القرآن الكريمبحوث قرآنية

الإتّجاه الكلامي في تفسير القرآن الكريم

الكاتب : صدر الدين سي

– أولاً- مفهومه الإصطلاحي:

المقصود من (الإتجاه) هنا هو تأثير الإعتقادات الدينية، الكلامية، الإتجاهات العصرية وأساليب كتابة التفسير، والتي تتكون على أساس عقائد واحتياجات وذوق وتخصص المفسّر .[1]

نلاحظ في هذا التعريف أن كلمة <الإتجاه> تشمل عدة عناصر مهمة وهي:

1- الإعتقادات الدينية الكلامية: أي المسائل الإعتقادات التي جرت بحثها في علم الكلام.

2- أساليب كتابة التفسير: وهي مسألة ترجع إلى منهج تفسير القرآن الكريم كالتفسير الترتيبي الذي استخدمها المفسرين القدامى ، والتفسير الموضوعي الذي يُعتبر منهج جديد في تفسير القرآن. حيث بعض الأساليب تعتمد على عقائد المفسر، وبعضها على ذوق المفسر في بيان الآيات، كالتفسير البياني، والتفسير العلمي و التفسير الفلسفي، وغيرها حسب تخصص المفسر.

ثانياً: معالم الإتجاه الكلامي

للإتجاه الكلامي في التفسير خصوصيات، إذ أن له أهداف تحقّقها ومسائل تهتمّ ببيانها، وسنذكر هنا أكثر ما يهتمّ به هذا الإتجاه:

1- تفسير الآيات العقائدية:

المراد منه هو تفسير تلك الآيات التي ترتبط بالعقيدة في أصول الدين؛ التوحيد،  العدل، النبوة، الإمامة، المعاد. وعلى سبيل المثال: حينما يريد المفسّر أن يبيّن آية ترتبط بمسألة التوحيد، فإنه سوف يفسر تلك الآية حسب ما يتبنّاه من عقائد ونظريات.

فالمفسر الشيعي الإثنا عشري حينما يستظهر معنى: قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ{22} إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}[2] فإنه سوف يفسر معنى (النظرة و الرؤية) بمعنى الرؤية القلبية غير الرؤية البصرية الحسية، وذلك بما تبناه من عقيدة – في خصوص هذه المسألة  التي قد تمّ إثباتها والإستدلال عليها في علم الكلام – من استحالة رؤية الله حسياً بنفي الجسمانية في حقه سبحانه جل وعلا.

كما نرى في تفسير الطباطبائي ذيل هذه الآية؛ قال: >إنه آية متشابهة، و بإرجاعها إلى قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ»[3] ، و قوله تعالى‏ >لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ»[4]، يتبين: أن المراد بها نظرة و رؤية من غير سنخ رؤية البصر الحسي، و قد قال تعالى: «ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏ أَ فَتُمارُونَهُ عَلى‏ ما يَرى‏ إلى أن قال‏ لَقَدْ رَأى‏ مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى‏»[5]، فأثبت للقلب رؤية تخصه، و ليس هو الکفر فإن الكفر إنما يتعلق بالتصديق و المركب الذهني و الرؤية إنما تتعلق بالمفرد العيني، فيتبين بذلك أنه توجه من القلب ليست بالحسية المادية و لا بالعقلية الذهنية، و الأمر على هذه الوتيرة في سائر المتشابهات<[6].

وكذلك المفسّر المعتزلي يحمل نفس النظرية في استحالة رؤية الله عز وجل، وقد جاء في التفسير الكبير تعليق الرازي للآية الكريمة: >اعلم أن جمهور أهل السنة يتمسكون بهذه الآية في إثبات أن المؤمنين يرون اللّه تعالى يوم القيامة. أما المعتزلة فلهم هاهنا مقامان أحدهما: بيان أن ظاهره لا يدل على رؤية اللّه تعالى و الثاني: بيان التأويل<[7]. ثم تطرّق إلى بيان وجه الإستدلال في استحالة رؤية الله ومعاني لفظ>ناظرة< ووجه تأويل الآية[8].

2- تفسير الآيات المتشابهة في القرآن:

من المهمّات الأساسية التي تقوم بها الإتجاه الكلامي هو بيان وتفسير الآيات المتشابهة التي ترتبط بالمسائل العقائدية، كالصفات الخبرية في القرآن الكريم، كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}[9]، فظاهر هذه الآية تدل على توصيف الله عز وجل بصفات المخلوق المتصف بالجسمانية، لأن “اليد المعروفة” هي عضو من أعضاء الإنسان، ويلزم من ذلك تجسيم لله وكونه مركباً، والله سبحانه منزّه من كل هذه النقائص. فمن هنا يأتي دور التفسير الكلامي ببيان المراد الحقيقي للآية، وتفسيرها ما يناسب مقامه عز وجل،  بعد أن ناقش الشبهات الواردة في هذا البحث، واستدل بالحجج والبراهين.

3- إثبات العقيدة الحقة ونفي عقائد الآخرين:

وذلك من خلال تفسير الآيات، كما نرى الطباطبائي في تفسيره، أورد بحوثاً كثيرة للإجابة عن شبهات المسيحيين حول قضية المسيح بن مريم وعقيدة التثليث[10]، وغيره من المفسرين الذين تناولوا البحوث الكلامية في تفاسيرهم، قد اهتموّا بردّ العقائد الباطلة من أهل الكتاب.

4- الدفاع عن المدرسة الكلامية المتبنّاة من قِبل المفسّر:

     إن بواعث المفسر الكلامي هو الدفاع عن عقائد المسلمين، والدفاع عن مذهبه بشكل أخصّ، كما نلاحظ ذلك في كثير من التفاسير، وعلى سبيل المثال: الفخر الرازي في تفسيره[11]، يدافع عن عقائد المعتزلة، وابن كثير[12] يدافع عن عقائد الأشاعرة (السلفية).

5- الإستعانة من المنهج الإجتهادي واتباع الطرق الإستدلالية في مختلف المسائل العقائدية إلى جانب استخدام الروايات والآيات القرآنية، أي يستفيد من الآيات من باب التعضيد وليس من باب التأسيس .


[1] – محمد علي الرضائي الإصفهاني، دروس في الإتجاهات التفسيرية للقرآن، ص35

[2] – القيامة/ 22-23

[3] – الشورى/ 11

[4] – الأنعام/ 103

[5] – النجم/18

[6] – الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن الكريم، ج3، ص 43-44

[7] – الفخر الرازي، محمد بن عمر، التفسير الكبير، ج‏30، ص: 730

[8] – نفس المصدر، ص 731

[9] – الفتح/ 10

[10] – راجع : الميزان في تفسير القرآن ، ج3، ص292

[11] – التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)

[12] – تفسير القرآن العظيم لابن كثير

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق