علم الإقتصادعلوم ومعارف

الإقتصاد الإسلامي (2)

مزايا الإقتصاد الإسلامي

يتصف الاقتصاد الاسلامي بمزايا أساسية ثلاثة يمكن ملاحظتها من خلال الكثير من التفاصيل والغايات والوسائل التي تأتي في سياق منهجه لمعالجة الموضوع الاقتصادي وهي:

أولاً: الواقعية

فعلى خلاف العديد من المذاهب الاقتصادية التي تنزع نحو المثالية التي تصل أحياناً الى حد الخيال في غاياتها وأهدافها، كمحاولة الشيوعية إلغاء غريزة الأنانية المركوزة في جبلة الانسان لإقامة مجتمع إنساني جديد لا مكان فيه للتملك، فإن الاقتصاد الاسلامي واقعي في أهدافه وغاياته وفي الوسائل الموصلة إليها، فيلحظ الطبيعة الإنسانية ونوازعها وحاجاتها ويستهدف تحقيقها بأفضل السبل وأيسرها، وبعين هذه الواقعية يحول تشريعاته إلى ضمانات للتنفيذ وتحقيق الأهدا

فمثلاً حينما يريد الإسلام التوزيع العادل للثروة بين أفراد الأمة فإنه لا يعمل على حرمان الأغنياء من ملكياتهم ومصادرتها  (التأميم) وإنما يقدم التشريعات المالية التي تساهم بمجموعها في تحقيق هذا الهدف كتحريم المعاملات الربوية وفرض الخمس والزكاة والكفارات المالية المختلفة ويحث على الانفاق في وجوه الخير ويربط ذلك بالثواب الأخروي ثم يحرم تملك الأرض بدون إحياء ويمنع الاحتكار، وفوق ذلك كله

يعطي ولي الأمر صلاحية الإشراف والتدخل في السوق والنواحي الأخرى إذا لزم الأمر. وهو بذلك في نفس الوقت يحدد عملياً معنى الحرية الإقتصادية.

ثانياً: الأخلاقية

إن الاقتصاد الاسلامي يعكس في منهجه القيم الأخلاقية التي يدعو إليها الدين والمتعلقة بالسلوك البشري، فهو إقتصاد أخلاقي بالدرجة الأولى يهتم بالروح بدرجة لا تقل عن إهتمامه بالواقع الموضوعي الخارجي لإقتصاد المجتمع. وهذا ينسجم تماماً مع تشخيصه للمشكلة الاقتصادية كما تقدم.

ففي المثال السابق حينما يريد الاسلام التوزيع العادل للثروة فإنه يسعى ليكون ذلك عن طريق الدافع الذاتي لدى الانسان الطالب لرضا المولى عز وجل، لا بالقوة والإكراه إلاّ في الحدود الضرورية التي لا بدّ منها. لأن الهدف ليس تحقيق الموضوع الخارج كيفما كان وإنما عبر إحياء القيم الأخلاقية والتوجهات النبيلة في المجتمع.

ولا بد من الالتفات الى أن هذا يمثل عامل قوة على المستوى الاقتصادي اليوم نظراً لأهمية العامل النفسي والسلوك المالي والاقتصادي للفرد والجماعة في حصول الأزمات ومواجهتها في الاقتصاديات المعاصرة.

ثالثاً: ربط المصالح الاجتماعية بالدوافع الذاتية

إن أهم المشكلات التي تعترض المذهب الاقتصادي، أياً كان لونه هو في كيفية التوفيق بين المصلحة الاجتماعية الناشئة من علاقة الانسان بالاخرين، وبين دوافعه الذاتية لتحقيقها، للتناقض القائم بينهما في الكثير من الأحيان إذ غالباً ما تتعارض هذه المصالح الاجتماعية مع مصالحه الخاصة الفردية، فينطلق الانسان بقوة هذه الدوافع الذاتية ليعارض كل مصلحة اجتماعية إذا كانت تنتقص من مصلحته الشخصية.

وهنا تبرز أهم ميزة الاقتصاد الاسلامي بوصفه جزءاً من رؤية سماوية كاملة للحياة وهي وجوده ضمن إطار ديني عام يدخر له عوامل التأثير الإيجابي لتحقيق التوافق بين المصالح الاجتماعية والدوافع الذاتية للإنسان.

فالعقيدة التوحيدية والمفاهيم العامة عن الحياة والكون والعواطف والأحاسيس التي تزخر بها البيئة الاسلامية، مضافاً الى التشريع الديني للمجالات المالية والاجتماعية والسياسية والجزائية وغيرها، كل ذلك يوفر للاقتصاد الاسلامي مجالاً اجتماعياً حياً ومتفاعلاً مع القيم التي ينشدها والأهداف التي يسعى إليها.

وهذا يعني بالضرورة الربط بين المصالح الاجتماعية والدوافع الذاتية للانسان بأروع صورة حيث تدخل كل مصلحة إجتماعية في مصلحته الدينية ليضيفها الى رصيده الدنيوي أو الأخروي وهناك كثرة في الشواهد القرانية والحديثية على هذا الربط.

فيقول تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابَ﴾. غافر:40

ويقول تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءً عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون﴾. ال عمران:169

ويقول تعالى: ﴿ذَلِكَ بأَنَّهُم لاَ يُصيبهُم ظَمَأٌ وَلاَ نَصبٌ وَلاَ مُخْمَصَةٌ فِي سَبيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَؤُون موطِئاً يَغِيظُ الكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدوٍّ نَّيلاً إلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالحٌ إنَّ اللَّهَ لاَ يَضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنينَ وَلاَ يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وادِياً إِلا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجزِيَهُمُ اللَّهُ أحسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.التوبة:120-121

وهذا يؤكد حقيقة أن الرسالة الإلهية والدين وحده القادر على حل المشاكل الإنسانية. ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ للدِينِ حَنِيفاً فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ الروم:30.

للمطالعة

ونستطيع بكل سهولة أن نتبين من خلال التاريخ التطبيقي للرأسمالية، جنايات هذه الحرية الرأسمالية، التي رفضت كل التحديدات الخلقية والروحية، واثارها الخطيرة: في مجرى الحياة الاقتصادية أولاً، وفي المحتوى الروحي للمجتمع ثانياً، وفي علاقات المجتمع الرأسمالي بغيره من المجتمعات ثالثاً حتى عاد الرأسماليون أنفسهم يؤمنون بحاجة الرأسمالية إلى التعديل والتحديد، ويحاولون شيئاً من الترقيع والترميم، للتخلص من تلك الاثار أو إخفائها عن الأبصار، وأصبحت الرأسمالية في صيغتها المذهبية الكاملة مذهباً تاريخياً، أكثر من كونه مذهباً يعيش في واقع الحياة.

أما في مجرى الحياة الاقتصادية للمجتمع الرأسمالي: فليست الحرية الرأسمالية المطلقة إلاّ سلاحاً جاهزاً بيد الأقوياء يشق لهم الطريق، ويعبد أمامهم سبيل المجد والثروة على جماجم الاخرين، لأن الناس ما داموا متفاوتين في حظوظهم من المواهب الفكرية والجسدية والفرص الطبيعية… فمن الضروري أن يختلفوا في أسلوب الاستفادة من الحرية الاقتصادية الكاملة التي يوفرها المذهب الرأسمالي لهم، وفي درجات هذه الاستفادة، ويؤدي هذا الاختلاف المحتوم بين القوي والضعيف، إلى أن تصبح الحرية التعبير القانوني عن حق القوي في كل شي‏ء، بينما لا تعني بالنسبة الى غيره شيئاً، ولما كانت الحرية الرأسمالية لا تقر بالرقابة مهما كان لونها فسوف يفقد الثانويون في معركة الحياة كل ضمان لوجودهم وكرامتهم، ويظلون في رحمة منافسين أقوياء لا يعرفون لحرياتهم حدوداً من القيم الروحية والخلقية، ولا يدخلون في حسابهم إلاّ مصالحهم الخاصة.

وقد بلغ من هدر الكرامة الانسانية، نتيجة لهذه الحرية الرأسمالية أن بات الانسان نفسه سلعة خاضعة لقوانين العرض والطلب، وأصبحت الحياة الانسانية رهن هذه القوانين، وبالتالي رهن القانون الحديدي للأجور.

 

(اقتصادنا -محمد باقر الصدر )

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق