل النبوءة” ( When Prophecy Fails). ويعطي هذا الكتاب سردا لتعميق إيمان أعضاء طائفة دينية بعد فشل نبوءتهم القائلة مثلا بأن هبوط جسم غريب علي الأرض ليدمرها هو أمر وشيك، ومن ثم يجتمع المؤمنون من هذه الطائفة في مكان ووقت محدد مسبقا، معتقدين أنهم هم وحدهم من سيبقون على قيد الحياة نتيجة أن الأرض سيتم تدميرها، ثم يجئ هذا الوقت المحدد ويمر دون وقوع أي شيء، وهذا بدوره يجعلهم في مواجهة مع التنافر المعرفي الحاد: هل كانوا ضحية لخدعة؟ هل تبرعوا بممتلكاتهم الدنيوية عبثا؟ ويختار معظم الأعضاء تصديق شيء أقل تنافرا لحل الواقع الذي لا يستوفي مع توقعاتهم وذلك بتصديقهم أن الأجسام الغريبة قد أعطت الأرض فرصة ثانية، وأن مجموعتهم مخولة الآن لنشر الكلمة بأن الإفساد في الأرض يجب أن يتوقف، وتزيد هذه المجموعة بشكل كبير من التبشير على الرغم من (وكذلك بسبب) النبوءة الفاشلة.

نموذج تبرير الجهد

ينشأ التنافر المعرفي كلما انخرط الفرد طوعا في أي نشاط غير سار من أجل تحقيق بعض الأهداف المرجوة، ويمكن خفض التنافر من خلال المبالغة في الرغبة في تحقيق هذا الهدف، كان لدي آرونسون وميلز بعض الأفراد الذي خضوعوا بالاحراج للانضمام إلى مجموعة مناقشة. وطُلب من إحدي المجموعات قراءة اثنتي عشرة لفظ فاحش بصوت عال. وطُلب من الآخري قراءة اثنتي عشرة كلمة متعلقة بالجنس ولكنها ليست فاحشة. ثم أعطيت كلا المجموعتين سماعات رأس للاستماع إلى مناقشة مسجلة مسبقا “تهدف إلى أن تكون مملة ومبتذلة قدر المستطاع” حول السلوك الجنسي للحيوانات، وقيل لأفراد المجموعات أن هذا النقاش يحدث في الغرفة المجاورة لهم. وفي النهاية أعطت المجموعة ذات الألفاظ البذيئة تقييما للمجموعة في الغرفة المجاورة على أنها أكثر إثارة للاهتمام أكثر من المجموعة الأخري.

يرى الباحث ليون فيستينغر أن التنافر ينشأ عند اتخاذ القرارات، على سبيل المثال، في قرارت الشراء يحدث التنافر إذا كنا نختار بين شقق سكنية، يحدث التنافر عندما نبحث عن خصائص جذابة في الشقة التي لم نخترها ونشعر بالسوء بسبب النواقص الموجودة في الشقة التي اخترناها، أو كلما قمنا بعمل منافي لمعتقداتنا وعاداتنا فإننا نعيش النزاع الداخلي لهذا التضارب.

ما الذي يؤثر في حجم التنافر المعرفي؟

المعتقدات ووجهات النظر جاءت نتيجة لتراكمات من موروثات عائلية أو اجتماعية اكتسبناها في الصغر، وأي معلومة متصلة بالمخ البدائي فإن العقل يتعامل معها باهتمام وحماية ويركز على هذه المعلومة الأساسية التي تكون جزءًا من هويتنا وصورتنا الشخصية.

إن لم نكن صرحاء مع أنفسنا فستكون ردود أفعالنا محاربة للمعلومات الجديدة ودفاعية

وتتوقف درجة التنافر المعرفي على عدة عوامل: قيمة الاعتقاد الذي نؤمن به، فكلما زادت قيمة ذلك الاعتقاد، زادت نسبة التوتر الملحة للتخلص من هذا التنافر الناتج عن الأفكار المتعارضة، أيضًا جدير بالذكر أن موقف الجماعة أو الغالبية ومدى تأييدهم للاعتقاد يؤثر في الرأي.

عامل آخر مبني على طبيعتنا وارتكاز هذه المعلومة في وجداننا، فإذا كانت طبيعتنا أن نرى العالم باللونين الأبيض والأسود فقط فسنجد أن طبيعة معلوماتنا تكون مطلقة وليس لدينا مرونة فكرية نتقبل بها آراء مختلفة أو جديدة علينا، إضافة إلى إن لم نكن صرحاء مع أنفسنا فستكون ردود أفعالنا محاربة للمعلومات الجديدة ودفاعية، أخيرًا، مكانة الأشخاص الذين نتفق أو نختلف معهم، فالاختلاف مع أشخاص لا نهتم لهم يخلق تنافر أكبر من الاختلاف مع أشخاص نقدرهم.

وضع فستنغر عدة حلول للحد من هذا التنافر:

الحل الأول: إعادة تقييم السلوك كأن يترك المدخن سلوك التدخين ليتماشى مع إدراكه.

الحل الثاني: إعادة تقييم المعتقد كأن يبحث المدخن عن معلومات تقلل من خطورة التدخين، ليحافظ على اتزانه النفسي ويتماشى مع سلوكه، حتى يتخلص من أي شعور مزعج حيال تصرفه.

أكدت الأبحاث أن التنافر المعرفي قد يكون جيدًا لنا، من أجل التغيير واكتساب معرفة جديدة قد تكون مفيدة لنا للحصول على فرص لم تكن في الحسبان، لذلك على الفرد أن يلاحظ سلوكياته ويتابع أفكاره حتى يتمكن من فهم مواقفه وما يترتب عليها حتى يحدث التغيير، أيضًا، أوضحت الدور المهم الذي يلعبه التنافر من خلال معرفة ما يمكن للفرد فعله في التعامل مع الأفكار المختلفة وبالتالي تقييم ذاته وإعادة تنظيم إدراكه ليقلل من النزاع الداخلى لهذه المواقف المتكررة.

ويكيبيديا

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق