القرآن الكريم

الاستعارة في القرآن

إنّ المجاز الذي تكون فيه العلاقة بين المعنى المنقول منه والمعنى المنقول إليه علاقة مشابهة يسمى استعارة، ولذلك قيل في تعريف الاستعارة أنّها مجاز يقوم على يقوم على علاقة المشابهة بين المستعار منه والمستعار له، فعند القول “التقيت بحرًا يعطي الفقير والمحتاج”؛ فالمعنى هنا عقد مشابهة بين الرجل الكريم والبحر، وقد تمّ الاستغناء عن المشبه والذي هو “الرجل الكريم”، وذكر المشبه به وهو “البحر”، والمشبه به المذكور هو اللفظ المستعار، تمّ استعارته من معناه المعروف في اللغة وهو مكان تجمع المياه الكثيرة المالحة، للجواد الكريم، فهذا مجاز لعدم استخدام كلمة البحر لمعناها الحقيقي، بالإضافة إلى أنّ العلاقة بين الرجل الكريم والبحر هي التي حكمت علاقة هذا المجاز، فالمجاز استعارة، و ذكر “يعطي الفقير والمحتاج” هي الكلمة التي منعت من إرادة المعنى الأصلي لكلمة البحر، فالبحر الحقيق لا يعطي، وتسمى هذه الكلمة بالقرينة.

إذن تعريف الاستعارة هي مجاز لغوي علاقته المشابهة؛ ومن أمثلتها قوله تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}،(ابراهيم/1)والمقصود في هذه الآية أنّه أخرجهم من الضلال إلى الهدى والصلاح، فلفظتي “الظلمات والنور” استعملت في غير المعنى الحقيقي لها، وعلاقة المشابهة هي بين الضلال والظلمات، وبين النور والهدى، والقرينة التي دلت على هذه العلاقة هي الكتاب؛ أي القرآن الكريم.
أنواع الاستعارة:

تم تعريف الاستعارة أنّها مجاز قائم على التشبيه، بل إنَّ التشبيه كالغرض فيها، أو كالعلّة والسبب من فعلها، والاستعارة بالنظر إلى حذف أحد طرفي التشبيه نوعان ، استعارة تصريحيّة أو استعارة مكنيّة، وسيتم فيما يأتي شرح كلا النوعين، والتمثيل على كلٍّ منهما:

الاستعارة التصريحية وهي التي حُذف فيها المشبّه وصُرّح بذكر المشبّه به، ومثالها قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}،وهنا استُعيرتْ كلمة الصراط المستقيم للدين الحقّ؛ لتشابههما في أنّ كلًّا منهما يوصل إلى المطلوب، والقرينة هنا حاليّة، لأن الله لا يهدي إلى الطريق المحسوس بل المقصود الدين الحق، فتم تشبيه الدين الحق بالطريق المستقيم، بجامع الهداية في كلّ منهما، ثم حُذف المُشبّه وهو “الدين”، وصُرّح بذكر المشبّه به وهو “الصراط” على سبيل الاستعارة التصريحيّة. وجاءت أيضًا في قول المتنبي وهو يصف دخول رسول الروم على سيف الدولة الحمدانيّ: وَأَقبَلَ يَمشي في البِساطِ فَما دَرى إِلى البَحرِ يَمشي أَم إِلى البَدرِ يَرتَقي وفي هذا البيت استعارتان، أولهما في “البحر” والثانية في “البدر”، والأولى تضمّنت تشبيهًا بين سيف الدولة وبين الابحر، والثانية تضمّنت تشبيهًا بين سيف الدولة وبين البدر، وقد المشبّهان في الاستعارتين، وصُرّح بذكر المشبّهين بهما “البحر والبدر”، وذلك على سبيل الاستعارة التصريحيّة، والقرينة هنا لفظيّة، وهي قوله “وأقبل يمشي في البساط”.

الاستعارة المكنية وهي التي فيها حُذف المشبّه به وكُنّي عنه بشيء من لوازمه أو بشيء يتبعه أو يدلّ عليه، ومن أمثلتها قوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ}،(الاسراء/24)وقد شبّه هنا الذلّ بالطائر بجامع الخضوع بينهما، ثم حُذف المشبّه به “الطائر” وذُكر شيء من لوازمه وهو “جناح”؛ لأنّ الجناح في حقيقته للطائر، والكلام جارٍ على سبيل الاستعارة المكنيّة، ومنها قول أبو ذؤيب الهذلي في رثاء أبنائه: (وَإِذا المَنِيَّةُ أَنشَبَت أَظفارَها أَلفَيتَ كُلَّ تَميمَةٍ لا تَنفَعُ) وقد شبّهت المنية هنا بالسبع الذي لا يُفرق عند افتراسه بين الناس، ثم حُذف المشبّه به “السبع”، وذُكر شيء من لوازمه “الأظفار” على سبيل الاستعارة المكنية. الاستعارة بالنظر إلى اللفظ المستعار بعد تعريف الاستعارة، والحديث عن أنواعها بالنظر لطرفي التشبيه، يمكن الحديث عن أنواع الاستعارة من اللفظ المستعار، إن كان لفظًا جامدًا أم مشتقًا، فإن كان جامدًا فهي استعارة أصلية، وإن كان مشتقًا فهي تبعية، وسيكون التفصيل في كل منهما فيما يأتي:

 الاستعارة الأصلية وهي أن يكون فيها لفظ المستعار أو اللفظ الذي جرت فيه اسمًا جامدًا، أيْ غير مشتق، ومثالها في قوله تعلى: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ}،وتقدير الكلام “لو أنّ لي بكم قوة لفعلت بكم وصنعت أو لجأت إلى قوي أستند إليه ليحميني، والشاهد كلمة “ركن” في الآية الكريمة، فكأنّما شبّه المُعين الشديد بالركن في القوة لأن الأركان بالأصل للبنيان، ثم حذف المشبّه وضرّح بذكر المشبّه به “الركن” على سبيل الاستعارة التصريحيّة، ولما كانت كلمة “ركن” المستعار لفظًا جامدًا سُميت استعارة أصليّة.

الاستعارة التبعية وهي التي يكون فيها اللفظ المستعار اسمًا مشتقًا أو فعلًا، وسمّيت تبعيّة لأنّها مبنية على استعارة أخرى، فهي تابعة لها في إجرائها، تأمل قوله تعالى: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ}(البقرة/16)واللفظ المستعار هو “اشتروا” وهو فعل، والمقصود استبدلوا الضلالة بالهدى، لأن الضلالة لا تُشترى، ولكنّها يمكن أن تستبدل بغيرها، وعند إجراء الاستعارة، وتحليلها، يُقال كأنما شُبه الاستبدال بالشراء ثم حذف المشبّه “الاستبدال”، واشُتقّ من الشراء وهو المشبّه به فعل “اشتروا” بمعنى استبدلوا على سبيل الاستعارة التصريحيّة التبعيّة.

الاستعارة التمثيلية بعد تعريف الاستعارة، والشرح التفصيليّ لأنواعها الأساسيّة، يمكن تعريف الاستعارة التمثيليّة، وهي استعارة مَثَل أو حكمة، أي استعارة صورة أو تركيب وليست استعارة كلمة، وهي في أصلها كالتشبيه التمثيليّ وهو تشبيه صورة بصورة، ولكنّ التشبيه يشكل صورتين ثملان الطرفين الأساسين للتشبيه، أمّا الاستعارة التمثيلية فهي صورة واحدة، وهي صورة المشبّه به، فالاستعارة هي تشبيه حُذف منه أحد الطرفين. وتقوم هذه الاستعارة على أن يتمثل المتكلم -في حالة ما- بمثَل من أمثال العرب قيل في مثلها، ثم يترك المشبّه أي الحالة التي قيل فيها، ويذكر المشبه به أي صورة المثَل، ومثال ذلك قول العرب “أخشفًا وسوء كيلة” وهو مَل قصته أنّ رجلًا أراد أن يشتري تمرًا، فكان البائع يختار له الخشف أي التمر الرديء، وينقص له في الكيل، فقال الرجل: “أخشفًا وسوء كيلة”، والمعنى أن البائع جمع بين سيئتين، وذهبت هذه العبارة مثلًا، وصار الناس يستخدمون هذا المثل في الحالات المشابهة للحالة التي قيل فيها على سبيل الاستعارة التمثيليّة.

من روائع نموذج الاستعارة في القرآن الكريم

بسم الله الرحمن الرحيم
-(وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ)( يّـس:37)
استعير في الآية الكريمة : ” السلخ ” وهو كشط الجلد عن الشاة ونحوها لإزالة ضوء النهار عن الكون قليلاً قليلاً، بجامع ما يترتب على كل منهما من ظهور شيء كان خافياً، فبكشط الجلد يظهر لحم الشاة، وبغروب الشمس تظهر الظلمة التي هي الأصل والنور طاريء عليها، يسترها بضوئه . و هذا التعبير الفني يسميه علماء البلاغة ” الاستعارة التصريحية التبعية ” .
استعارة رائعة وجملية، تأمل اللفظة المستعارة وهي ” نسلخ ” إن هذه الكلمة هي التي قد استقلت بالتصوير والتعبير داخل نظم الآية المعجزة فهل يصلح مكانها غيرها ؟

 –(وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ)( التكوير:18)
استعارة قد بلغت من الحسن أقصاه، وتربعت على عرش الجمال بنظمها الفريد، إنها قد خلعت على الصبح الحياة حتى لقد صار كائنا حيا يتنفس، بل إنساناً ذا عواطف وخلجات نفسية، تشرق الحياة بإشراق من ثغره المنفرج عن ابتسامة وديعة، وهو يتنفس بهدوء، فتتنفس معه الحياة، ويدب النشاط في الأحياء على وجه الأرض والسماء، أرأيت أعجب من هذا التصوير، ولا أمتع من هذا التعبير؟
ثم تأمل اللفظة المستعارة وهي ” تنفس ” فهل من ألفاظ اللغة العربية على كثرتها يؤدي ما أدته، ويصور ما صورته ؟

 –(إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ)( الحاقة : 11)
استعارة فريدة لا توجد في غير القرآن إنها تصور لك الماء إذا كثر وفار واضطرب بالطاغية الذي جاوز حده، وأفرط في استعلائه . أرأيت أعجب من هذا التصوير الذي يخلع على الماء صفات الإنسان الآدمي ؟ ثم تأمل اللفظة المستعارة ” طغى ” إنها بصوتها وظلها وجرسها إيحائها قد استقلت برسم هذه الصورة الساحرة في إطار نظم الآية المعجزة .

(فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)( الحجر/94)
استعير في الآية الكريمة :” الصدع ” وهو كسر الزجاج ،استعارة رائعة وجميلة إنها تبرز لك ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم في صورة مادة يشق بها ويصدع، تأمل اللفظة المستعارة ” اصدع ” إنها قد استقلت برسم هذه الصورة الفردية المؤثرة إذ أن من يقرأها يخيل إليها أنه يسمع حركة هذه المادة المصدوعة تخيل لو استبدلت كلمة ” اصدع ” بكلمة ” بلغ” ألا تحس أن عنصر التأثير قد تضاءل وأن الصورة الحية المتحركة قد اختفت وأن المعنى قد أصبح شاحباً باهتاً؟
-(وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً) (الكهف:99)
استعير في الآية الكريمة الموج ” حركة الماء” للدفع الشديد بجامع سرعة الاضطراب وتتابعه في الكثرة ثم اشتق من الموج بمعنى الدفع الشديد” يموج ” بمعنى يدفع بشدة .
إن هذه الاستعارة القرآنية الرائعة تصور للخيال هذا الجمع الحاشد من الناس احتشاداً لا تدرك العين مداه حتى صار هذا الحشد الزاخر كبحر ترى العين منه ما تراه من البحر الزاخر من حركة وتموج واضطراب . تأمل اللفظة المستعارة أنها في إطار نظم الآية المعجزة قد استقلت برسم هذا المشهد الفريد .

(الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)ابراهيم:1)
استعير في الآية الكريمة الظلمات للضلال بجامع عدم الاهتداء في كل منها .. واستعير النور بجامع الاهتداء في كل منها . وهذا المسلك الأدبي يسميه علماء البلاغة ” الاستعارة التصريحة الأصلية “.
هذه الاستعارة الفردية تجعل الهدى والضلال يستحيلان نوراً وظلمة . إنها تبرز المعاني المعقولة الخفية في صورة محسوسة، حية متحركة كأن العين تراها واليد تلمسها .
تأمل كلمة ” الظلمات ” إنها تصور لك بظلامها الضلال ليلاً دامساً يطمس معالم الطريق أمام الضلال فلا يهتدي إلى الحق ثم تأمل الدقة القرآنية في جمع ” الظلمات ” أنه يصور لك إلى أي مدى ينبهم الطريق أمام الضلال فلا يهتدون إلى الحق وسط هذا الظلام المتراكم .
ثم تأمل كلمة ” النور ” أنها بنورها تصور لك الهداية مصباحاً منيراً ينير جوانب العقل والقلب ويوضح معالم الطريق أمام المهتدي فيصل في سهولة ويسر إلى الحق فينتفع به فيطمئن قلبه وتسكن نفسه ويحظى بالسعادة في دنياه وأخراه .

 

 

تعريف البلاغة لغة واصطلاحا”، www.uobabylon.edu.iq
موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن و السنة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق