القرآن الكريمعلوم القرآن

أنواع الإعجاز القرآني

الكاتب: صدر الدين سي


– قد تناول العلماء بحث الإعجاز القرآني في مجالات مختلفة بأساليب متنوّعة، وأبدعوا فيه تحاليلهم الدقيقة الشيّقة، بحيث لا يمكن حصر أنواع الإعجاز بعدد معلوم.

ومن هنا نذكر أهمّ أنواع الإعجاز ، والتي تتناول القرآن الكريم من جهات شتّى:

النوع الأول: الإعجاز اللغوي (البياني)  

هذا النّوع هو أبرز ما تحدّى به القرآن العرب في حياة النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و هو التّحدّي في أبرز خصائصهم، فمع أنّه بلسانهم، و أتى بما لا يخرج عن وجوه فصاحتهم و أساليب بيانهم، و هم يومئذ في الذّروة في ذلك نثرا و نظما، لكنّهم عجزوا عن معارضته و لو بسورة من مثله، فصاروا يتخبّطون، فتارة يقولون: (هو شعر)، و تارة: (قول كاهن)، و تارة: (أساطير الأوّلين)، لا يثبتون على شي‏ء؛ لأنّهم يعلمون أنّه ليس كما يقولون، و ما كان لهم ليغفلوا عن صفة الشّعر و لا صيغة النّثر، و هم أهل ذلك و عباقرته‏.[1]

وإليك النماذج التالية كما ورد في الإتقان:[2]

أ- قوله تعالى: {وجنى الجنّتين دان} لو قال مكانه: (وثمر الجنّتين قريب): لم يقم مقامه من جهة الجناس بين الجنى والجنتين ومن جهة  أن الثمر لا يشعر بمصيره إلى حال يجنى فيها ومن جهة مؤاخاة الفواصل .

ب- قوله تعالى: { وما كنت تتلو من قبله من كتاب} أحسن من التعبير ب (تقرأ) لثقله بالهمزة .

ج- قوله تعالى: { لاريب فيه} أحسن من (لا شك فيه) لثقل الإدغام ولهذا كثر ذكر الريب.

النوع الثاني: الإعجاز الإخباري

هذا هو الإعجاز فيما تضمّنه القرآن من الأنباء، و هو أربعة أشياء:

أوّلها: الإخبار عن الغيب المطلق، كالخبر عن اللّه عزّ و جلّ و أسمائه و صفاته، و الملائكة، و صفة الجنّة و صفة النّار.

و قد أتى القرآن في هذا الأمر بما لا يدركه بشر من تلقاء نفسه، إذ طريقه لا يكون من جهة العقول، إنّما طريقه السّمع الّذي‏ { لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصّلت: 42].

و ثانيها: الإخبار عن الأمور السّابقة، كالخبر عن بدء الخلق، و عن الأمم السّالفة.

و قد قصّ علينا القرآن من ذلك عجبا، و أتى من الأنباء بما لم يملك المنصفون من أهل الكتاب و العلم إلّا تصديقه، كما قال اللّه عز و جلّ: { وَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِ}‏ [الأنعام: 114]

و ثالثها: الإخبار عمّا يكون في مستقبل الزّمان، كالإخبار عن الشّي‏ء قبل وقوعه في عهد النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم، أو عمّا سيكون بعد ذلك.

كما في قوله عز و جلّ: { الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ }5 [الرّوم: 1- 5].

و رابعها: الإخبار عمّا تكنّه النّفوس و تخفيه الضّمائر، ممّا لا يمكن أن يعلمه إلّا اللّه، و لا يصل إلى علم النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم إلّا بوحي اللّه.

النوع الثالث: الإعجاز التشريعي

إن التشريعات الإسلامية التي جمعت بين الروح و المادة فأشبعت كلا منهما في الإنسان بما يناسبها، و وفرت السعادة و الطمأنينة في الحياة الدنيا و أزالت القلق عن النفوس من المستقبل مع مراعاة الفطرة و تلاؤمها معها، لدليل على أن أحدا من البشر لا يستطيع أن يدرك هذه المجالات أو يحيط بها، و هي برهان ساطع على أنها منزلة من خالق الإنسان الذي أودع فيه هذه الطاقات و القدرات و الاستعدادات فأنزل ما ينظمها جميعا و يوجهها لعبادة الخالق سبحانه و تعالى. و تكون الدلالة أوضح و البرهان أظهر عند ما تعلم أن الذي نزلت عليه كان أميا لم يتلق العلم على يد أحد من البشر، و لم يعرف بتجواله في الآفاق بحثا عن النظريات و الدساتير الإصلاحية.[3]

والقرآن قد جاء بتشريع معجز يثبت أنه تنزيل من اللّه و وحي منه تبارك و تعالى، و ذلك من أوجه كثيرة نذكر منها:

1- إنها جاءت على لسان رجل أمي و في أمة أمية، تعيش الحياة القبلية بكل كيان أفرادها، لا يخطر على بال أحد منهم انتظام أو التزام بقانون عام أو نظام حضاري.

2- إنه تشريع شامل و كافل لإحقاق الحق، و صيانة مصالح الناس في جميع شئونهم المالية، و الاجتماعية و الأسرية، و الدولية …

3- إنه تسامى على كل قانون عرفته الأمم قديمها و حديثها، حتى أقرت المجامع القانونية الدولية الفقه الإسلامي مصدرا أساسيا تقتبس منه القوانين، و إن القوانين الحديثة في تطورها تتسامى لتقترب من الفقه الإسلامي.[4]

النوع الرابع: الإعجاز العلمي

لقد راج الإعجاز العلمي‏ في هذا العصر و ضرب بسهم وافر لمناسبته روح العصر العلمية، فصار هو الأقدر على مخاطبة الآخرين، و لفتهم إلى إعجاز القرآن، و أن هذا الكتاب لا يمكن أن يكون من كلام البشر و أنه تنزيل رب العالمين.

الإعجاز لغة:

معنى‏ الإعجاز الفوت و السبق. يقال‏ أعجزني‏ فلانٌ، أي فاتني.[5]

الاعجاز اصطلاحاً: هو الإعلام بعجز البشر عن معرفة حقائق مشار إليها.

الإعجاز العلمي : هو إشارة إلى حقائق علمية يعجز الناس في حينها عن معرفتها.

و الإعجاز العلمي في القرآن و السنة هو:   مطابقة معان كثيرة و متوافرة، صريحة في دلالاتها، من الكتاب و السنة، لحقائق علمية، غير معلومة زمن التنزيل، و لا تدرك إلا بالتجربة أو وسائل مادية، لتثبت صدق الرسالة التي جاء بها النبي محمد صلّى اللّه عليه و سلّم من عند اللّه عزّ و جلّ.[6]

والتطابق في الإعجاز العلمي يكون بعرض صفات الحقيقة العلمية الثابتة على دلالة النص الشرعي القطعي، فإن وافقت صفات الحقيقة العلمية دلالة النص الشرعي طابقته.


[1] – المقدمات الأساسية في علوم القرآن/ عبد الله بن يوسف الجديع‏/ص : 18

[2] – الإتقان في القرآن للسيوطي/ ج 4/ ص25

[3] – مباحث في إعجاز القرآن/ مصطفى مسلم/  ص : 257

[4] – علوم القرآن الكريم(عتر) /نور الدين عتر/ ص : 219

[5] – تهذيب اللغة/ محمد بن أحمد الأزهري/  ج1/ ص 219

[6] – إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام/ كريم نجيب الاغر/ ص : 17

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق