أخلاقتربية وثقافة

الاخلاق في المجتمع الاسلامي

انّ الإسلام عظّم الأخلاق الحسنة، حيث إنّ الأخلاق في الإسلام، لا تعدّ سلوكاً فقط، وإنّما هي في الحقيقة عبادةٌ يكتب عليها الأجر من الله تعالى، كما أنّها من مجالات التنافس بين العباد، وهي من عوامل التفاضل بين الناس يوم القيامة، حيث قال الرسول (ص): (إنَّ أحَبَّكم إليَّ وأقرَبَكم منِّي في الآخرةِ؛ أحاسِنُكم أخلاقًا)،[٥] والأخلاق تعدّ من أكثر الأعمال وزناً وقيمةً، ومما يدل على ذلك قول الرسول(ص)ما شيءٌ أثقَلَ في ميزانِ المؤمِنِ يومَ القيامَةِ من خُلُقٍ حسنٍ)،] وإنّ أجر الأخلاق؛ كأجر العبادات وثوابها، والأخلاق تعدّ الأساس الذي يقوم عليه بقاء الأمم، حيث إنّ بقاء الأمم مرتبطٌ ببقاء الأخلاق، وانهيار الأخلاق، يؤدي إلى انهيار الأمة، حيث قال الله تعالى: (وَإِذا أَرَدنا أَن نُهلِكَ قَريَةً أَمَرنا مُترَفيها فَفَسَقوا فيها فَحَقَّ عَلَيهَا القَولُ فَدَمَّرناها تَدميرًا). سورة الإسراء، آية: 16

المعيار الاخلاقي في أكثر المدارس الاخلاقية في العالم هو محاربة الأنا والأنانية وعبادة الذات.

يعني أن الفعل الاخلاقي هو الفعل الذى لا يهدف منه الانسان مصلحته الشخصية،والاخلاق هي تدمير سور(الأنا) السور من الأنانية الذى يفصل بين الذات الإنسان والآخرين.وهناك مذهبان أو ثلاث مذاهب تقول بأن الانسان يجب عليه(الاهتمام بنفسه)و(الحسن) هو هذا،وهذا الكلام هو ما قاله ((نيتشه)) وأساسا يخالف كل التعليمات التى تقرّر محبة الآخرين ومحبة الناس والايثار وغير ذلك.ويقول:إن هذه الكلمات كلها باطلة والانسان السعيد هو الانسان الذى يسعى نحو القدرة ولا معنى لتضعيف الأنا وقتلها،بل يجب تقوية الأنا،ولا معنى لترحم على الضعفاء،الضعيف يجب أن يزول من الوجود ولو سقط شخص في بئر فيجب أن نلقىي عليه صخرة أيضا لأنه مجرم وأعظم جرمه أنّه ضعيف،فلو اهتمت البشرية بإشاعة هذا اللون من الاخلاق لأصبح الانسان قويا،لأنّه بعد فترة من الصراع ةالتنازع وانتخاب الأقوى أو انتخاب الأصلح فإنّ البشرية سوف تتقدّم،وأكبر خيانة للبشرية هو التوصية بمساعدة الضعفاء.

وقد أحدثت هذه المقولة ضجّة في العالم،لأنّها ردّت على تعليمات المسيح(ع) الذي كان يوصى كثيرا بمحبة الآخرين ومساعدة الضعفاء ،وأكدّت على أنّ هذه التعليملت هي أضرّ شيء للمجتمع البشري.

المسالة الاخرى أن لدينا نوعين من النفس:أحدهما تلك(النفس)التى يجب محاربتها،وهي عبادة الشهوات وعبادة الذات،ولكن في نفس الوقت هناك (نفس) أخرى يجب تربيتها وتقويتها ولا ينبغي محاربتها،لأنه بمحاربتها سوف ينهدم الأساس الأخلاقي في الاسلام.

ثلاثة أنواع من الأخلاق في المجتمع الاسلامي

في المجتمعات الاسلامية ثلاثة أنواع من الأخلاق:

1-الأخلاق السقراطية أو الأخلاق الفلسفية،وهي محدودة بمحيط العلماء والفلاسفة،لأنّها جافّة جدّا،فلم تمتد الى أوساط الناس،ولكن النوعين الآخرين من الأخلاق كانا مؤثرين في عموم الناس.

2-الأخلاق العرفانية،يعني الأخلاق التىدعا لها العرفاء والمتصوفة وتتوافق بشكل كبير مع الكتاب والسنّة.

3-الأخلاق الروائية،أي الأخلاق المقتبسة من الأخبار والأحاديث الشريفة والتى نشرها الرواة في أوساط الناس.

وهذان النوعان من الأخلاق يشتركان في وجوه ويختلفان في بعض الوجوه،إنّ محور الأخلاق العرفاء يدور حول مجاهدة النفس،وهذا صحيح في أساسه ومطابق للأخلاق الواردة في الكتاب والسنّة،ولكنها تعرّضت الى أنواع من الإفراط أدّى بها الى ظهور بعض التعليمات غير المتفقة مع الكتاب والسنّة والأخلاق الاسلامية،فهؤلاء خلطوا بين دعوة الاسلام الى مجاهدة النفس والأنانية وحبّ الذات وبين تأكيد الاسلام على كرامة النفس وحفظ شرفها.

الإسلام يخالف حبّ الذات بمعنى اتّباع الشهوات من الأكل والنساء وحبّ الأموال والجاه وأمثال ذلك من الأمور التى يميل إليها طبع الانسان،ولكن الأمور التى لا يميل إليها الطبع لا بدّ من تقويتها من قبيل الشرف والعزّة وكرامة النفس،وعدم التوجّه لأى هذه الأمور يعنى عدم التوجّه الى جوهر الروح والنفس في الانسان،فالاهتمام بهذ(النفس) وتقويتها يتحدّ في الهدف مع مجاهدة تلك (النفس) فكلاهما يسيران في طريق واحد ونحو هدف واحد،وعلى العكس من ذلك فإنّ قتل هذه النفس ياغى الأثار الايجابية لمجاهدة تلك النفس.

مثلا الحديث الواردة في نهج البلاغة الذى يقول:(من مرمت عليه نفسه هانت عليه شهواته)(نهج البلاغة:الحكمة 441. يعني أنّ هذا الشعور بالكرامة والشرف يؤدى الى ترك اتّباع الشهوات،وذلك بنذكير الإنسان بروحه وباطنه وأنّك ذو مقام عال فلا ينبغى عليك أن تلوث هذه(النفس) بالحقير والتافه من الأمور،مثل الشخص الذى يملك لوحة جميلة جدّا ولكنه لايعرف قدرها،فنقول له:(هل تعلم قيمة هذه اللوحة؟إنّها أثرية وفريدة ومع الاسف إنّها تقبع في هذا المكان).فما دام الشخص لا يعرف أهميتها لا يهتمّ بها،ولكنّه بمجرد اطلاعه على ذلك فإنّه سيقوم بحفظها فورا.

الحديث الآخر عن الإمام الهادي(ع): (من هانت عليه نفسه فلا تأمن شرّه)تحف العقول/ح11.

الشخص الذى فقد الشعور بكرامة النفس وأهمل وضيّع هذا الكنز العظيم،غير مأمون فينبغي أن تتجنّبه ولا تأمن شرّه.

وقد ورد في الحديث في باب العقل والجهل في تحف العقول(الصفحة 389): (لا دين لمن لا مروّة له.هذه الدعوة الى المروءة والشهامة بنفسها دعوة للنفس أيضا)ولا مروّة لمن لا عقل له.إنّ أعظم الناس قدرا من لا يرى الدنيا لنفسه خطرا.

هذا المعنى الوارد في الحديث ليس من عبادة الذات،فإنّ أعظم الناس قدرا هو الذى لو جعلت الدنيا بأجمعها في جانب،كرامته وعزّة نفسه في جانب آخر فإنّه يرجّح كرامة نفسه على الدنيا وما فيها،يعنى أنّه غير مستعدّ للتنازل عن شرفه وكرامته في مقابل جميع نعم الدنيا.

الامام الصادق(ع) يقول: (ولا تكن فظا غليظا يكره الناس قربك ولا تكن واهنا يحقرك من عرفك)تحف العقول/304).يعنى أن الاسلام لا يرضى للمسلم وبحجّة مجاهدة النفس ومحاربتها أن يكون حقيرا وذليلا بحيث لا يلتفت إليه أحد ولا يهتم به شخص،فلا بدّ من المحافظة على العزّة والشرف،القرآن الكريم يقول: (ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين.(المنافقون/8).

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق