الفكر الاسلامي

التحام الاجتماعي في الإسلام

SOCIAL COHESION

تتكون المجتمعات من أشخاص مختلفين من عرق وقوم وديانة مختلفة. في الوقت الحاضر ، هناك اقوال كثيرة عن المجتمعات التعددية وكيف يمكن للمرء أن يحقق االتحام الاجتماعي داخل هذه المجتمعات. نظرة الإسلام ، في هذا المجال ، فريد لأنه يشيد أقوى الروابط الممكنة.

قبل الحديث عن هذه الروابط ، من المهم التأكيد على أن الإسلام يرد مصدر ما يمنع  الوحدة داخل المجتمعات ، وهو التميّز والعنصرية.  كما أنّه يمكن للحكومات أن تصّوت عدد ما تريده من القوانين ،ولكن إذا كانت هذه الشرور متأصلة في قلوب الناس ، فلن يكون هناك التحام اجتماعي أبدًا. لا شيء يوضح هذا أفضل من المناقشات الجارية في أوروبا والولايات المتحدة حول الهجرة. إن كراهية “الأجانب” ، حتى أولئك الذين هم مواطنون كاملون في المجتمع ، ستجعل التحام الاجتماعي دائمًا مستحيلًا.

الإسلام يحارب العنصرية والتميز العرقي اعتمادا على قوله تعالى- حيث يعلمنا الله القيمة الحقيقية للإنسان- :بقوله سبحانه:يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(الحجرات/الآية)13.ولهذا ، في نظر المسلم ، يجب ألا يلعب العرق والعنصري أيّ دور سلبي في التحام الاجتماعي.كما أنّ  الاختلاف الوحيد الذي يأخذه الإسلام في الاعتبار هو الاختلاف في الدين ومستوى الإيمان. ولذلك فإن هذه المناقشة حول التحام الاجتماعي ستركز بشكل أساسي على التحام الاجتماعي من منظور ديني في سياق مجتمع تعددي.

تاثير الايمان في التحام الاجتماعي:

قد يطرح سؤالا في ما هي أقوى رابطة بين الناس ؟، فمن المحتمل أن يجيب معظم الناس على روابط الدم ، والعلاقات العرقية ، والعلاقات الجنسية ، وما إلى ذلك. بينما القرآن يعلمنا أن هذه الروابط ليست قوية عندما يكون ما يدعمها في الأساس ضعيفًا. وضرب الله مثلا  في القرآن قصة قابيل وهابيل ، لقتل أحدهما الآخر رغم كونه شقيقًا ، كما حدث لنبي يوسف وإخوته الذين ألقوا به في قعر البئر. مع أنهم كانوا جميعًا مرتبطين بالدم ، لكن مصالحهم الشخصية قد هيمنت. هذا ما يمكننا ملاحظته في الوقت الحاضر في جميع أنحاء العالم. الروابط التي توحد الناس تخضع لرغباتهم وأهدافهم. هناك الكثير ممن هم على استعداد لبيع الأب والأم والأبناء لتحقيق أهدافهم أو للحصول على ما يريدون.

كل هذا يظهر شيئا واحدا، عندما تستند الروابط بين الناس على اعتبارات دنيوية ، حتى لو كانت وصلات دم ، يتم إسقاط هذه الروابط أو تجاهلها بمجرد ظهور ظروف معينة. لذا فهذه ليست أقوى الروابط الموجودة بين الناس. فأقوى الروابط التي يمكن أن تربط بين الناس هي الروابط القائمة على الإسلام والعقيدة ، لأنها روابط أقامها الناس على أساس إيمانهم المشترك فقط ، لأنهم يؤمنون بالله. وعبادته. وهذا ما نفهمه في قوله تعالى:( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(الأنفال/الآية:63.

ومما يدعم ذلك قوله تعالى : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(آل عمران/الآية103. وفي السياق نفسه يقول ابن عاشور من أنّ “المجتمع الديني الاقوى او المجتمع الديني بالمعنى الاخص فهو المجتمع الذي لا يكون متكونا باي عامل من عوامل التكوين الاجتماعي قبل دخول العامل الديني وان العامل الديني يكون هو المكون الرئيسي والاساسي لدواعي الترابط الاجتماعي التي تؤلف بين الافراد بحيث انه يدفع الافراد مباشرة بتأثيره وهو وحده الى ان يأتلف بعضهم مع بعض وان يتعاونوا ويتعاضدوا ويتناصروا فتكون منهم مجتمع على ذلك الاساس الديني يكون الدين وحده الذي يسيره ويكون بقاء العقيدة الدينية وحده هو الذي يضمن بقاءه بخلاف ما يكون في المجتمعات الاخرى فانه مع بقاء العقيدة الدينية تأتي عوامل اخرى من دواعي الانفصال فتقضي على ذلك المجتمع بالتفتت والاخلال” وليس أدلّ على ذلك (منالنصوص بوضوح على أن المسلمين يهدفون إلى تكوين أخوة عالمية. و للإختصار نكتفي بذكر البعض منها ،وهي قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)(الحجرات/الآية:10.

وفي السياق نفسه قال النبي (ص):”المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا” (البخاري ، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم.)

بمعنى الحث على معاونة المؤمن لأخيه المؤمن ونصرته وأن ذلك أمر لابد منه، فهو شيء متأكد، كما أن البناء لا يتم ولا تحصل فائدته ولا يتحقق الغرض منه إلا بأن يكون بعضه يمسك بعضًا، بحيث يشد بعضه بعضًا ويقويه، وإلا تنحل أجزاؤه، وينفرط نظامه ويختل بنيانه،

ويصدق على هذا الرأي قوله-تبارك وتعالى: كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ [الصف:4]، بمعنى يرص بعضه بعضًا ويقويه. فهذا الحديث فيه تصوير وتوضيح لهذا المعنى كما أنّ هذه الأخوة العظيمة في الإسلام ليست نظرية فقط. في الواقع ، يتم تعريفها بوضوح ويتم تطبيقها على أساس أنه يحتوي على عناصر أساسية وحقوق وواجبات محددة وردت في القرآن والسنة. تنطبق هذه الحقوق والواجبات على كل مسلم في جميع الأوقات والأماكن.

ونخلص الى أن قرائن وتأثيرالإيمان أقوى من غيرها؛لأن من خلالها ، يتحد الناس من جميع أنحاء العالم لتحقيق هدف المشترك(التحام الاجتماعي) و لتحقيق هذا الهدف يستدعى  ايجاد أخوة عالمية بحيث يوحّد الناس جهودهم ويساعدون بعضهم البعض بالرحمة والمحبة.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق