علم الإقتصادعلوم ومعارف

مبدأ العمل أساس الملكية والحقوق الاقتصادية

لقد مجّد الاسلام العمل وعظّمه واعتبره عزاً للإنسان المؤمن وأنزله منزلة الجهاد في سبيل الله وأدرجه في جملة العبادات بل وفضّله على كثير منها بقول الامام أبو الحسن الرضا عليه السلام: “أغد إلى عزك، أعني السوق”.

وعن النبي صلى الله عليه وآله أيضاً: “العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال”، ولذا كانت نظرة الاسلام الى الثروة والعمل إيجابية باعتباره عنصر قوة في حياة الانسان على طريق تحقيقه لأهدافه الكبيرة وصولاً إلى سعادة الاخرة.

قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: “نعم العون على تقوى الله الغنى”، فانسجاماً مع هذه النظرة للعمل تأسس المبدأ الذي يعطي المشروعية للتملك أو للحق الاقتصادي في الاقتصاد الاسلامي.

فهناك نوعان من الأعمال:

الأول: هو الانتفاع والاستثمار وهو يشكل نشاطاً اقتصادياً ومصدراً للحقوق الخاصة.

والثاني: هو الاحتكار والاستئثار الذي لا يمثل مبرراً للحق وإنما يعتمد على القوة فقط دون أن يكون منتجاً ونافعاً ولذا لا قيمة له.

وعلى هذا الأساس كانت النظرية الاسلامية في استغلال المصادر الطبيعية والتي تقول: “إن العامل يملك نتيجة عمله التي يوجدها بجده وطاقته في الطبيعة”.

إلاّ أن هذا الحق في التملك يختلف باختلاف النتائج المترتبة على عمله إذ هي على نوعين:

الأول: العمل نتيجة العمل المبذول في المواد الخام وهي الفرصة العامة للإنتفاع بالثروة وبنتيجة تملكه لتلك الفرصة ليكون له الحق في نفس المال كإحياء منجم أو عين ماء أو الصيد ونحوه. فإذا إنعدمت الفرصة التي أوجدها سقط هذا الحق.

الثاني: نتيجة العمل المسؤول في ثروة طبيعية موجودة منذ البدء كإحياء الأرض الميتة فإن العمل هنا لا يوجد الأرض وإنما يوجد فرصة للإنتفاع بها لم تكن موجودة من قبل وهذا ما يعطيه حقاً يمنع الاخرين عن مزاحمته فيها ما دام يواصل الاستفادة منها وهو ما يسمى ب”حق الأولوية”. على أن هذا الحق إنما يثبت بشرطين هما: أن يكون العمل اقتصاياً، وأن يوجد هذا العمل فرصة جديدة يملكها العامل.

ومما سبق يعلم أن حيازة الثروات المنقولة من الحيوانات والمياه والأحجار وغير ذلك، بما هي عمل انتفاعي بالثروة الطبيعية، هو سبب أصيل مباشر لحق الفرد في تملك هذه الثروة التي حازها، هذا كله في المذهب الاقتصادي الإسلامي.

لكن المذهب الرأسمالي له موقف مختلف حيث يسمح لكل فرد بأن يتملك المصادر الطبيعية مستنداً في ذلك إلى مبدأ الحرية الاقتصادية التي يؤمن بها. ولذا يسمح للفرد أن يملك أية ثروة يتمكن من وضع يده عليها، ولو اعتماداً على القوة المالية المجردة، وبدون أي قيد أو حدّ إلاّ حرية التملك نفسها التي يمنحها للاخرين.

ويمكننا أن نتصور على ضوء ذلك الحالة التي عليها الواقع الاقتصادي الرأسمالي الذي لا تحكمه القيم الاخلاقية والضوابط الدينية من جهة، وتعطى فيه هذا النحو من الحرية في التملك الى أن تصطدم بحرية الاخر من جهة أخرى، لنتوقع بلا شك صراعاً عنيفاً بين القوى المختلفة ومشاريع السيطرة والاحتكار وما يترتب على ذلك من ظلم اجتماعي.

وأما الماركسية فهي أساساً لا تؤمن بحق التملك للفرد سواء في المصادر الطبيعية أو وسائل الانتاج، وتعتبر أن الملكية الخاصة قد أدت دورها في المراحل التاريخية السابقة وخصوصاً في المرحلة الرأسمالية الحديثة، وبالتالي لم يعد لها أي مبرر للوجود.

مبدأ تنمية الانتاج

حثّ الاسلام على تنمية الثروة ودعا الى الاستثمار وتنمية الطاقات المادية والمعنوية والإستفادة منها، فقال تعالى: ﴿فَامشُوا فِي مَنَاكِبَهَا وَكُلُوا مِنْ رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ عمران:115.

عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “من بنى بنياناً بغير ظلم ولا اعتداء كان له أجراً جارياً ما انتفع به أحد من خلق الرحمن”.

ولا شك أن كل المذاهب الاقتصادية تلتزم هذا المبدأ لكنها تختلف في تبني الوسائل والأساليب لتحقيقه تبعاً للرؤية الفكرية الخاصة، فالاسلام لا يقبل الربا وسيلة للتنمية أو وضع اليد على الأرض بدون إحياء وغير ذلك كما أن الرأسمالية لا تقبل بالأساليب التنموية التي تمس الحرية الاقتصادية الفردية المطلقة.

وعلى هذا الأساس فإن المذهب الاقتصادي في الإسلام يستخدم نوعين من الوسائل للتنمية:

الأول: وسائل ترجع الى رؤية المذهب على المستوى الفكري والتشريعي كتعظيم العمل وربطه بالجانب العبادي من حياة المسلم، وكتحريم اكتناز النقود الذهبية والفضية والأعمال غير المنتجة كالسحر والشعوذة والقمار، وتشريع الضمان الاجتماعي.

الثاني: وسائل فنية بحتة لها علاقة بتفاصيل السياسة التي ترسمها بالدولة وكيفية تطبيقها كدراسة الشروط الموضوعية وعمليات الاحصاء والمسح الجغرافي والبشري والمادي… وتحليل الظواهر الاجتماعية وتحديد مستويات المعيشة..

ومما لا بد من التنبيه عليه أن الهدف من تنمية الانتاج في الاسلام هو أن ينتفع الانسان من خلال السيطرة عليه ليرقى في وجوده ويؤدي رسالته في إقامة العدل والكدح نحو الله تعالى، لا أن تكون تنمية الثروة لأجل ذاتها، فإنها تصبح حجاباً بين الانسان وربه وتعطِّل غاية وجوده وهي التي قال عنها الامام الصادق عليه السلام “أنها رأس كل خطيئة”.

للمطالعة

تعتبر الحاجة في نظر الشيوعية القائلة: إن من كل وفقاً لطاقته ولكل وفقاً لحاجته، وحدها هي المعيار الأساسي في توزيع الناتج على الأفراد العاملين في المجتمع فلا تسمح للعمل بإيجاد ملكية أوسع نطاقاً من حاجة العامل… بينما يعترف الاسلام بالعمل بوصفه أداة للتوزيع الى جانب الحاجة، ويسند إليه دوراً إيجاباً في هذا المضمار، وبذلك يفتح المجال في الحياة الاقتصادية لظهور كل الطاقات والمواهب ونموها، على أساس من التنافس والسباق، ويدفع الأفراد الموهوبين الى إنفاق كل إمكاناتهم في مضمار المدنية والاقتصاد وعلى العكس من ذلك الشيوعية، فإنها بإقامتها للتوزيع على أساس حاجة العامل وحدها دون نوعية عمله ونشاطه، تؤدي الى تجميد الدوافع الطبيعية في الانسان الباعثة على الجد والنشاط، فإن الذي يبعث الفرد على ذلك إنما هو في الحقيقة مصلحته الخاصة، فإذا جرد العمل عن وصفه أداة توزيع واتخذت الحاجة وحدها مقياساً لنصيب كل فرد، كما تصنع الشيوعية، كان في ذلك القضاء على أهم قوة دافعة بالجهاز الاقتصادي الى الأمام، ومحرّكة له في اتجاه متصاعد.

 

      (اقتصادنا الشهيد محمد باقر صدر 336-337)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق