علم الإقتصادعلوم ومعارف

مصادر الانتاج وموقف الإسلام

يذكر الباحثون في ( الاقتصاد السياسي) أن مصادر الانتاج ثلاثة هي:

الطبيعة ورأس المال والعمل بما يشمل الإدارة والتنظيم.

ويرى السيد الشهيد الصدر قدس سره أنه ينبغي استبعاد البحث في المصدرين الأخيرين لسبب بسيط هو أن تحديد الموقف ينبغي أن يلحظ المصدر الأول السابق على أي شكل من أشكال الانتاج، وبناءً عليه، فرأس المال يمثل ثروة سبق إنتاجها لتشكل مادة لإنتاج ثروة أخرى ولذا فهو يندرج ضمن الثروة المنتجة فيبحث الموقف منه في نظام التوزيع بعد الانتاج.

فأما العمل فهو عنصر معنوي، لا ثروة مادية تمتلك على نحو خاص أو عام.

فتبقى الطبيعة بصفتها المصدر الأول والأساس لكل إنتاج، وهي تشتمل على عناصر أربعة: الأرض والمواد الأولية والمياه الطبيعية والثروات الأخرى المختلفة.

أولاً: الأرض

قسم الفقهاء الأرض الى أربعة أقسام تتفق أحياناً وتختلف أخرى من حيث الأحكام وهي:

1- أرض الفتح وهي الأرض التي أصبحت إسلامية بالفتح والجهاد كأراضي الشام والعراق ومصر وإيران وغيرها، وهي على ثلاثة أنواع:

أ- الأرض العامرة بشرياً حين الفتح فقد أجمع علماء الامامية على أنها ملك عام

لكل المسلمين من وجد ومن سيوجد. رُوي عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: “لا تشتروا من الأرض السواد ( أي أرض العراق) شيئاً إلاّ من كانت له ذمة فإنما هو في‏ءٌ للمسلمين”.

ب- الأرض الميتة حين الفتح وهي التي لم تكن عامرة حين دخولها في حوزة الاسلام لا طبيعياً ولا بشرياً فهي ملك للإمام عليه السلام، وباصطلاح العصر ملك الدولة الاسلامية لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ للَّهِ والرَّسُول﴾ الملك:15 وجاء عن الامام الصادق عليه السلام أن الموات كلها هي له وهو قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ…﴾.

وقد سمحت الشريعة لأفراد المسلمين إحياء هذه الأرض وإعمارها وإستثمارها مما يفهم منه أن الأحياء يعطيهم حقاً خاصاً بهم. فقد جاء عن أهل البيت عليه السلام: “من أحيى أرضاً فهي له وهو أحق بها”. لكن اختلف الفقهاء في طبيعة هذا الحق بين قائل بالملكية الخاصة وبين قائل بثبوت حق التصرف دون أن يمتلك المحي رقبة الأرض كما عن الشيخ الطوسي رحمهم الله. ويرى السيد الشهيد الصدر قدس سره أن الرأي الثاني أكثر إنسجاماً مع النصوص الشريفة بدليل أن المحي يتوجب عليه دفع أجرة الأرض للإمام، لما ورد عنهم عليه السلام “من أحيى أرضاً من المؤمنين فهي له وعليه طسقها” أي أجرتها.

ج- الأرض العامرة طبيعياً حين الفتح كالغابات فإنها ملك الامام أي الدولة الاسلامية لقولهم عليه السلام: “كل أرض لا رب لها هي للامام”. ويرى السيد الشهيد الصدر قدس سره أن الأرض العامرة طبيعياً هي ملك الدولة الاسلامية سواء كانت مفتوحة عنوة أم لا.

2- الأرض المسلمة دون جهاد، وهي التي أسلم أهلها طوعاً كأرض المدينة المنورة وأندونيسيا وغيرها. فما كان منها ميتاً فهو كسائر الموات يدخل في ملكية الدولة الاسلامية، وكذلك الأرض العامرة طبيعياً، وأما العامر منها بأهلها فهي لهم.

3- أرض الصلح، وهي الأرض التي غزاها المسلمون فلم يسلم أهلها لكنهم لم يقاوموا عسكرياً وقبلوا العيش في كنف الدولة الاسلامية مسالمين فتخضع الأرض لشروط الصلح معهم ولا يجوز مخالفتها، وأما الأرض الموات والعامرة طبيعياً فهي ملك الدولة الاسلامية كسائر الأراضي المماثلة.

4- أراضي الدولة الإسلامية الأخرى من قبيل الأرض التي باد أهلها أو التي استجدت بطمر السواحل أو بعض مجاري الأنهار، وكذلك الأراضي التي سلمها أهلها للدولة الاسلامية طوعاً، فهذا كله من الأنفال التي للإمام أي الدولة الاسلامية.

ويتضح من العرض السابق أن الملكية الخاصة للأرض قد وضعها الإسلام في إطار ضيق إلى أبعد الحدود، حتى أن بعض فقهاء الامامية كابن البراج وابن حمزة ذهبوا الى إنتقال الأرض المملوكة الى الدولة إذا أهملها أصحابها الأصليون ولم يستثمروها. ويبرر السيد الشهيد الصدر قدس سره ذلك بمبررين:

الأول: اقتصادي يعود الى ضرورة مساهمة الأرض في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وحركة الانتاج في المجتمع.

والثاني: سياسي وهو أن إقرار ملكية الداخلين في الإسلام على أرضهم يحمل اعتباراً خاصاً لمصالح الرسالة واتساع حوزة الاسلام بدون عقبات كبيرة لكن ذلك ليس مطلقاً بل يرتبط هذا الإقرار بمدى إسهامهم في الحياة الاسلامية.

وإنطلاقاً من ذلك أبدى قدس سره محاولة فقهية هامة ومفادها أن المبدأ في الأرض هو ملكية الدولة الاسلامية والى جانبه حق الإحياء بدون إستثناء وهو ما يمكن من فهم قول الامام علي عليه السلام “والأرض كلها لنا فمن أحيى أرضاً من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها الى الامام”.

ثانياً: المواد الأولية

تحظى الدولة الأولية باهتمام خاص في الأبحاث الاقتصادية سواء كانت علمية أو مذهبية، نظراً الى ما تمثله من قوة أساسية لإدارة عملية الانتاج في الحياة الاقتصادية، والمقصود بها المعادن.

ويقسم عادة الفقهاء المعدن الى قسمين: ظاهر وباطن.

فالمعدن ظاهر الظاهر هو الذي لا يحتاج الى جهد وعمل لإظهار معدنيته كالملح والنفط.

والمعدن الباطن هو الذي يحتاج الى جهد وعمل لإظهار معدنيته كالحديد والذهب.

والرأي الفقهي المعروف في المعدن الظاهر أنه من المشتركات فتدخل في الملكية العامة ويرجع الى ولي الأمر ( الدولة) تحديد استثماراتها بما يتفق مع المصالح العامة

للأمة، ولذا يمنع الأفراد والجماعات القيام بعمليات استثمارية للمعادن وإنما يسمح لهم بالحصول على حاجتهم دون تحديد لقدر الحاجة.

وأما المعادن الباطنة فهي على قسمين: المعادن الباطنة القريبة من سطح الأرض فحكمها كالمعادن الظاهرة، والمعادن الباطنة في أعماق الأرض التي تتطلب جهداً إضافياً في التفتيش عنها والحفر للوصول إليها.

والرأي السائد بين أكثر علماء الامامية أنها ملك الدولة وتحت نظر ولي الأمر لكونها من الأنفال فتملك بالكشف والحفر لأنها لون من ألوان الإحياء والحيازة لكن بحدود ذلك الحفر الذي اصطلحوا عليه ب( حريم المعدن). ولم يفرق الفقهاء بين الأرض العامة أو الخاصة( المملوكة)، لأن دليل الاحياء عندهم يختص بالأرض فلا يشمل ما تحويه من الثروات في الأعماق.

والنتيجة التي تظهر من العرض السابق فيما يتعلق بالمعادن أنها من الأملاك العامة.

ثالثاً: المياه الطبيعية

تنقسم المياه الطبيعية الى قسمين:

الأول: المياه الظاهرة على سطح الأرض كالأنهار والبحار والعيون الطبيعية ونحوها… وهذا القسم من المشتركات العامة بين الناس الذي يدخل في الملكية العامة، واستثني منها على الرأي المشهور بين الفقهاء المياه النابعة في الأرض الخاصة، وعن الرسول صلى الله عليه وآله: “إن الناس شركاء في ثلاث: الماء، والنار، والكلأ”، وعليه، فلا يملك شي‏ء من هذه المياه إلاّ بالعمل والحيازة.

الثاني: المياه الجوفية كمياه الابار، فإنها تملك بالعمل والحفر وما يتجدد منها دون نفس العين. ومع ذلك فلا يحق للمستخرج أن يبيع الزائد عن حاجته الى الاخرين لقول النبي صلى الله عليه وآله: “لا تبعه ولكن أعره جارك أو أخاك”، لأن المادة الزائدة عن حاجته لا تزال من المشتركات العامة.

رابعاً: الثروات الطبيعية الأخرى

والمقصود بها الطيور والمواشي والغابات والمراعي وسائر الثروات الطبيعية، وهي من المباحات العامة التي تملك بالعمل والحيازة.

للمطالعة

الحمى في الاسلام

( الحمى) مفهوم قديم عند العرب، يعبر عن المساحات الشاسعة من موات الأرض، يحتكرها الأفراد والأقوياء لأنفسهم، ولا يسمحون للاخرين بالاستفادة منها، ويعتبرونها وكل ما تضم من طاقات وثروات، ملكاً خالصاً لهم، بسبب استيلائهم عليها، وقدرتهم على منع الاخرين من الانتفاع بها، وقد جاء في كتاب الجواهر للمحقق النجفي: “أن هؤلاء كان من عادة أحدهم في الجاهلية، إذا انتجع بلداً مخصباً، أن يستعوي كلباً على جبل أو سهل، ثم يعلن تملكه لمجموع المساحة التي امتد إليها صوت الكلب من سائر الجهات، وحمايته لها من الاخرين، ولذلك يطلق عليها اسم: ( الحمى).

وقال الشافعي في كتابه بعد أن نقل بسنده عن الصعب أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: “لا حمى إلاّ لله ورسوله” كان الرجل العزيز من العرب إذا انتجع بلداً مخصباً أوفى بكلب على جبل إن كان به أو نشز إن لم يكن جبل ثم اسعواه وأوقف له من يسمع منتهى صوته بالعواء فحيث بلغ صوته حماه من كل ناحية فيرعى مع العامة فيما سواه ويمنع هذا من غيره لضعفاء سائمته وما أراد قرنه معها فيرعى معها فترى أن قول رسول الله صلى الله عليه وآله: “ولا حمى إلاّ لله ورسوله لا حمى على هذا المعنى الخاص وإن قوله لله كل محمي وغيره ورسوله إن رسول الله صلى الله عليه وآله إنما كان يحمي لصلاح عامة المسلمين لا لما يحمي له غيره من حاجة نفسه” ( الأم ج4، ص47). ومن الطبيعي أن ينكر الاسلام الحمى، لأن الحق الخاص فيه يقوم على أساس السيطرة، لا على أساس العمل، ولهذا لا يسمح بذلك لأحد من المسلمين وجاء النص يؤكد شجب هذا الأسلوب من التملك والاحتكار للمصادر الطبيعية، ويقول “لا حمى إلاّ لله ولرسوله”. وورد في بعض الروايات “إن شخصاً سأل الامام الصادق عليه السلام عن الرجل المسلم، تكون له الضيعة، فيها جبل مما يباع، يأتيه أخوه المسلم، وله غنم، قد احتاج الى جبل، يحل له أن يبيعه الجبل، كما يبيع من غيره، أو يمنعه منه إن طلبه بغير ثمن، وكيف حاله فيه وما يأخذ؟ فقال: “لا يجوز له بيع جبله من أخيه”.

 

          ( إقتصادنا الشهيد محمد باقر صدر489-490)

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق